من «المحاسن والمساوئ» لإبراهيم بن محمد البيهقي (ت نحو ٣٢٠هـ)
محاسن الإغضاء
حُكي عن بهرام جور أنه خرج يوماً لطلب الصيد فاحتمله فرسه حتى دفع إلى راعٍ تحت شجرة وهو حاقن. فقال للراعي: احفظ عليّ عنان فرسي حتى أريق ماء. فأخذ بركابه حتى نزل وقبض على عنان الفرس، وكان عنانه ملبساً ذهباً، فوجد الراعي غفلة من بهرام فأخرج من خفه سكيناً فقطع به أطراف اللجام، فرفع بهرام رأسه فنظر إليه فاستحيا ورمى بطرفه إلى الأرض وأطال الاستبراء ليأخذ الراعي حاجته من اللجام، وجعل الراعي يفرح بإبطائه عنه حتى إذا ظن أنه قد فرغ وأخذ من اللجام حاجته قال: يا راعي قدّم إليّ فرسي فإنه سقط في عينيّ شيء. وغمض عينه لئلا يوهمه أنه يتفقد حلية اللجام، فقرب الراعي منه فرسه فركبه. فلما ولى قال له الراعي: أيها العظيم كيف آخذ إلى موضع كذا وكذا مكاناً بعيداً؟ قال بهرام: وما سؤالك عن هذا الموضع؟ قال: هناك منزلي وما وطئت هذه الناحية قط غير يومي هذا ولا أراني أعود إليه أبداً. فضحك بهرام وفطن لما أراده الراعي وقال: أنا رجل مسافر وأنا أحق بأن لا أعود إلى ما ها هنا أبداً. ثم مضى، فلما نزل عن فرسه قال لصاحب مراكبه: إن معاليق اللجام وهبتها لسائل مرّ بي فلا تتهم أحداً.
وحكي عن أنوشروان أنه قعد في يوم نيروز أو مهرجان ووضعت الموائد ودخل وجوه الناس وكسرى بحيث يراهم ولا يرونه. فلما فرغ الناس من الطعام وجاؤوا بالشراب في آنية الفضة وجامات الذهب فشرب الأساورة وأهل الطبقة العالية في آنية الذهب. فلما انصرف الناس ورفعت الموائد أخذ بعض أولئك القوم جام ذهب فأخفاه في قبائه وأنوشروان يلحظه فصرف وجهه عنه، وافتقد صاحب الشراب الجام فصاح: لا يخرجن أحد من الدار حتى يُفتش! فقال كسرى: لا يعرضنّ لأحد. وانصرف الناس. فقال صاحب الشرب: إنا قد فقدنا بعض آنية الذهب. فقال الملك: صدقت، أخذها من لا يردها ورآها من لا يخبرك بها.
وحكي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قعد للناس في يوم عيد ووضعت الموائد وبدر الدراهم للجوائز والصلات. فجاء رجل من الجماعة فقعد على كيس فيه دنانير والناس يأكلون. فصاح به الخدم: تنحّ فليس لك هذا الموضع! فسمع معاوية وقال: دعوا الرجل يقعد حيث أحب. وأخذ الكيس وقام فلم يجسر أحد أن يدنو منه. فقال الخدم: أصلح الله الأمير! إنه قد نقص من المال كيس فيه دنانير! فقال: أنا صاحبه وهو محسوب عليّ لكم.
وأحسن من هذا ما فعله جعفر بن سليمان بن عليّ وقد عثر برجل أخذ درّة رائعة ثمينة من بين يديه فطلب بعد أيام فلم يوجد فباعها الرجل ببغداد، وقد كانت وصفت لأصحاب الجوهر فأُخذ وحمل إلى جعفر، فلما رآه وبصر به استحيا منه وقال: ألم تكن طلبت هذه الدرة مني فوهبتها؟ قال: نعم. فقال: لا تعرضوا له. فباعها الرجل بألوف الدنانير.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع