تجاوز إلى المحتوى

من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)

ما جاء في قبح خلف المواعيد وما يلحق صاحبّه من اللّوم والتفنيد

اعلم أن أقبح ما استعمله أهل الأدب مطل العدات. وقال المثنى ابن خارجة: لأن أموت عطشاً أحب إلي من أن أخلف موعداً. وروينا عن النبي، ﷺ، أنه قال: ثلاث علامات في المنافق، وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا وعد أخلف. وروي عنه أنه قال: عدة المؤمن أخذ بالكف. وقال بعض الأعراب: وعد الكريم تعجيل، ووعد اللئيم مطلٌ وتسويف. وكان يقال: اليأس إحدى الراحتين. وأنشدني يعقوب بن يزيد التمار:

متى ما أقل يوماً لطالب حاجة:نعم، يا فتى، أفعل، وذلك من شكلي
وإن قلت: لا، بينتها من مكانها،ولم أوذه فيها بجر، ولا مطل

وأنشدني آخر:

إذا قلت في شيء نعم فأتمهفإن نعم دين على الحر واجب
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
وإلا فقل: لا استراح وأرح بهالكي لا يقول الناس إنك كاذب

وأنشدني آخر:

لا تقولن، إذا ما لم تردأن يتم الوعد في شيء نعم
للشاعر المثقب العبدي، من قصيدة «ذاد عنى النوم هم بعد هم»
وإذا قلت: نعم، فامض بهابنجاح الوعد إن الخلف ذم

وأنشدني إبراهيم بن محمد النحوي:

أنت الفتى كل الفتى،لو كنت تفعل ما تقول
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة
لا خير في كذب الجواد وحبذا صدق البخيل
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

وكان يقال: اعتذار من منع أجمل من وعد ممطول. وقال علي بن هشام: أمرني المأمون بحاجة، فأخرتها، فكتب إلي:

تعجيل جود المرء أكرومة،تنشر عنه أحسن الذكر
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة
والحر لا يمطل معروفه،ولا يليق المطل بالحر
للشاعر المأمون، اقرأ القصيدة

وكان يقال: المعروف يحتاج إلى ثلاث: تعجيله وكتمانه وإتمامه. وأنشدنا ليزيد بن جبل:

يا صانع المعروف كن تاركاًترداد ذي الحاجة في حاجته
فشرُّ معروفك ممطوله،وخيره ما كان من ساعته
لكل شيء يُرتجى آفة،وحسبك المعروف من آفته

وقال آخر:

صل من أردت وصاله، وإخاءه،إن الأخوة خيرها موصولها
وإذا ضمنت لصاحب لك حاجة،فاعلم بأن تمامها تعجيلها

وقال آخر:

لا تنشرن مواعيداً، وتسندهاإلى المطال، فما يرضى به الأدب
لا تطلبن بمنع المال محمدةإن المحامد بالأموال تكتسب

وكان يقال: لكل شيء آفة، وآفة المعروف المطل. وقال عمر بن الخطاب، ﵁: لكل شيء رأس ورأس المعروف تعجيله.

وفي وصية عبد الملك بن مروان لبنيه: يا بني، لا تعدوا الناس بما لا تناله أيديكم.

ويقال: إذا وعدت الرجل نائلاً ثم مطلته به، فقد أوفاك ثمن معروفك عنده. وأنشدونا لدعبل بن علي الخزاعي:

إياك والمطل أن تفارقه،فإنه آفة لكل يد
إذا مطلت امرأً بحاجته،فامض على مطله ولا تجد
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إياك والمطل أن تقارفه»
فلست تلقاه شاكراً ليدٍ،قد كدها المطل، آخر الأبد
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إياك والمطل أن تقارفه»

وللفقيمي أيضاً في مثله:

ما كلف الله نفساً فوق طاقتها،ولا تجود يد إلا بما تجد
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «يسومني المشي مضطرا وليس له»
فلا تعد عدة إلا وفيت بها،ولا تكونن مخلافاً لما تعد

ولدعبل أيضاً في مثله:

وأرى النوال يزينه تعجيله،والمطل آفة نائل الوهاب
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «وأرى النوال يزينه تعجيله»

وكان يقال: بذل جاه السائل ثمن معروف المساءل. وقال أكثم بن صيفي: السؤال وإن قل ثمن لكل معروف وإن جل.

أنشدني محمد بن إبراهيم الهمداني لعلي بن ثابت الكاتب:

ما اعتاض باذل وجهه بسؤالهبذلاً، ولو نال الغنى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال وزنته،رجح السؤال، وخف كل نوال
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «صن ماء وجهك تبتهج بجماله»

وقال بعض الحكماء: أحي معروفك بإماتة ذكره، وعظمه بتصغيرك له. أنشدني أبو العباس ثعلب لأبي يعقوب الخريمي:

زاد معروفك عندي عظماً،أنه عندك مستور حقير
وتناساه كأن لم تأته،وهو عند الناس مشهور كبير

وقال عدي بن حاتم: لا يصلح المعروف إلا بثلاث: تعجيله، وكتمانه، وتصغيره، لأنك إذا عجلته هنَّيته، وإذا كتمته استهنته، وإذا صغرته عظمته.

وشرح كل ما جاء في ذلك يطول والاختصار أحسن من الإكثار، وقد ذكرت معنى هذا الباب مع ما يلائمه من الأخبار في كتاب لطيف التأليف والاختصار، هو كتاب البث والحث، غنينا بما فيه عن الزيادة، وعن التطويل والإعادة، ونحن نتتبع هذا الباب بما ضمنّاه من

النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الموشى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.