من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
دماء العشاق مهدورة
وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب:
إذا هنّ ساقَطن الحديث لذي الهوىسقوط حصى المَرجان من كفّ ناظمِ
رمَين، فأصمينَ القلوب، فنا ترىدماً سائلاً، إلا جوىً في الحَيازِم
فأي دمٍ، لو تعلمين، جَنَتيهعلى الحُرّ، جاني مثله غيرُ سالم
أما إنه لو كان غيرُك أرقلتإليه القَنا بالمُرهَفات الصوارمِ
ولكن، وبيت الله، ما طلّ مُسلِماًكغُرّ الثنايا، واضحات المعاصمِ
وأنشدني أبو عبد الله الواسطي لنفسه:
قضى الله في القتلى قِصاصَ دمائهمولكنْ دماء العاشقين جُبارُ
تُطلّ دماء العاشقين، وثأرهالدى الحدقِ المرضى، وذلك ثار
قال الأحوص بن محمد الأنصاري:
ما تُذكر الدهر لي سُعدى وإن بعُدنإلاّ ترقرق ماء العين، فاطَّردا
يا للرجال لمقتولٍ بلا تِرَةٍ،لا يأخذون له عقلاً، ولا قَوَدا
وحدّثني العَنَزي أبو علي عن الزبير بن بكّار عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن جُندَب عن أبيه قال: خرجتُ مع أبي سفيان، فلقينا نُسوةً ينظرن العقيق، فيهن امرأةٌ حسناء العين، فقال أبي:
ألا يا عباد الله هذا أخوكمُقتيلاً، فهلْ فيكم به اليوم ثائر
خذوا بدمي، إن متُّ، كل خَريدةٍ،مريضة طَرف العين، والجَفنُ ساحر
قال: فالتفتت إليّ امرأةٌ، فقالت: يا بنيّ احتسب أباك، واغتنم نُهبيك،
فإن قتيلنا لا يودى وأسيرنا لا يُفدى.
وأنشدني أحمد بن يحيى لجَرير بن الخَطَفى:
هل في الغوادي لمت قتّلن من قَودٍ،أو من دياتٍ لقتلى الأعين الحور
تبيت ليلك في وجدٍ تُخامره،كأن في القلب أطرافَ المسامير
ما كنت أوّل مَحزونٍ أضرّ بهبَرْحُ الهوى، وعذابٌ غير تَفتيرِ
وقال أيضاً:
إذا كَحَلْن عيوناً غير مقرفةٍريّشن نَبلاً لأصحاب الصِّبى صُيُدا
ما بال قَتلاكِ لا تخشين طائلهم،لم تضمني ديةً منهم ولا قَوَدا
وقال عمر بن لجأٍ:
تراءت، كي تكيدك أمّ عمرو،وكيدك بالتبرُّج ما تكيد
وكيف قَتَلني، يا أمّ عمروٍ،ولا قَوَدٌ عليكِ، ولا حدودُ
وقال أعرابي، وما أساء:
أقاتلتي، يا للرجال، حبيبةٌإليّ، بلا جُرم لديها ولا دَحْلِ
فقيمُ دماء العاشقين مضاعةٌبلا قَوَدٍ، عن الحِسان، ولا عقلِ
وأحسن والله المؤمَّل حيث يقول:
إني قُتلتُ بلا جُرمٍ، وقاتلتي،يا قومِ، جاريةٌ في طَرفها حَوَرُ
لما رمَت مُهجتي قالت لجارتها:إني قتلتُ قتيلاً ما له خَطَرُ
قتلتُ شاعر هذا الحيّ من مُضرٍ،فالله يعلم ما ترضى بذا مُضَرُ
شكوتُ ما بي إلى هندٍ، فما اكترثَت،يا قلبها! أحديدٌ أنت أم حجر
إن كُنتِ جاهلةً بالحبّ، فانطلقيإلى القبور، ففيمن حلّها عِبَرُ
وقد قيل أيضاً: إن قتيل الهوى شهيدٌ، على ذلك أجمع، والله يعلم، الأدباء وأهل العلم والظرف لموجود ومسند الآثار.
حدثنا قاسم الزُّبيدي بإسناد ذكَرَه عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ: من تعشّق فعفّ فهو شهيد.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع