من «يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن مُحَمَّد الإسكافي النَّيْسَابُورِي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
لِسَان خُرَاسَان وغرتها وعينها وواحدها وأوحدها فِي الْكِتَابَة والبلاغة وَمن لم يخرج مثله فِي البراعة والصناعة
وَكَانَ تأدب بنيسابور عِنْد مؤدب بهَا يعرف بالْحسنِ بن المهرجان من أعرف المؤدبين بأسرار التَّأْدِيب والتدريس وأعلمهم وأدراهم بطرِيق التدريج فِي التَّخْرِيج ثمَّ حرر مديدة فِي بعض الدَّوَاوِين فَخرج مُنْقَطع القرين وواسطة عقد الْفضل ونادرة الزَّمَان وَبكر الْفلك كَمَا قَالَ فِيهِ الهريمي من قصيدة
سبق النَّاس بَيَانا فغداوَهُوَ بِالْإِجْمَاع بكر الْفلك
أصبح الْملك بِهِ متسقالسليل الْملك عبد الْملك
وَوَقع فِي ريعان عمره وعنفوان أمره إِلَى أبي عَليّ الصَّاغَانِي فاستأثره فَحسن أَثَره واستخلصه لنَفسِهِ وقلده ديوَان الرسائل فَحسن خَبره وسافر أَثَره وَكَانَت كتبه ترد على الحضرة فِي نِهَايَة الْحسن والنضرة
وَتَقَع المنافسة فِيهِ ويكاتب أَبُو عَليّ فِي إِيثَار الحضرة بِهِ فيتعلل ويتسلل لِوَاذًا وَلَا يفرج عَنهُ إِلَى أَن كَانَ من كشف أبي عَليّ قناع الْعِصْيَان وانهزامه فِي وقْعَة جرجيل إِلَى الصغانيان كَمَا كَانَ
وَحصل أَبُو الْقَاسِم فِي جملَة الأسرى من أَصْحَاب أبي عَليّ فحبس فِي القمندر وَقيد مَعَ حسن الرَّأْي فِيهِ وَشدَّة الْميل إِلَيْهِ ثمَّ إِن الْأَمِير الحميد نوح بن نصر أَرَادَ أَن يستكشفه عَن سره وَيقف على خبيئة صَدره فَأمر أَن تكْتب إِلَيْهِ رقْعَة على لِسَان بعض الْمَشَايِخ وَيُقَال لَهُ فِيهَا إِن أَبَا الْعَبَّاس الصَّاغَانِي قد كتب إِلَى الحضرة يستوهبك من السُّلْطَان ويستدعيك إِلَى الشاش لتتولى لَهُ كِتَابَة الْكتب السُّلْطَانِيَّة فَمَا رَأْيك فِي ذَلِك فَوَقع تَحْتَهُ فِي الرقعة ﴿رب السجْن أحب إِلَيّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ﴾
فَلَمَّا عرض التوقيع على الحميد حسن موقعه مِنْهُ فأعجب بِهِ وَأمر بِإِطْلَاقِهِ وخلع عَلَيْهِ وَأَقْعَدَهُ فِي ديوَان الرسائل خَليفَة لأبي عبد الله كُله وَكَانَ الِاسْم لَهُ وَالْعَمَل لأبي الْقَاسِم وَعند ذَلِك قَالَ بعض مجان الحضرة
تبظرم الشَّيْخ كُلهوَلست أرْضى ذَاك لَهُ
كَأَنَّهُ لم ير منأقعد عَنهُ بدله
وَالله إِن دَامَ علىهَذَا الْجُنُون والبله
فَإِنَّهُ أول منينتف مِنْهُ السبله
وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم يهجوه كَمَا تقدم ذكره فِي الْجُزْء الثَّانِي من هَذَا الْكتاب وَمن شعره قَوْله
هَذَا الَّذِي يدعى كُلهمَا شَأْنه إِلَّا البله
فِي رَأسه عِمَامَةمَكْفُوفَة مزمله
كَأَنَّهَا فِي لَوْنهَاقدر على سفرجله
وَلما توفّي أَبُو عبد الله تولى أَبُو الْقَاسِم الْعَمَل بِرَأْسِهِ وَعلا أمره وَبعد صيته وجمعت رسائله أَقسَام الْحسن والجودة وازداد على الْأَنَام تبحرا فِي الصِّنَاعَة وقدرة على الإنشاءات الَّتِي يؤنس مسمعها ويؤيس مصنعها
ويحكى أَن الحميد أمره ذَات يَوْم أَن يكْتب إِلَى بعض أَصْحَابه الْأَطْرَاف كتابا وَركب إِلَى متصيده واشتغل أَبُو الْقَاسِم عَن ذَلِك بِمَجْلِس أنس عقده وإخوان جمعهم عِنْده وَحين رَجَعَ الحميد من متصيده استدعى أَبَا الْقَاسِم وَأمره بإحضار الْكتاب الَّذِي رسم لَهُ كتبه ليعرض عَلَيْهِ وَلم يكن كتبه فَأجَاب داعيه وَقد نَالَ مِنْهُ الشَّرَاب وَمَعَهُ طومار أَبيض أوهم أَنه مَكْتُوب فِي الْكتاب المرسوم لَهُ فَقعدَ بالبعد مِنْهُ فَقَرَأَ عَلَيْهِ كتابا طَويلا سديدا بليغا أنشأه فِي وقته وقرأه عَن ظهر قلبه فارتضاه الحميد وَهُوَ يحْسب أَنه قَرَأَهُ من مسودات مَكْتُوبَة وَأمره بختمه فَرجع إِلَى منزله وحرر مَا قَرَأَهُ وأصدره على الرَّسْم فِي أَمْثَاله
وَمن عَجِيب أمره أَنه كَانَ أكتب النَّاس فِي السلطانيات فَإِذا تعاطى الإخوانيات كَانَ قَاصِر السَّعْي قصير الباع وَكَانَ يُقَال إِذا اسْتعْمل أَبُو الْقَاسِم نون الْكِبْرِيَاء تكلم من فِي السَّمَاء
وَكَانَ من علو الرُّتْبَة فِي النثر وانحطاطها فِي النّظم كالجاحظ ورسائله كَثِيرَة مدونة سائرة فِي الْآفَاق لايسع هَذَا الْكتاب إِلَّا الأنموذج مِمَّا يجْرِي مجْرى الْغرَر والأمثال مِنْهَا
وَهَذِه فقر من كَلَامه
الْحَمد لله الَّذِي لم يستفتح بِأَفْضَل من ذكره كَلَام وَلم يستمنح بِأَحْسَن من صنعه مرام للزمان صروف تحول وَأُمُور تجول الْأَخْلَاق تنميها الأعراق وَالثِّمَار تنزعها الْأَشْجَار الشُّكْر بِهِ ذكاء النعمى وَالْوَفَاء مَعَه صَلَاح العقبى السعيد من تحلى بزينة الطَّاعَة واقتدح بزند الْجَمَاعَة الْعَامَّة لَا تفقه حقائق الْمذَاهب وَلَا تعرف عواقب التألب والتجارب لَا يشوقنك غرارة الصِّبَا وَلَا يروقنك زخرف المنى استعذ بِاللَّه من نزعات الشَّيْطَان ونزقات الشبَّان من خلا لَهُ الجو باض وصفر وَمن ترَاخى لَهُ اللَّيْث نزا وطفر المخذول يرفع رَأْسا ناكسا ويبل فَمَا يَابسا
وَهَذِه ملح من شعره
كتب إِلَى بعض إخوانه يستدعيه
كتبت من الباغ يَوْم الْفَرَاغوَذَا نعْمَة آذَنت بالبلاغ
فَأقبل فَمَا دون لقياك للزمانوإحسانه من مساغ
لِأَنَّك صفوة أبنائهوسائرهم فكمثل الرداغ
رداغ بُخَارى وَلَا سِيمَاإِذا الْمَرْء لم يحتجز بالجناغ
وَقَالَ على لِسَان مَا وردية فضَّة
الْحسن من ظاهري يلوحوَالطّيب من باطني يفوح
فالنصف مني نصيب جسموَالنّصف مني نصيب روح
وَكتب إِلَى أبي أَحْمد الْعَارِض مَعَ حب بلور مخلوط أهداه لَهُ
بعثت للفأل حبايسقيك صفو الْمحبَّة
فعش لزرع الْمَعَالِيمَا أنبت الزَّرْع حبه
وَكتب إِلَى بعض الرؤساء
صديقك غير محتشموَأَنت فَغير مغتنم
وَقد أهْدى كَمَا يهديأَخُو ثِقَة لذِي كرم
فرأيك فِي قبُول الْعذرفِي السكين والقلم
ذكر آخر أمره
لما انْقَضتْ أَيَّام الْأَمِير الحميد وَملك عبد الحميد أقرّ أَبَا الْقَاسِم على ديوَان الرسائل وخلع عَلَيْهِ وَزَاد فِي مرتبته فَلم تطل بِهِ الْمدَّة حَتَّى مرض مَرضه الَّذِي احْتضرَ فِيهِ
فَحَدثني أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن الْفَارِسِي قَالَ كَانَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن الْوَزير وَأَبُو الْقَاسِم المقانعي من خلص أصدقاء الإسكافي وَمِمَّنْ يكبرُونَ عِنْده فَلَمَّا مرض الإسكافي كتب إِلَيْهِ اللحام وَكَانَ أَبُو جَعْفَر يلقب بطويس والمقانعي بقاشر
طويس إِحْدَى الفواترشؤما وقاشر قاشر
ومنهما يَا أَبَا قَاسمعَلَيْك أحاذر
فَلَا يكن وَاحِد مِنْهُمَاببابك عَابِر
إِن لم يكن بك شوق إِلَىالثرى والمقابر
ثمَّ إِنَّه دخل عَلَيْهِ عَائِدًا فَوجدَ عِنْده أَبَا جَعْفَر بن الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَأَبا الْقَاسِم المقانعي وَابْن مطران فَقَالَ
ثَلَاثَة أودوا بفذ عصرهأودوا بِهِ فِي عنفوان أمره
قصدته يَوْمًا بعيد فجرهوَكَانَ قلبِي مُولَعا بِذكرِهِ
لفضله ونبله وفكرهإِذا طويس جَالس فِي نَحره
وقاشر قد انبرى من قشرهعَن سلة الشؤم وَعَن قمطره
فَقلت قد أعوز جبر كَسرهمن بعد مَا كَانَ دنا من جبره
وَقد تقضى فاطوه بِغَيْرِهِالشَّأْن فِيمَن هم على مَمَره
وَلما انْتقل إِلَى جوَار ربه أكلم مَا كَانَ شبَابًا وآدابا وغدت لفراقه الْكِتَابَة شعثاء
والبلاغة غبراء أَكثر فضلاء الحضرة رزيته وَأَكْثرُوا مرثيته فمما أحاضر بِهِ الْآن قَول الهرثمي الأبيوردي من قصيدة مِنْهَا
ألم تَرَ ديوَان الرسائل عطلتلفقدانه أقلامه ودفاتره
كثغر مضى حاميه لَيْسَ يسدهسواهُ وكالكسر الَّذِي عز جابره
ليبك عَلَيْهِ خطه وَبَيَانهفَذا مَاتَ واشيه وَذَا مَاتَ ساحره
الْبَاب الثَّانِي
فِي ذكر العصريين المقيمين بالحضرة البخارية والطارئين عَلَيْهَا والمتصرفين فِي أَعمالهَا
وتوفية الْكتاب شَرطه من ملح أشعارهم وظرف أخبارهم
كَانَت بُخَارى فِي الدولة السامانية مثابة الْمجد وكعبة الْملك وَمجمع أَفْرَاد الزَّمَان ومطلع نُجُوم أدباء الأَرْض وموسم فضلاء الدَّهْر
فَحَدثني أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن مُوسَى الموسوي قَالَ اتخذ وَالِدي أَبُو الْحسن دَعْوَة ببخارى فِي أَيَّام الْأَمِير السعيد جمع فِيهَا أفاضل غربائها كَأبي الْحسن اللحام وَأبي مُحَمَّد بن مطران وَأبي جَعْفَر بن الْعَبَّاس بن الْحسن وَأبي مُحَمَّد ابْن أبي الثِّيَاب وَأبي النَّصْر الهرثمي وَأبي نصر الظريفي ورجاء بن الْوَلِيد الْأَصْبَهَانِيّ وَعلي بن هَارُون الشَّيْبَانِيّ وَأبي إِسْحَاق الْفَارِسِي وَأبي الْقَاسِم الدينَوَرِي وَأبي عَليّ الزوزني وَمن ينخرط فِي سلكهم فَلَمَّا اسْتَقر بهم مجْلِس الْأنس أقبل بَعضهم على بعض يتجاذبون أهداب المذاكرة ويتهادون رياحين المحاضرة ويقتفون نوافج الْأَدَب ويتساقطون عُقُود الدّرّ وينفثون فِي عقد السحر
فَقَالَ لي أبي يَا بني هَذَا يَوْم مشهود مَشْهُور فاجعله تَارِيخا لِاجْتِمَاع أَعْلَام الْفضل وأفراد الْوَقْت واذكره بعدِي فِي أعياد الدَّهْر وأعيان الْعُمر فَمَا أَرَاك ترى على السنين أَمْثَال هَؤُلَاءِ مُجْتَمعين فَكَانَ الْأَمر على مَا قَالَ وَلم تكتحل عَيْني بِمثل ذَلِك الْمجمع
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع