تجاوز إلى المحتوى

من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)

ذكر الأشياء التي يتطير الظرفاء من إهدائها ويرغبون عنها لشناعة أسمائها

فمن ذلك الأُترجّ، والسفرجل، والشقائق، والسوسن، والنَّمّام، وأطباق الخِلاف، والغَرَب، والبان. فأما الأُترجّ فإن باطنه خلاف ظاهره، وهو حسن الظاهر، حامض

البطن، طيّب الرائحة، مختلف الطعم، ولذلك يقول فيه الشاعر:

أهدى له أحبابه أُترجّةً،فبكى، وأشفق من عِيافة زاجر
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
خاف التلوّن، إذ أتته، لأنهالونان باطنها خلاف الظاهر
فَرِقَ المتيَّم من حموضة لبّهاواللون زيّنها لعين الناظر

وأما السفرجل فلأنّ فيه اسم السفر، وقد قال فيه الشاعر:

مُتحفي بالسفرجل،لا أريد السفرجلا!
اسمه، لو عرفتَهُ،سفرٌ جَلَّ، فاعتلى!

وقال آخر:

أهدت إليه سفرجلاً، فتطيّرامنه وظلّ مُتيَّماً، مستعبرا
خاف الفِراق، لأن أول اسمهسفرٌ فحقّ له بأن يتطيّرا

وأما الشقائق، فلشطْر اسمه، ولقول الشاعر فيه:

لا تراني طَوال دهري أهوى الشقائقا
إن يكن يشبه الخدود، فنصف اسمه شَقا

وقال آخر:

لا يحب الشقائقاكل من كان عاشقا
إن نصف اسمه شقاءٌ، إذا فُهتَ ناطقا

وأما السوسن، فلأن اسمه السوء، وقال فيه الشاعر:

سُوسنةٌ أعطيتنيها، وماكنتِ بإعطائكها محسنهْ
شطر اسمها سوءٌ، فإن جئت بالآخر منها، فهو سوءٌ سَنَهْ
وأنتِ إن هاجرتني ساعةً،قلتُ: أتتُ من قبل السوسنهْ

وقال آخر:

يا ذا الذي أهدى لنا سوسنا،وما كنتَ في أهدائه محسنا
أوله سوءٌ، فقد ساءني،يا ليت أني لم أر السوسنا

وأما الياسمين فلمبدأِ اسمه تُطُيِّر منه، ولقول الشاعر:

إني لأذكر بالريحان رائحةًمنها، فَلِلْقَلب بالريحان إيناسُ
وأمنح الياسمين البُغض من حذريلليأس، إذ كان في بعض اسمه ياسُ

وقال آخر:

أبصرتُه في المنام ناولنيمن كفّه الياسَمين والغَرَبا
فكان يأسٌ في الياسمين، وفي الغرب اغترابٌ، يا شؤم ما وهبا

وقال آخر:

أهدى حبيبي ياسميناً، فبيمن شِرّةِ الطيرةِ وسواسُ
أراد أن يوئِسَ من وصله،إذ كان في شَطر اسمه الياسُ

وأما النمّام فلشناعة اسمه، وقول الشاعر فيه:

حيّتُها بتحيّةٍ في مجلسٍ،بقضيب نمّام من الريحانِ
فتطيّرت منه، وقالت: أقصّه!لا تقربَنّ مضيِّع الكِتمان

وأما الآس، فقد تطيّر منه قومٌ، وزعموا أنه إياس، وتفاءل به آخرون، وزعموا أنه مؤاساةٌ وأساسٌ، قال الشاعر:

ما أحسن الآس في عيني وأطيبه،لولا اتصال حروف الآس بالياسِ
ما ضرّ من كان أهدى الآس من يدهلو قال: ريحانةٌ، يُعنى به الآسي
لولا الذي أتّقي من طيرتي بهما،ما فارقا أبداً تاجاً على رأسي

كذلك تطيّروا من الخلاف لموضع الخُلف؛ والغَرَب للاغتراب، والبان للتبايُن. ورُوي عن كُثيّر عزّه أنه بلغه أنها عليلةٌ، وأنها تتشوّقه، فخرج يُريدها، وهي بمصر، فرأى غُراباً ساقطاً على بانةٍ ينتف ريشه، ويُطايره على رأسه، فتطيّر من ذلك، وأتى عرّافاً من نهدٍ أخبره بما رأى فآيسه من حياتها، وأخبره بوفاتها. فلما وصل إلى مصر خُبّر بموتها، فأنشأ يقول:

فما أعيف النهديّ، لا درّ دَرُّه،وأعلمه بالزجر، لا عَزّ ناصره
رأيتُ غراباً ساقطاً فوق بانةٍ،يُنتِّف أعلى ريشه، ويُطايره
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رأيت غرابا ساقطا فوق بانة»
فأما غرابٌ، فاغترابٌ من الهوى،وبانٌ فبينٌ من حبيبٍ تعاشره

وقال أبو الشيص:

أشاقَك، والليل ملقي الجِران،غُرابٌ ينوح على غُضن بان؟
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة
أحصُّ الجناح، شديد الصياح،يُبَكّي بعينين ما تدمعانِ
وفي نَعَبات الغراب اغترابٌ،وفي البان بَيْنٌ بعيد التداني
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقال بعض الأعراب:

وكنتُ قدِ اندملتُ فهاج شوقيبكاء حمامتين تَجاوبانِ
تجاوبتا بلحنٍ أعجمي،على غُصنين من غَرَبٍ وبانِ
للشاعر جُحدُر العُكَلي، اقرأ القصيدة
فقلتُ لصاحبيّ، وكنتُ أحرىبزجر الطير: ماذا تُخبرانِ
فقالا: الدار جامعةٌ بسُعدى،فقلت: بَلَ أنتما متيمِّنانِ
وكان البان أن بانت سُليمى،وفي الغَرَب اغترابٌ غير وانِ

وقال نُصيب:

ألا راعَ قلبي من سَلامة أنْ غداغُرابٌ على غصنٍ من البان يَنعبُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «الا راع قلبي من سلامه ان غدا»
فأزجرُ ذاك البان بيناً مُواشكاً،وغثربة دارٍ ما تَدانى فيصقُبُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «الا راع قلبي من سلامه ان غدا»

وقد استحسنوا هدايا كثيرة، وتفاءلوا فيها بقول الشاعر، وإن كان بعضها مما ذكرناه أنهم لا يتهادَونه من طريق الظرف، واجتنبوه لعلة التسفيل، وأحبوه من حُسن التفوّل، فمن ذلك الرمان، وهو مما ذكرناه أنهم لا يتهادونه لما فيه من التسفيل وما يقع فيه من التمثيل، وكذلك الشاهَلوج، والنَّبَق، والورد، والبنفسج؛ فأما الرمان فقد قال فيه الشاعر:

أهدت إليه بظَرفها رمّاناً،تُنبيه أنّ وِصالها قد آنا
قال الفتى لمّا رآه تَفوُّلاً،وَصْلٌ يكون متمَّماً أحيانا
رمَّ يَرُمّ تشعَثي بوِصالها،لقد التفوّل صادقاً قد كانا

وأما الشاهَلُّوج، فهو مما فيه النوى، وقد تهاداه قومٌ لموضع تَفَوُّل الشاعر به إذ يقول:

أهدت إليه شاهَلُّوجا،تُبيه أنْ لو جاء كان وَلوجا
فمضى على فأل الهدية جاسراً،عَمْداً، فصار مُداخِلاً خِرّيجا

وأما النَّبقُ، فهو يُستقبَل، وقد قال فيه الشاعر:

أيا أحسننا خُلقاً،ومن فات الوَرى سَبقا
تفاءلْتَ بأنْ تبقى،فأهديتَ لنا النّبْقا
فأبقاك إلهُ الناس ما سرّك أن تبقى
وأشقى الله شانيك،وحاشى لك أن تَشْقى

وأما البنفسج أيضاً، فقد قال فيه الشاعر:

أهدتَ إليه بنفسجاً يُسليه،تُنبيهِ أنّ بنفسها تفديه
فارتاح بعد صَبابةٍ وكآبةٍ،ورَجا لحُسن الظنّ أن تُدنيه

وأما الخوخ، فقد أطنبوا في وصفه، وأكثروا من مدحه، وزعموا أنه أشبه شيءٍ بالخدود من التفّاح، وأقرب شبهاً بالوَجنات المِلاح، لأنه يُشاركها في البَياض والسُّمرة، والأدمة والصُّفرة، والتوريد والحمرة، والزَّغَب الليّن البَشَرة، وهو أطيب ملثَمٍ وأعذب مقبَّل، وأذكى مشمٍّ، وهو عند طائفةٍ من أهل الهوى أجلُّ مرتبةً من التُّفّاح لولا ما خالطه من النوى الذي يشمئزّ منه الظرفاء، ويَشناه الأدباء، وأنه مفقودٌ، والتفاح موجود، وأما الورد، فقد تفاءل به كثيرٌ من الظرفاء، وذكره كثير من الشعراء؛ أنشدني بعض الأدباء:

أهدى له وَرداً، فأخبر أنهفي الواردين، ولم يكن وَرّادا
فارتاح من فَرَح بطيب وفوده،وعدا له وَرْدُ الحياء، فزادا

وليس عندهم في الروض شيءٌ يشبهه، ولا في عُروض الروض ما يُدرِكه، وقد ذكرتُ ذلك في بابٍ لطيفٍ لرغبتي في اقتصاد التأليف، فقِفْ عليه، واعرِفه.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر زي الظرفاء في اللباس المستحسن عند سروات الناس

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.