من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة (٢٢)
وسئل أيضا عن قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ؛.
كيف يكون النبىّ ﵇ فى شك مما أوحى إليه؟ وكيف يسأل عن صحة ما أنزل إليه الذين يقرءون الكتاب من قبله وهم اليهود والنصارى المكذّبون له؟
فقال: إن قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ ظاهر الخطاب له ﵇، والمعنى لغيره؛ كما قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ؛ فكأنه قال: فإن كنت أيّها السامع للقرآن فى شكّ ممّا أنزلناه على نبينا؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب.
وليس يمتنع عند من أنعم النظر أن يكون الخطاب متوجّها إلى النبىّ صلى الله عليه وآله، وليس إذا كان الشك لا يجوز عليه لم يحسن أن يقال له: إن شككت فافعل كذا، كما قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ؛، ومعلوم أن الشرك لا يجوز عليه.
ولا خلاف بين العلماء فى أنّه ﵇ داخل فى ظاهر آيات الوعيد والوعد، وإن كان لا يجوز أن يقع منه ما يستحق به من العقاب. وإن قيل له: إن أذنبت عوقبت؛ فهكذا لا يمتنع أن يقال له: إن شككت فافعل كذا وكذا؛ وإن كان ممن لا يشك.
ووجدت بعض المفسّرين يجعل (إن) هاهنا بمعنى «ما» التى للجحد، ويكون تقدير الكلام: ما كنت فى شك مما أنزلنا إليك، واستشهد على ذلك بقوله تعالى: قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛، أى ما نحن،
وقوله تعالى: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ؛؛ أى ما أنت إلا نذير، ولا شك ولا شبهة فى أن لفظة إِنْ
قد تكون بمعنى «ما» فى بعض المواضع؛ إلا أنه لا يليق بهذا الموضع أن تكون إِنْ بمعنى «ما»؛ لأنه لا يجوز أن يقول تعالى: ما أنت فى شك مما أنزلنا إليك؛ فاسأل الذين يقرءون الكتاب؛ لأن العالم لا حاجة به إلى المسألة؛ وإنما يحتاج أن يسأل الشاكّ.
غير أنه يمكن نصرة هذا الجواب بأنه تعالى لو أمره بسؤال أهل الكتاب من غير أن ينفى شكّه لأوهم أمره بالسؤال أنه شاكّ فى صدقه، وصحة ما أنزل عليه، فقدّم كلاما يقتضي نفى الشك عنه فيما أنزل عليه، ليعلم أنّ أمره بالسؤال ليزول الشكّ عن غيره، لا عنه.
فأما الذين أمر بمسألتهم فقد قيل إنهم المؤمنون من أهل الكتاب، الراجعون إلى الحق؛ ككعب الأحبار، ومن جرى مجراه ممن أسلم بعد اليهودية، لأن هؤلاء لا يصدقون عمّا شاهدوه فى كتبهم من صفات النبي ﵇ والبشارة به؛ وإن كان غيرهم ممن أقام على الكفر والباطل لا يصدق عن ذلك.
وقال قوم آخرون: إنّ المراد بالذين يقرءون الكتاب جماعة اليهود، ممن آمن وممن لم يؤمن؛ فإنهم يصدقون عما وجدوه فى كتبهم من البشارة بنبىّ موصوف، يدّعون أنه غيرك، وأنك إذا قابلت بتلك الصفات صفاتك علمت أنت وكلّ من أنصف أن المبشّر بنبوته هو أنت.
وقال آخرون: ما أمره أن يسألهم عن البشارة به؛ لأنهم لا يصدقون عن ذلك؛ بل أمره ﵇ أن يسألهم عما تقدم ذكره على هذه الآية بغير فصل من قوله تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؛ ثم قال تعالى:
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ؛، أى فى شك مما تضمنته هذه الآية من النعمة على بنى إسرائيل؛ فما كانت اليهود تجحد ذلك، بل تقرّ به، وتفخر بمكانه.
وهذا الوجه يروى عن الحسن البصرىّ. وكلّ ذلك واضح لمن تأمله.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع