من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
مسألة (٢٣)
سئل رضى الله عنه فقيل: ما القول فيما يخبر به المنجّمون من وقوع حوادث، ويضيفون ذلك إلى تأثيرات النجوم؟
وما المانع من أن تؤثر الكواكب على حدّ تأثير الشمس الأدمة فينا؟
وإن كان تأثير الكواكب مستحيلا فما المانع من أن تكون التأثيرات من فعل الله تعالى بمجرى العادة عند طلوع هذه الكواكب وانتقالها؟
فلينعم ببيان ذلك؛ فإن الأنفس إليه متشوقة.
وكيف تقول: إن المنجمين حادسون؛ مع أنه لا يفسد من أقوالهم إلا القليل؛ حتى إنهم يخبرون بالكسوف ووقته ومقداره فلا يكون إلا على ما أخبروا به؛ فأىّ فرق بين إخبارهم بحصول هذه التأثيرات فى هذا الجسم، وبين حصول تأثيرها فى أجسامنا؟
الجواب، اعلم أن المنجمين يذهبون إلى أن الكواكب تفعل فى الأرض ومن عليها أفعالا يسندونها إلى طباعها، وما فيهم أحد يذهب إلى أن الله تعالى أجرى العادة؛ بأن يفعل عند قرب بعضها من بعض، أو بعده أفعالا من غير أن يكون للكواكب أنفسها تأثير فى ذلك، ومن ادّعى هذا المذهب الآن منهم فهو قائل بخلاف ما ذهبت القدماء فى ذلك، ومتجمّل بهذا المذهب عند أهل الإسلام، ومتقرب إليهم بإظهاره. وليس هذا بقول لأحد ممن تقدم
وكأن الّذي كان يجوز أن يكون صحيحا- وإن دلّ الدليل على فساده- لا يذهبون إليه؛ وإنما يذهبون إلى المحال الّذي لا يمكن صحته؛ وقد فرغ المتكلّمون من الكلام فى أنّ الكواكب لا يجوز أن تكون فينا فاعلة، وتكلمنا نحن أيضا فى مواضع على ذلك، وبيّنّا بطلان الطبائع التى يهذون بذكرها، وإضافة الأفعال إليها، وبيّنا أن الفاعل لا بدّ أن يكون حيّا قادرا. وقد علمنا أن الكواكب ليست بهذه الصفة، فكيف تفعل وما يصحّح الأفعال مفقود فيها! وقد سطر المتكلمون طرفا كثيرة فى أنها ليست بحية ولا قادرة،
أكثرها معترض. وأشفّ ما قيل فى ذلك أن الحياة معلوم أن الحرارة الشديدة، كحرارة النار تنفيها ولا تثبت معها. ومعلوم أنّ حرارة الشمس أشدّ وأقوى من حرارة النار بكثير؛ لأنّ الّذي يصل إلينا على بعد المسافة من حرارة الشمس بشعاعها يماثل أو يزيد على حرارة النار؛ وما كان بهذه الصفة من الحرارة يستحيل كونه حيّا.
وأقوى من ذلك كلّه فى نفى كون الفلك وما فيه من شمس وقمر وكوكب أحياء السمع والإجماع؛ فإنه لا خلاف بين المسلمين فى ارتفاع الحياة عن الفلك وما يشتمل عليه من الكواكب، وأنها مسخّرة مدبّرة مصرّفة؛ وذلك معلوم من دين رسول الله صلى الله عليه وآله ضرورة؛ وإذا قطعنا على نفى الحياة والقدرة عن الكواكب، فكيف
تكون فاعلة!
وعلى أننا قد سلّمنا لهم استظهارا فى الحجة أنها قادرة؛ قلنا: إن الجسم وإن كان قادرا فإنه لا يجوز أن يفعل فى غيره إلّا على سبيل التوليد؛ ولا بدّ من وصلة بين الفاعل والمفعول فيه، والكواكب غير مماسّة لنا، ولا وصلة بيننا وبينها، فكيف تكون فاعلة فينا! فإن ادّعى أن الوصلة بيننا الهواء؛ فالهواء أوّلا لا يجوز أن يكون آلة فى الحركات الشديدة، وحمل الأثقال؛ ثم لو كان الهواء آلة تحرّكنا بها الكواكب لوجب أن نحسّ بذلك، ونعلم أنّ الهواء يحرّكنا ويصرّفنا؛ كما نعلم فى غيرنا من الأجسام إذا حركناه بآلة يوضع تحريكه لنا بها. على أنّ فى الحوادث الحادثة فينا ما لا تجوز أن يفعل بآلة، ولا يتولّد عن سبب، كالإرادات والاعتقادات وأشياء كثيرة؛ فكيف فعلت الكواكب ذلك فينا وهى لا يصحّ أن تكون مخترعة للأفعال؛ لأن الجسم لا يجوز أن يكون قادرا إلا بقدرة، والقدرة لا تجوز لأمر يرجع إلى نوعها أن تخترع بها الأفعال.
فأما الأدمة فليس تؤثّرها الشمس على الحقيقة فى وجوهنا وأبداننا؛ وإنما الله تعالى هو المؤثر لها وفاعلها بتوسط حرارة الشمس؛ كما أنه تعالى هو المحرق على الحقيقة بحرارة النار، والهاشم لما يهشمه الحجر بثقله، وحرارة الشمس مسوّدة للأجسام من جهة معقولة مفهومة؛ كما أن النار تحرق الأجسام على وجه معقول، فأىّ تأثير للكواكب فينا يجرى هذا المجرى فى
تمييزه والعلم بصحته، فليشر إليه؛ فإن ذلك لا قدرة عليه. ومما يمكن أن يعتمد فى إبطال أن تكون الكواكب فاعلة فينا ومصرّفة لنا أن ذلك يقتضي سقوط الأمر والنهى والمدح والذمّ عنا، ونكون معذورين فى كلّ إساءة تقع منّا ونجيئها بأيدينا، وغير مشكورين على شيء من الإحسان والإفضال؛ وكلّ شيء نفسد به قول المجبرة؛ فهو مفسد لهذا المذهب.
وأما الوجه الآخر وهو أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل أفعالا مخصوصة عند طلوع كوكب أو غروبه، أو اتصاله أو مفارقته فقد بيّنا أنّ ذلك ليس بمذهب للمنجّمين البتّة؛ وإنما يتجملون الآن بالتظاهر به، وأنه قد كان جائزا أن يجرى الله تعالى العادة بذلك؛ لكن لا طريق إلى العلم بأن ذلك قد وقع وثبت؛ ومن أين لنا بأن الله تعالى [أجرى] العادة بأن يكون زحل أو المريخ إذا كان فى درجة الطالع كان نحسا، وأن المشترى إذا كان كذلك كان سعدا؟ وأىّ سمع مقطوع به جاء بذلك؟ وأىّ نبىّ خبّر به واستفيد من جهته؟
فإن عوّلوا فى ذلك على التجربة بأنا جرّبنا ذلك ومن كان قبلنا فوجدناه على هذه الصفة؛ وإذا لم يكن موجبا وجب أن يكون معتادا.
قلنا: ومن سلّم لكم صحة هذه التجربة وانتظامها واطرادها؟ وقد رأينا خطأكم فيها أكثر من صوابكم، وصدقكم أقلّ من كذبكم! فألّا نسبتم الصحة إذا اتفقت منكم إلى الانفاق الّذي يقع من المخمّن والمرجّم! فقد رأينا من يصيب من هؤلاء أكثر ممن يخطئ، وهو على غير أصل معتمد، ولا قاعدة صحيحة.
فإذا قلتم: سبب خطأ المنجّم ذلك دخل عليه فى أخذ الطالع أو تسيير الكواكب.
قلنا: ولم لا كانت إصابته سببها التخمين! وإنما كان يصح لكم هذا التأويل والتخريج لو كان على صحة أحكام النجوم دليل قاطع هو غير إصابة المنجّم؛ فأما إذا كان دليل صحة الأحكام الإصابة، فألّا كان دليل فسادها الخطأ! فما أحدهما فى المقابلة إلا كصاحبه.
ومما أفحم به القائلون بصحة الأحكام، ولم يتحصل منهم عنه جواب أن قيل لهم فى شيء بعينه: خذوا
الطالع واحكموا؛ هل يؤخذ أو يترك؟ فإن حكموا إما بالأخذ أو الترك خولفوا؛ وفعل خلاف ما خبّروا به.
وقد أعضلتهم هذه المسألة، واعتذروا عنها بأعذار ملفّقة لا يخفى على عاقل سمعها بعدها من الصواب. فقالوا فى هذه المسألة: يجب أن يكتب هذا المبتلى بها ما يريد أن يفعل، أو يخبر به غيره؛ فإنا نخرج ما قد عزم عليه من أحد الأمرين.
وهذا التعليل منهم باطل؛ لأنه إذا كان النظر فى النجوم يدلّ على جميع الكائنات التى من جملتها ما يختاره أحدنا؛ من أخذ هذا الشيء أو تركه، فأىّ فرق بين أن يطوى ذلك فلا يخبر به ولا يكتبه؛ حتى يقول المنجم ما عنده، وبين أن يخبر به ويكتبه قبل ذلك! وإنما فزعوا إلى الكتابة وما يجرى مجراها حتى لا يخالف المنجّم فيما يذكره؛ ويحكم به من أخذ أو ترك.
ولو كانت الأحكام صحيحة؛ وفيها دلالة على الكائنات لوجب أن يعرف المنجم ما اختاره من أحد الأمرين على كل حال.
ولو نزلنا تحت حكمهم؛ وكتبنا ما نريد أن نفعله لما وجدنا إصابتهم فى ذلك إلا أقلّ من خطئهم، ولم يزيدوا فيه على ما يفعله المخمّن المرجّم من نظر فى طالع ولا غارب، ولا رجوع إلى أصل؛ وإلا فالبلوى بيننا وبينكم.
وكان بعض الرؤساء بل الوزراء ممن كان فاضلا فى الأدب والكتابة، ومشغوفا بالنجوم، عاملا عليها قال لى يوما- وقد جرى حديث يتعلق بأحكام النجوم، ورأى من مخائلى التعجب ممن يتشاغل بذلك، ويفنى زمانه به-:
أريد أن أسألك عن شيء فى نفسى، فقلت: سل عما بدا لك، قال: أريد أن تعرفنى: هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى ألّا تختار يوما لسفر، ولبس ثوب جديد، وتوجّه فى حاجة؟ فقلت: قد بلغت إلى ذلك والحمد لله وزيادة عليه، وما فى دارى تقويم، ولا أنظر فيه، وما رأيت مع ذلك إلا خيرا.
ثم أقبلت عليه فقلت: ندع ما يدلّ على بطلان أحكام النجوم مما يحتاج إلى فكر دقيق، ورويّة طويلة، وهاهنا شيء قريب لا بخفى على أحد ممن علت طبقته فى الفهم، أو انخفضت؛ خبّرنى لو فرضنا جادّة مسلوكة، وطريقا يمشى فيه الناس ليلا ونهارا، وفى محجّته آبار متقاربة
وبين بعضها وبعض طريق يحتاج سالكه إلى تأمّل وتوقّف حتى يتخلص من السقوط فى بعض تلك الآبار؛ هل يجوز أن تكون سلامة من يمشى فى هذا الطريق من العميان كسلامة من يمشى من البصراء؛ وقد فرضنا أنه لا يخلو طرفة عين من المشاة فيه بصراء وعميان؟ وهل يجوز أن يكون عطب البصراء يقارب عطب العميان، وسلامة العميان مقاربة لسلامة البصراء؟
فقال: هذا مما لا يجوز، بل الواجب أن تكون سلامة البصراء أكثر من سلامة العميان؛ ولا يجوز فى مثل هذا التقارب.
فقلت: إذا كان هذا محالا، فأحيلوا نظيره، وما لا فرق بينه وبينه، وأنتم تجيزون شبيه ما ذكرناه وعديله؛ لأن البصراء هم الذين يعرفون أحكام النجوم، ويميّزون سعدها من نحسها، ويتوقون بهذه المعرفة مضارّ الزمان ويتخطّونها، ويعتمدون منافعه ويقصدونها. ومثال العميان كلّ من لا يحسن تعلّم النجوم، ولا يلتفت إليه من الفهماء والفقهاء وأهل الديانات والعبادات، ثم سائر العوام والأعراب والأكراد؛ وهم أضعاف أضعاف من يراعى عدد النجوم. ومثال الطريق الّذي فيه الآبار الزمان الّذي يمضى عليه الخلق أجمعون. ومثال آباره مصائبه ونوائبه ومحنه.
وقد كان يجب لو صحّ العلم بالنجوم وأحكامها أن تكون سلامة المنجمين أكثر، ومصائبهم أقل؛ لأنهم يتوقون المحن لعلمهم بها قبل كونها، وتكون محن كل من ذكرنا من الطبقات الكثيرة أوفر وأظهر؛ حتى تكون السلامة هى الطريقة الغريبة؛ وقد علمنا خلاف ذلك، وأن السلامة والمحن فى الجميع متقاربة غير متفاوتة.
فقال: ربما اتفق مثل ذلك.
فقلت له: فيجب أن نصدّق من خبّرنا فى ذلك الطريق المسلوك الّذي فرضناه بأن سلامة العميان كسلامة البصراء، ونقول: لعل ذلك اتّفق.
وبعد فإن الاتفاق لا يستمر بل ينقطع؛ وهذا الّذي ذكرناه مستمر غير منقطع. فلم يكن عنده عذر صحيح.
ومما يفسد مذهب المنجمين، ويدل على ما لعلّه يتفق لهم من الإصابة على غير أصل، أنا قد شاهدنا جماعة من الزراقين الذين لا يعرفون شيئا من علم النجوم، ولا نظروا قطّ فى شيء منه، يصيبون فيما يحكمون به إصابات مستطرفة؛ وقد كان المعروف بالشعرانىّ الّذي شاهدناه، وهو لا يحسن أن يأخذ الأصطرلاب للطالع، ولا نظر قطّ فى زيج، بل ولا تقويم؛ غير أنه ذكّى حاضر الجواب، فطن بالزّرق، معروف به، كثير الإصابة وبلوغ الغاية فيما يخرجه من من الأسرار. ولقد اجتمع يوما بين يدىّ جماعة كانوا عندى، وكلّنا قد اعتزمنا جهة نقصدها لبعض الأغراض؛ فسأله أحدنا عما نحن بصدده، فابتدأ من غير أخذ طالع، ولا نظر فى تقويم، فأخبرنا بالجهة التى أردنا قصدها، ثم عدل إلى كل واحد من الجماعة، فأخبره عن كثير من تفصيل أمره وأغراضه، حتى قال لأحدهم: وأنت من بين الجماعة قد وعدك واعد بشيء يوصله إليك، وقلبك به متعلّق؛ وفى كمك شيء مما يدلّ على هذا؛ وقد انقضت حاجتك وانتجزت، وجذب يده إلى كمه، واستخرج ما فيه، فاستحيا ذلك الرجل، ووجم ومنع من الوقوف على ما فى كمه بجهده، فلم ينفعه ذلك، وأعان الحاضرون على إخراج ما فى كمه لما أحسوا بالإصابة من الزرّاق، فأخرج من كمه رقاع كثيرة، فى جملتها صكّ على دار الضرب بصلة من خليفة الوزراء فى ذلك الوقت؛ فعجبنا مما اتفق من إصابته مع بعده من صناعة النجوم.
وكان لنا صديق يقول أبدا: من أدلّ دليل على بطلان أحكام النجوم إصابة الشعرانىّ.
وجرى يوما مع من يتعاطى علم النجوم هذا الحديث فقال: عند المنجمين أن السّبب فى إصابة من لا يعلم شيئا من علم النجوم أنّ مولده وما يتولّاه وتقتضيه كواكبه اقتضى له ذلك.
فقلت له: لعلّ بطليموس، وكل عالم من علماء المنجمين ومصيب فى أحكامه عليها إنما سبب إصابته مولده، وما تقتضيه كواكبه من غير علم ولا فهم؛ فلا يجب أن يستدل بالإصابة على
العلم إذا كانت تقع من جاهل؛ ويكون سببها المولد؛ وإذا كانت الإصابة بالمواليد فالنظر فى علم النجوم عبث ولعب لا يحتاج إليه؛ لأن المولد إن اقتضى الإصابة أو الخطأ فالتعلّم لا ينفع، وتركه لا يضرّ؛ وهذه علة تسرى إلى كل صنعة حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق، وصانع حاذق، وناسج للديباج، ومدبّق لا علم له بتلك الصناعة؛
وإنما اتفقت الصنعة بغير علم لما تقتضيه كواكب مولده، وما يلزم على هذا من الجهالات لا يحصى.
واعلم أن التعب بعلم مراكز الكواكب وأبعادها وأشكالها وتسييراتها متى لم تكن ثمرته العلم بالأحكام، والاطلاع على الحوادث قبل كونها لا معنى له ولا غرض فيه؛ لأنه لا فائدة فى أن يعلم ذلك كلّه، وتختص نفس العلم به، وما يجرى الاطلاع على ذلك إذا لم تتعد المعرفة إلى العلم بالأحكام إلا مجرى العالم بعدد الحصى وكيل النوى، ومعرفة أطوار الجبال وأوزانها.
وكما أن العناء فى تعرّف ذلك عبث وسفه لا يجدى نفعا، فكذلك العلم بشكل الفلك وتسييرات كواكبه وأبعادها، والمعرفة بزمان قطع كل كوكب للفلك وتفاصيلها فيه، وما شقى القوم بهذا الشأن وأفنوا أعمارهم إلّا لتقديرهم أنه يفضى إلى معرفة الأحكام؛ فلا تغترّ بقول من يقول منهم: إنا ننظر فى ذلك لشرف نفوسنا بعلم الهيئة ولطيف ما فيها من الأعاجيب؛ فإن ذلك تجمّل منهم، وتقرّب إلى أهل الإسلام، ولولا أن غرضهم معرفة الأحكام لما تعنّوا بشيء من ذلك كلّه، ولا كانت فيه فائدة، ولا منه عائدة.
ومن أدلّ الدليل على بطلان أحكام النجوم أنّا قد علمنا أنّ من جملة معجزات الأنبياء ﵈ الإخبار عن الغيوب، وعدّ ذلك خارقا للعادات؛ كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص؛ ولو كان العلم بما يحدث طريقا نجوميا، لم يكن ما ذكرناه معجزا ولا خارقا للعادة.
وكيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم، وقد أجمع المسلمون قديما وحديثا على تكذيب المنجمين، والشهادة بفساد مذاهبهم وبطلان أحكامهم! ومعلوم من دين الرسول ﵇ ضرورة التكذيب بما يدّعيه المنجمون، والإزراء عليهم؛ والتعجيز لهم؛ وفى الروايات عنه ﵇ من ذلك ما لا يحصى كثرة؛ وكذلك عن علماء أهل بيته ﵈ وخيار
أصحابه فما زالوا يبرءون من مذاهب المنجمين، ويعدّونها ضلالا ومحالا، وما اشتهر هذه الشهرة فى دين الإسلام كيف يغتر بخلافه منتسب إلى الملة، ومصلّ إلى القبلة!
فأما إصابتهم فى الإخبار عن الكسوفات وما مضى فى أثناء المسألة من طلب الفرق بين ذلك وبين سائر ما يخبرون به من تأثيرات الكواكب فى أجسامنا، فالفرق بين الأمرين أنّ الكسوفات واقترانات الكواكب وانفصالها طريقه الحساب وتسيير الكواكب؛ وله أصول صحيحة، وقواعد سديدة؛ وليس كذلك ما يدّعونه من تأثيرات
الكواكب فى الخير والشر والنفع والضّر؛ ولو لم يكن فى الفرق بين الأمرين إلا الإصابة الدائمة المتصلة فى الكسوفات وما يجرى مجراها، ولا يكاد يبين فيها خطأ البتة، وأن الخطأ المعهود الدائم هو فى الأحكام الباقية؛ حتى إن الصواب هو العزيز فيها، وما يتفق لعلّه فيها من الإصابة قد يتفق من المخمّن أكثر منه. فحمل أحد الأمرين على الآخر بهت وقلة دين.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع