من «يتيمة الدهر» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
القَاضِي أَبُو أَحْمد مَنْصُور بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ الْهَرَوِيّ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
قد ضمنت كتاب الْيَتِيمَة ذكره إِلَّا أَنِّي لم أعْطه حَقه وَلم أقدر قدره لعلتين إِحْدَاهمَا أَنِّي فِي ذَلِك الْوَقْت لم يكن وَقعت بيني وَبَينه معرفَة وَلَا اتّفقت لي بِعظم مَحَله وعلو فَضله إحاطة وَالْأُخْرَى أَن محَاسِن نظمه وبدائع نثره قلت لدي إِذْ ذَاك بل عزت وأعوزت ثمَّ طلع على من بعد وتقدر لي التقاء بِهِ بعد فراغي من كتاب الْيَتِيمَة فأحدثت مُنَاسبَة الْأَدَب وَذمَّة الْمعرفَة وَحُرْمَة الغربة بَيْننَا حَالا هِيَ الْقَرَابَة أَو أخص وامتزاج النُّفُوس أَو أمس وشملني من جلائل مننه ودقائق كرمه مَا أثقل ظَهْري واستنفد شكري وجمعت يَدي من غرر كَلَامه ودرر نظامه على مَا يُمَيّز لَهُ اللَّيْل المظلم ويتصف بِهِ الدَّهْر الظَّالِم وَقد أودعت الْآن كتابي هَذَا لمعا من نثره ونظمه تتلافى الْفَائِت وتجبر الْكسر إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبِه الْحول وَالْقُوَّة
فقر ولطائف ونكت من منثور كَلَامه
فصل كتبت ويدي واحية وعيني ماحية فسل بِي الأرق وَأَنا لَا أحمل الْوَرق وَلَا أفل الْقَلَم فاصف الْأَلَم
فصل بِي أيد الله الشَّيْخ رمد وَفِي الْهَوَاء وَمد ولقاء الشَّيْخ فرج وَلَكِن لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج لَا سِيمَا والمجلس وطي والمركب بطي ووهج الصَّيف يثير الرهج ويذيب المهج
فصل عَبده الَّذِي يحب الْحَيَاة لخدمته وينشر محَاسِن دولته بِلِسَان فيضه الْمَدْح وَالثنَاء وقلب حشوه الود وَالدُّعَاء
وَكتب إِلَى صديق لَهُ حَيا بباكورة وردة فردة
وصلت أيد الله الشَّيْخ الوردة الفردة لَا زَالَ ذكر كرياها عرفا ودهره كفضلها ظرفا وَحَال أوليائه كَأَصْلِهَا خضرَة ووجوه أعدائه كلونها صفرَة فسرت الكرب وسرت الْقلب وَأَدت الْأَدَب وأهدت الطَّرب ودعت إِلَى الرَّسْم المألوف وَأمرت بالمنكر الْمَعْرُوف وافتنا وَاللَّيْل قد حط رواقه وَحل نطاقه وَالصُّبْح قد بسط رِدَاءَهُ وَرفع لِوَاءُهُ والجو قد أَخذ زيه الْأَحْسَن وَنشر مطرفه الأدكن والندى طل والنسيم مبتل والمزن منسجم وثغر الصُّبْح مبتسم وَنحن نبوح بِمَا فِي الصُّدُور ونطير بأجنحة السرُور فَوضعت الوردة على الرؤوس وأديرت مَعَ الكؤوس ونطقت الأوتار فَمَعَ كل نفرة نبرة وَمَعَ كل نبرة نعرة وَمَعَ كل ضَرْبَة طربة وَمَعَ كل طربة شربة وَلكُل ذِي فطنة فتْنَة وَلكُل ذِي تَوْبَة أوبة وَمَعَ كل ذكرة فتره وَعند كل لفته حسرة وَمَعَ كل دورة سكرة
وَله من كتاب صدر من بَغْدَاد كتابي أَطَالَ الله تَعَالَى بَقَاء الشَّيْخ وَقد محى الشوق اصْطِبَارِي وَحل الشيب يلْعَب فِي عِذَارَيْ
وَمَا أَن شبت من كبر وَلَكِنلقِيت من الْحَوَادِث مَا أشابا
والهموم إِذا لقِيت الصخر أذابته فَفِيمَ أتعجب وَمِنْهَا أَن لقِيت الشّعْر فأشابته وَوصل كِتَابه فَأَعَادَ الرَّوْض الممطور والوشي المنشور وَوجدت كَلَامه يَسْتَفِيد تَحت مر الْأَيَّام مَا يَسْتَفِيد الرَّوْض تَحت صوب الْغَمَام فَيَزْدَاد قُوَّة أصُول وبهجة فُصُول
مثل الْهلَال بدا فَلم يبرح بِهِصوغ اللَّيَالِي فِيهِ حَتَّى أقمرا
فَهُوَ بِحَمْد الله كَمَا يلتقي الوشيان وشي الربى ووشي البرود ويجتمع الوردان ورد الجنى وَورد الخدود غير أَن رقة الشكوى تركته دمعا ينسكب وجمرا يلتهب وَعلمت أَنه صدر عَن صدر واف وود صَاف فَإِن اللِّسَان يُؤَدِّي عَن الْقلب مَا يخفيه وَإِنَّمَا يرشح كل إِنَاء بِمَا فِيهِ وَبِحسن الْكَلَام تعرف صدق الوداد وَفِي خضرَة الرَّوْض تحسن آثَار العهاد
وَمِمَّا قَالَت الْحُكَمَاء قدمالِسَان الْمَرْء من خدم الْفُؤَاد
وَمَا أَنا مَعَه إِلَّا الطّرف والرقاد والصدر والفؤاد ذكر مَدِينَة السّلم وحضرة الْإِسْلَام وَلَو نطق عَن اختبار لأجرى القَوْل إِلَى الِاخْتِصَار وَمَا أبعد الطعوم من الألوان وَمَا أبين البون بَين السماع والعيان فَإِن طرة رأفتك فَأخْبر فَرُبمَا أَمر مذاق الْعود وَالْعود أَخْضَر بلَى مَا شِئْت من أشواق وأندية وأطواق وأردية ثمَّ قف العطايا وَلَا تبد الخفايا فَإِن جَاوَزت كسوتهم إِلَيْهِم فَلَيْسَ وَرَاء عبادان قَرْيَة وَأَنا فِي أجتواء بَغْدَاد للْإِجْمَاع خارق وللجماعة مفارق وَلكنه إِجْمَاع مَا انْعَقَد على تَحْصِيل وَلَا اسْتندَ إِلَى أصل أصيل وَهَا أَنا أَقيس هراة إِلَيْهَا بل أفضلهَا عَلَيْهَا
فوَاللَّه مَا أَدْرِي أزيدت ملاحةعلى الأَرْض أم رَأْي الْمُحب فَلَا أَدْرِي
نُسْخَة كتاب لَهُ الى شمس الكفاة رَحمَه الله تَعَالَى عِنْد عود الوزارة إِلَيْهِ وَلم يقْصد الشّعْر
الشَّمْس فِي راد الضُّحَىوالبدر فِي جنح الدجى
وَالْمَاء فِي حر الصدىوالغيث جاد على الثرى
والمزن يضْحك فِي الربىوالورد جمشه الندى
وَالصُّبْح يقدمهُ الصِّبَاوالعيش فِي زمن الصِّبَا
والقرب صب على النَّوَىوَالْقلب رق مَعَ الْهوى
والطرف غازله الْكرَىوالصفو باعده القذى
والحلى فِي ثغر الدمىومنازل لَك بالحمى
وعهود سعدى باللوىوالدهر يسْعد بالمنى
والبرء فِي عقب الضناوالفقر يطويه الْغِنَا
والبشر يتبعهُ الندىوالنشر من بعد البلى
والود فِي أثر القلىوَالْمحل يطرده الحيا
والعتب يمحوه الرضىوالكف تسمح باللهى
ومذكرات ذَوي النهىوالراي يعضده الحجى
وَالْجد ساعد فاعتلى
بهَا وَبِمَا لَهَا من الْأَمْثَال سَارَتْ سوائر الْأَمْثَال فِيمَا يونق النُّفُوس والطباع وَيُونُس الْأَبْصَار والأسماع وَأحسن من هَذَا كُله أَيَّام الشَّيْخ الْجَلِيل وَقد أَتَاهُ اسْم مَا لم يزل مَعْنَاهُ
فيا حسن الزَّمَان وَقد تجلىبِهَذَا الْفَخر والإقبال صَدره
وَكَانَ الدَّهْر يعْذر قبل هَذَافَحل وفاؤه وانحل غدره
تصدر للوزارة مُسْتَحقّتساوى قدرهَا شرفا وَقدره
فَقل فِي النصل وَافقه نِصَابوَقل فِي الْأُفق أشرق بدره
فَالْحَمْد لله الَّذِي زَان الشّجر بالثمر وحلى البرج بالقمر وَأنس العرين بالأسد وَأهْدى الرّوح إِلَى الْجَسَد لم أنس أدام الله علو مَوْلَانَا رسم التصدير وَمَا يجب من مراعاته على الصَّغِير وَالْكَبِير وَلَكِن التهنئة المرسومة تتهاداها الْأَكفاء وتتعاطاها النظراء فَأَما الخدم مَعَ الصُّدُور والنجم التاليات مَعَ الْأَهِلّة والبدور فالعادة فِيهَا الْوِفَادَة ثمَّ إِن تَعَذَّرَتْ الْإِرَادَة وَلم تساعد السَّعَادَة فالدعاء مَوْصُولا منشورا وَالثنَاء منظوما منثورا وعَلى هَذِه الْجُمْلَة عملت وَإِلَى هَذَا الْجَانِب عدلت فأصدرت كلمة نتجها الود الصَّرِيح ونسجها الْوَلَاء الصَّحِيح
فَجَاءَت تودي وُجُوه الرياضأضحكها الْعَارِض الهامع
وَلَيْسَ لَهَا غير عين الرضىلديك ذمام وَلَا شَافِع
وَهَذِه ملح وظرف من شعره كتب إِلَى بعض ندمائه قصيدة مِنْهَا
كتبت ولي بذكراك انتعاشوَلَكِن بِي من السكر ارتعاش
وللشادي نشاط وانبساطوللساقي احتثاث وانكماش
وَمَا يرْوى العطاش بِغَيْر مَاءوَأَنت المَاء إِذْ نَحن العطاش
فَإِن تسرع فوجهي والندامىوَإِن تبطئ فحيني والفراش
وَقَالَ فِي فَتى قامره
رشأ فتور جفونهيهدي الفتور إِلَى الْبشر
ورد الْجمال بخدهينبث فِي ورد الخفر
قامرته بالكعبتين مساهلاحَتَّى قمر
فازداد حسنا وَجههلما رأى وَجه الظفر
فنعرت نعرة عاشققمر الْقَمَر قمر الْقَمَر
وَله
أفدى الَّذِي كلما تَأملهطرفِي كَاد الضَّمِير يلتهب
ينتهب اللحظ ورد وجنتهولحظه للقلوب منتهب
وَله فِي النرجس
ومهفهف لما تثنى خلتهغصنا يجد بِهِ النسيم ويلعب
أومى إِلَيّ بكاسه فشربتهاوحسبتني من وجنتيه أشْرب
ودنا إِلَيّ بطاقة من نرجسفحسبت بَدْرًا فِي يَدَيْهِ كَوْكَب
وَله أَيْضا فِي الْورْد الْأَصْفَر
أنسيت إِذْ نبهت من نبهتهوَالْفَجْر من خلل الدجى يتنفس
يسْعَى إِلَيْك مَعَ المدام بوردةصفراء يحكيها لمن بتفرس
كَعْب من الميناء ركب فَوْقهجَام من الذَّهَب السبيك مسدس
وَله فِيهِ أَيْضا
أدر المدامة يَا غُلَام فإننافِي مجْلِس بيد الرّبيع منجد
والورد أَصْغَر يلوح كَأَنَّهُأَقْدَام تبر كعبت بزبرجد
وَله فِي الشّرْب على الثَّلج
قُم لَا عدمتك فاسقني من قهوةلَو أبرزت للشمس أخفت نورها
وانثر على الذَّهَب اللجين أما ترىنثر السَّمَاء على الثرى كافورها
وَله فِي البنفسج
طلع البنفسج زَائِرًا أَهلا بِهِمن وَافد سر الْقُلُوب وزائر
فَكَأَنَّمَا النقاش قطع لي بِهِمن أَزْرَق الديباج صُورَة طَائِر
وَله فِي تَرْجَمَة فارسية
رَأَيْت غذَاء الطِّفْل درة أمهوَإِن غذَاء الشَّيْخ صرف من الْخمر
فَرجع من الْجَام الْفراش عَشِيَّةوَفَارق من الْجَام الْفراش مَعَ الْفجْر
وَله فِي مطرب مختط
وشادن تفعل ألحاظهبِالْقَلْبِ مَا لَا يفعل السحر قطّ
لم أنسه يكسر أعطافهوالورد من وجنته يلتقط
مُرْتَبِط البربط فِي حجرهيَا لَيْتَني بربطه المرتبط
معتدلا ضربا وصوتا مَعًاكَمَا التقى للعين خد وَخط
وَله
حَتَّى مَتى وَإِلَى مَتىاقصر بذرعك يَا فَتى
فكأنني بك نَاظرافِي أثر صيد أفلتا
لَا تحسبن جمالوَجهك دَائِما لَك مثبتا
فالخط يفعل مَا عملتوَمَا علمت وَقد أَتَى
وَكتب بِبَغْدَاد إِلَى صديق لَهُ يَدعُوهُ فِي أَيَّام الْورْد وبلغه أَنه متشاغل بالنرد
نَحن بالنجمي فِي يَوْمكَمَا ترضاه أَبْلَج
ناضر النبت رَقِيق الجورطب الطل سَجْسَج
بَين منثور وخيريوَورد وبنفسج
وَلنَا وَجه من الجونةكالروض مدبج
وَمَعَ اللفات وسطوشواء وملهوج
وَلنَا رَاح كَمثل النَّارفِي الكاس تأجج
ومغن سَاحر الألحاظساجى الطّرف أدعج
فَإِذا شَاءَ تغنىوَإِذا شَاءَ تغنج
فاختر الْورْد على النَّرْدوَجِئْنَا نتفرج
وَله فِي أَمْرَد التحى
يَا من أناف بلحية تيسيةبدلتنا بالورد شوك العوسج
قد كنت تونسنا بطلعة كَوْكَبفَرَجَعت توحشنا بطلعة كوسج
وَله
الله جَار عِصَابَة رحلواسَارُوا وقلب الصب عِنْدهم
مَا الشان وَيحك إِنَّهُم رحلواالشان أَنِّي عِشْت بعدهمْ
وَله
سكوتي كَلَام وَالْكَلَام سكُوتولي طمع أَحْيَا بِهِ وأموت
وَلَيْسَ لروحي غير قربك رَاحَةوَلَا لفؤادي غير حبك قوت
وصبري قَلِيل والهموم كَثِيرَةوَأَنت بخيل وَالزَّمَان يفوت
وَمن لي بِحسن الصَّبْر عَنْك وَإِنَّمَاوصالك لي مَاء وقلبي حوت
وَله أَيْضا
من وَجهه كَالْقَمَرِ الْفَردأقبل فِي قرطقة الوردي
يسْعَى على الْورْد بورديةيكسد سوق العنبر الْورْد
فاغد علينا تَرَ مَا شِئْت منورد على ورد على ورد
وَله من قصيدة
شمائل مشرقة عذبةتعادل رقتها والصفاء
فهن العتاب وَهن الدُّمُوعوَهن المدام وَهن الْهَوَاء
وَكتب إِلَى مؤلف الْكتاب
جعلت لَك الْفِدَاء لَو أَن كتبيبِحَسب تكثري بك واعتدادي
إِذا لجعلت أقلامي عِظَامِيوطرسي مقلتي وَدمِي مدادي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع