تجاوز إلى المحتوى

من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)

مسألة فى المنامات

ما القول فى المنامات؟ أصحيحة هى أم باطلة؟ ومن فعل من هى؟ ومن أىّ جنس هى؟ وما وجه صحتها فى الأكثر؟ وما وجه الإنزال عند رؤية المباشرة فى المنام؟ وإن كان فيها صحيح وباطل، فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟

الجواب؛ اعلم أنّ النائم غير كامل العقل؛ لأن النوم ضرب من السهو، والسهو ينفى العلوم، ولهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة لنقصان عقله، وفقد علومه. وجميع المنامات إنما هى اعتقادات يبتدئ بها النائم فى نفسه، ولا يجوز أن تكون من فعل غيره فيه؛ لأنّ من عداه من المحدثين- كانوا بشرا أو ملائكة أو جنّا- أجسام، والجسم لا يقدر أن يفعل فى غيره اعتقادا ابتداء؛ بل ولا شيئا من الأجناس على هذا الوجه؛ وإنما يفعل ذلك فى نفسه على سبيل الابتداء.

وإنما قلنا: إنه لا يفعل فى غيره جنس الاعتقادات متولّدا لأنّ الّذي يعدّى الفعل من محلّ القدرة إلى غيرها من الأسباب إنما هو الاعتمادات، وليس فى أجناس الاعتمادات ما يولّد الاعتقادات؛ ولهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل، ما تولد فيه شيء من الاعتقادات؛ وقد بيّن ذلك وشرح فى مواضع كثيرة، والقديم تعالى هو القادر على أن يفعل فى قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات. ولا يجوز أن يفعل فى قلب النائم اعتقادا؛ [لأن أكثر اعتقادات النائم] جهل، وتتناول الشيء على خلاف ما هو به؛ لأنه يعتقد أنه يرى ويمشى، وأنه راكب، وعلى صفات كثيرة؛ وكلّ ذلك على خلاف ما هو به؛ وهو تعالى لا يفعل الجهل؛ فلم يبق إلا أن الاعتقادات كلّها من جهة النائم.

وقد ذكر فى المقالات أن المعروف بصالح قبة كان يذهب إلى أنّ ما يراه النائم فى منامه على الحقيقة؛ وهذا جهل منه أيضا؛ هو جهل السوفسطائية؛ لأن النائم يرى أن رأسه مقطوع

وأنه قد مات، وأنه قد صعد إلى السماء؛ ونحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله؛ وإذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان فى السراب أنه الماء، وفى المردى إذا كان فى الماء أنه مكسور؛ وهو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة واللّبس؛ فألّا جاز ذلك فى المنام وهو من الكمال أبعد، وإلى النقص أقرب!

وينبغى أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة:

منها ما يكون من غير سبب يقتضيه، ولا داع يدعو إليه اعتقادا مبتدأ.

ومنها ما يكون من وسواس الشيطان، يفعل فى داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة؛ فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه؛ فقد نجد كثيرا من النّيّام يسمعون حديث من تحدّث بالقرب منهم، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث فى منامهم.

ومنها ما يكون سببه، والداعى إليه خاطرا يفعله الله تعالى، أو يأمر بعض الملائكة بفعله.

ومعنى هذا الخاطر أيضا أن يكون كلاما يفعل فى داخل السمع، فيعتقد النائم أيضا أنه ما يتضمّن ذلك الكلام. والمنامات الداعية إلى الخير والصلاح فى الدين يجب أن تكون إلى هذا الوجه مصروفة؛ كما أن ما يقتضي الشر منها الأولى أن تكون إلى وسواس الشيطان مصروفة.

وقد يجوز على هذا فيما يراه النائم فى منامه ثم يصحّ ذلك حتى يراه فى يقظته على حدّ ما يراه فى منامه، وفى كل منام يصحّ تأويله أن يكون سبب صحته أنّ الله تعالى يفعل كلاما فى سمعه لضرب من المصلحة بأنّ شيئا يكون. وقد كان على بعض الصفات، فيعتقد النائم أن الّذي يسمعه هو يراه؛ فإذا صحّ تأويله على ما يراه؛ فما ذكرناه إن لم يكن مما يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا؛ فإن فى المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق، وما يضيق فيه مجال نسبته إلى الاتفاق؛ فهذا الّذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه.

فإن قيل: أليس قد قال أبو عليّ الجبائىّ فى بعض كلامه فى المنامات: إن الطبائع لا تجوز أن تكون مؤثّرة فيها؛ لأن الطبائع لا تجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر فى شيء، وأنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل يكثر عندها المنامات بالعادة؛ كما أن فيها ما يكثر عنده بالعادة تخييل الإنسان- وهو مستيقظ- ما لا أصل له.

قلنا: قد قال ذلك أبو عليّ- وهو خطأ- لأن تأثيرات المآكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة، إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع؛ فهو من فعل الله تعالى؛ فكيف نضيف التخيّل الباطل والاعتقاد الفاسد إلى فعل الله تعالى!

فأما المستيقظ الّذي استشهد به فالكلام فيه والكلام فى النائم واحد، ولا يجوز أن نضيف التخيّل الباطل إلى فعل الله تعالى فى نائم ولا يقظان؛ فأما ما يتخيّل من الفاسد وهو غير نائم؛ فلا بدّ من أن يكون ناقص العقل فى الحال، وفاقدا للتمييز بسهو؛ وما يجرى مجراه، فيبتدئ اعتقادا لا أصل له كما قلنا فى النائم.

فإن قيل: فما قولكم فى منامات الأنبياء ﵈؟ وما السبب فى صحتها؟ حتى عدّ ما يرونه فى المنام، مضاهيا لما يسمعونه من الوحى!

قلنا: الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها؛ ولا هى ممّا توجب العلم؛ وقد يمكن أن يكون الله تعالى أعلم النبىّ بوحى يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم: إنى سأريك فى منامك فى وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه، فيقطع على صحته من هذا الوجه؛ لا بمجرد رؤيته له فى المنام؛ وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيم ﵇ فى ذبح ابنه؛ ولولا ما أشرنا إليه: كيف كان يقطع إبراهيم ﵇ بأنه متعبّد بذبح ولده!

فإن قيل: فما تأويل ما يروى عنه ﵇ من قوله: «من رآنى فقد رآنى، فإن الشيطان لا يتخيل بى»، وقد علمنا أن المحق والمبطل والمؤمن والكافر قد يرون النبىّ ﵇ فى النوم، ويخبر كلّ واحد منهم عنه بضدّ ما يخبر به الآخر؛ فكيف يكون رائيا له فى الحقيقة مع هذا!.

قلنا: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، ولا معوّل على مثل ذلك. على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به: من رآنى فى اليقظة فقد رآنى على الحقيقة؛ لأن الشيطان لا يتمثل بى لليقظان؛ فقد قيل: إن الشياطين ربما تمثلت بصورة البشر؛ وهذا التأويل أشبه بظاهر ألفاظ الخبر؛ لأنه قال: «من رآنى فقد رآنى»؛ فأثبت غيره رائيا له، ونفسه مرئيّة، وفى النوم لا رائى فى الحقيقة ولا مرئىّ؛ وإنما ذلك فى اليقظة. ولو حملناه على

النوم لكان تقدير الكلام: من اعتقد أنه يرانى فى منامه وإن كان غير راء لى على الحقيقة فهو فى الحكم كأنه قد رآنى؛ وهذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر، وتبديل لصيغته؛ وهذا الّذي رتبناه فى المنامات وقسّمناه أسدّ تحقيقا من كلّ شيء قيل فى أسباب المنامات، وما سطر فى ذلك معروف غير محصّل ولا محقق.

فأما ما يهذى به الفلاسفة فى هذا الباب فهو ممّا يضحك الثكلى؛ لأنهم ينسبون ما صحّ من المنامات لما أعيتهم الحيل فى ذكر سببه إلى أن النّفس اطّلعت على عالمها، فأشرفت على ما يكون.

وهذا الّذي يذهبون إليه فى حقيقة النفس غير مفهوم ولا مضبوط؛ فكيف إذا أضيف إليه الاطلاع على عالمها؟ وما هذا الاطلاع؟ وإلى أى شيء يشيرون بعالم النفس؟ ولم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع؟ وكل هذا زخرفة، ومخرقة؛ وتهاويل لا يتحصل منها شيء.

وقول صالح قبة- مع أنه تجاهل محض- أقرب إلى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة؛ لأن صالحا ادّعى أن النائم يرى على الحقيقة ما ليس يراه، ولم يشر إلى أمر غير معقول ولا مفهوم؛ بل ادّعى ما ليس بصحيح وإن كان مفهوما؛ وهؤلاء عوّلوا على ما لا يفهم مع الاجتهاد، ولا يعقل مع قوة التأمل والتدبّر؛ فالفرق بينهما واضح.

وأمّا سبب الإنزال فيجب أن يبنى على تحقيق سبب الإنزال فى اليقظة مع الجماع، ليس هو ما يهذى به أصحاب الطبائع؛ لأنا قد بينا فى غير موضع أن قول أصحاب الطبع لا أصل له، وأن الإحالة فيه على سراب لا يتحصّل. وأما سبب الماء فإن الله تعالى أجرى العادة بإخراج الماء من ظهر الرجل عند هذه الحركة المخصوصة؛ وليس يمتنع أن يجرى الله العادة؛ بأن يخرج هذا الماء من الظهر عند اعتقاد النائم أنه يجامع؛ وإن كان هذا الاعتقاد باطلا.

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من تكملة أمالى المرتضى

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.