تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

التَّعْلِيق عَلَى الْخَبَر بأكمله

قَالَ القَاضِي: قَول ليلى الأخيلية فِي هَذَا الْخَبَر الَّذِي قدمنَا رِوَايَته: أصابتنا سنُون مجحفة مبلطة، فمجحفة الَّتِي قد جهدتم وأصارتهم إِلَى اختلال أَحْوَالهم، وَالنَّقْص الْبَين فِي وفرهم وَأَمْوَالهمْ، قَالَ الشَّاعِر:

لَوْ قَدْ نزلتَ بهم تَريدُ قراهمُمَنَعُوكَ من جُهْدٍ وَمن إجحافِ

والمبلطة عَلَى نَحْو هَذَا الْمَعْنى، وَهِي الَّتِي فرقت جَمَاعَتهمْ، وشتتت شملهم، وفرقتهم للقحط الَّذِي لَا مقَام مَعَه، والجدب الَّذِي لَا صَبر عَلَيْهِ، وَقد حَدَّثَنَا المظفَّر بْن يحيى قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن بِشْر المرثدي، قَالَ: أَخْبرنِي أَبُو إِسْحَاق طَلْحَة بن عبد الله الطلحي قَالَ: أَخْبرنِي أَحْمد بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: أَخْبرنِي القرمطي الْوَالِبِي: الإبلاط غَايَة الْجهد وَالْحَاجة، قَدْ أبلط الرَّجُل، وَالسّنة المبلطة الَّتِي قَدْ أكلت كلّ شَيْءٍ فَلم تدع شَيئًا.

وَقَوْلها: لَمْ تدع لَنَا هُبَعًا وَلَا ربَعًا: الرّبع من الْإِبِل الَّتِي تَأتي فِي أول النِّتَاج والهبع الَّتِي تَأتي فِي آخِره، قَالَ الشَّاعِر:

وَلَا وجد ثَكْلَى كَمَا وَجِدَتْوَلَا أمُّ أضلها ربعُ

وَقَالَ الْأَعْشَى:

تلوي بِعَذِقِ خضاب كُلما خَطَرَتْعَنْ فَرْجِ مَعْقُومة لَمْ تَتبع رُبَعا

وَيُقَال لَهُ ربيع، قَالَ الشَّاعِر:

إِن بَنِيَّ صِبْيَةٌ صيْفِيُّونأَفْلح من كَانَ لَهُ رِبْعيُّون

وَقَالَ آخر:

إذْ هِيَ أحْوَى من الرِّبِعيِّ، حاجبهُوالعينُ بالإثمد الحاريِّ مكحولُ
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «هل حبل شماء قبل البين موصول»

وروى أنَّ دَرَاهِم أَصْحَاب الْكَهْف كَانَتْ كأخفاف الرِّبْع ويروى أنَّ يُونُس ﵇ لمّا جعل النُّبُوَّة تفسّخ تحتهَا كَمَا يتفسخ الرِّبْعُ تَحت الْحِمْل الثقيل.

وَقَوْلها: وَلَا عافطة، تُرِيدُ الْوَاحِدَة من الضَّأْن، وَلَا نافطة، الْوَاحِدَة من المَعز، يُقَالُ:

نفطت العَنْز وعفطت الضائنة، وهما مِنْهُمَا كالامتخاط والاستنثار من النّاس، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: لَمْ تدع لَنَا عَنْزًا وَلَا ضأنًا، وَمثل هَذَا قَوْلهم: مَالَه سَبَدٌ وَلَا لُبَد، يُرِيدُونَ شَاة وَلَا نَاقَة، وَقد يُقَالُ للصوف: لَبَد، والسّبد: الشّعْر، وَنَظِير هَذَا قَوْله: لَمْ تبْق لَهُ ثاغية وَلَا راغية أَي شَاة وَلَا بعير، فالثغاء صَوت الْغنم والرغاء صَوت الْإِبِل، وَمن الرُّغاء قَول الشَّاعِر:

رَغَا فَوْقهم سَقْبُ السَّمَاءِ فداحصٌبِشَكّتهِ لَمْ يُسْتَلَبْ فَسَلِيبُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

يَعْنِي سقب نَاقَة صَالح، وَمثله قَول الشَّاعِر:

فَلَمّا رَأَى الرَّحْمَن أَن لَيْسَ فيهمرشيد وَلَا ناهٍ أَخَاهُ عَن الغدرِ
وصب عَلَيْهِ تَغْلِبَ ابنةَ وائلٍفَكَانَ عَلَيْهِمْ مثلُ راغيةِ البكرِ

وَمن السّبَد قَول الشَّاعِر:

أما الْفَقِير الَّذِي كَانَتْ حلوبتهوَفْقَ الْعِيَال فَلم يُتْركْ لَهُ سبدُ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا»

وَفِي الطير طَائِر يُقَالُ لَهُ السبد لوفور ريشه.

وَقَوْلها: فَمَا وُلِدَ الْأَبْكَار والْعُون مثله، العون: جمع عوان وَهِي الَّتِي بَيْنَ الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة، قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكره فِي صفة بقرة بني إِسْرَائِيل " إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فارضٌ وَلا بكرٌ عوانٌ بَين ذَلِك "، وَيُقَال: حَرْبٌ عَوَان إِذَا لَمْ تكن مُبتَدأَة، وحاجة عوان إِذَا لَمْ تكن بَكْر الْحَاج، قَالَ الشعار:

قُعُودًا لَدَى الأبوابِ طالبُ حاجةٍعوانٍ من الْحَاجَات أَوْ حَاجةٍ بكرِ

وَمِمَّا نستحسنه لبَعض الْمُحدثين فِي معاتبة بعض ذَوي الْخِيَانَة من الإخوان:

وكنتَ أخي بإخاء الزَّمَانفَلَمّا انْقَضى صرت حَرْبًا عَوَانًا
وكنتُ أعدُّك للنّائباتِفها أَنَا أطلب مِنْك الأمانا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

وَنَظِير هَذَا قَول الشَّاعِر الآخر:

أيا مولَايَ صرت قذى لعَيْنِيوسترًا بَيْنَ جفني والمَنَام
وكنتَ من الحوادثِ لي مَلاذافصَرتَ مَعَ الحوادِث فِي نِظام
وكنتَ من المصائب لي عَزَاءًفصرت من الْمُصِيبَات الْعِظَام

وَقَالَ آخر:

هَبِ الزَّمَان زمانيالشَّأْن فِي الخُلان
يَا مَنْ رَمَانِي لمّارَأَى الزَّمانَ رَمَاني
وَمن ذخرتُ لنَفْسيفَعَاد ذُخْرَ الزمانِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
لَوْ قيل لي خُذْ أَمَانًامن أعظم الحدثانِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
لما أخذتُ أَمَانًاإِلَّا من الإخوانِ
للشاعر ابن رشيق القيرواني، من قصيدة «لو قيل لي خذ أمانا»

وَقَالَ ابْن الرُّومِي:

تَخِذْتكمُ ظهرا وعونًا لتدفعوانبال الْعِدَا عَنِّي فصرتُم نِصَالُها
وَقد كنت أرجُو مِنْكُم خَيرَ صاحبٍعَلَى حينِ خِذْلانَ اليمينِ شِمَالُها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا»
فَإِن أَنْتُمُ لَمْ تحفظُوا لمودَّتيفكونوا كَفَافًا لَا عَلَيْهَا وَلَا لَهَا
قفوا موقف المَعْذور عنِّي بمعزلٍوخَلُّوا نِبَالي والْعِدَا ونبالَها
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا»

وَمِمَّا يضارع هَذَا النَّوْع بعض المضارعة قَول ابْن الرُّومِي:

عَدُوَّكَ من صديقك مستفادٌفَلا تستكثرنَّ من الصحابِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «عدوك من صديقك مستفاد»
فَإِن الداءَ أكثرَ مَا تَرَاهُيكون من الطَّعَام أَو الشَّرَاب
للشاعر فرنسيس مراش، اقرأ القصيدة

وَأَعْجَبهُ هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ:

عَدُوَّكَ من صديقك مستفادٌفَلا تكثرن من الصَّديقِ
فَإِن الداءَ أكثرَ مَا تَرَاهُيكون من الْمُسَوَّغ فِي الحلوقِ

وَهَذَا بَاب إِن استقصيناه طَال جدا وتجاوزنا بِهِ حدّ الْمجْلس الْوَاحِد من مجَالِس كتَابنَا هَذَا، وَلم يبن هَذَا الْكتاب عَلَى اسْتِيفَاء أَبْوَاب أَنْوَاعه، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ موشحا ممتزجًا، بِمَنْزِلَة الحدائق الْمُشْتَملَة عَلَى أَنْوَاع مُخْتَلفَة، يَقع الْأنس بمشاهدتها، والالتذاذ بجناها، وَالِانْتِفَاع بثمرها.

وَقَول تَوْبَة: وأشرف بالقوزِ اليَفَاع، القَوْز: الْوَاحِد من أقواز الرمل وَهُوَ مَا علا وأشرف مِنْهُ، وَكَذَلِكَ اليفاع مَا ارْتَفع، وَقَالَ: أَيفع الْغُلَام فَهُوَ يافع إِذَا ارْتَفع، وَهُوَ من نَوَادِر أَبْوَاب الْعَرَبيَّة، لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى أفعل فَهُوَ فَاعل، وَله أَخَوَات مَعْدُودَة مِنْهَا: أورف الظل فَهُوَ وارف، وأورس الرمث فَهُوَ وارس، وَقد قَالَ النَّابِغَة:

كليني لِهَمٍّ يَا أميمةَ ناصبٍوليلٍ أقاسيه بطيءِ الْكَوَاكِب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

بِمَعْنى مُنْصب، كَمَا قَالَ فِي كلمة أُخْرَى:

تعنّاك همٌّ من أُمَيْمَة منصبُ

وَقَوله: أرى نَار ليلى أَوْ يراني بصيرها، أَي يراني المبصر بهَا، وَالْعرب تَقول: ليل نَائِم وسر كاتم أَي منوم ومكتوم، قَالَ جرير:

لَقَدْ لُمْتِنَا يَا أمَّ غَيْلان فِي السُّرىونِمتِ، وَمَا ليلُ المَطِيِّ بنائمِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لا خير في مستعجلات الملاوم»

وَمثل هَذَا كثير.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الْحَادِي عَشْر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.