تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

ليلى الأخْيلِيَّةُ ووفودها عَلَى الحَجَّاج

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد، عَنْ أبي الْحَسَن الْمَدَائِنِي، عَمَّن حَدثهُ، عَنْ مولى لعنبسة ابْن سَعِيد بْن الْعَاصِ، قَالَ: كنت أَدخل مَعَ عَنْبَسَة إِذَا دَخَلَ عَلَى الحَجَّاج، فَدخل يَوْمَا وَدخلت إِلَيْهِمَا وَلَيْسَ عِنْدَ الحَجَّاج أحد غَيْر عَنْبَسَة، فَقَعَدت فجيء الحَجَّاج بطبق فِيهِ رُطَب، فَأخذ الْخَادِم مِنْهُ شَيئًا فَجَاءَنِي، ثُمَّ جَاءَ بطبق آخر فَأَتَانِي الْخَادِم مِنْهُ بِشَيْء، ثُمَّ جِيءَ بطبق آخر حَتَّى كثرت الأطباق، وَجعل لَا يُؤْتونَ بِشَيْء إِلَّا جَاءَنِي مِنْهُ بِشَيْء حَتَّى ظَنَنْت أنَّ مَا بَيْنَ يَدي أَكثر ممّا عِنْدهم، ثُمَّ جَاءَ الْحَاجِب فَقَالَ: امْرَأَة بِالْبَابِ، فَقَالَ الْحجَّاج: أدخلها. فَدخلت، فَلَمّا رَآهَا الحَجَّاج طأطأ رَأسه حَتَّى ظَنَنْت أنَّ ذقنه قَدْ أصَاب الأَرْض، فَجَاءَت حَتَّى قعدت بَيْنَ يَدَيْهِ فَنَظَرت إِلَيْهَا فَإِذا امْرَأَة قَدْ أَسِنَت، حَسَنَة الخَلْق، وَمَعَهَا جاريتان لَهَا، وَإِذا هِيَ ليلى الأخيلية، فَسَأَلَهَا الحَجَّاج عَنْ نَسَبهَا فانتسبت لَهُ، فَقَالَ لَهَا: يَا ليلى! مَا أَتَانِي بك؟ قَالَتْ: إخلاف النُّجُوم وَقلة الغيوم وكلب الْبرد وَشدَّة الْجهد، وَكنت لنا بعد الله الرفد، فَقَالَ لَهَا: صفي لنا الفجاج، فقاتل: مغبرة وَالْأَرْض مقشعرة، والمبرك معتل، وَذُو الْعِيَال مختل، وَالْمَال القُلّ، وَالنَّاس مُسنتون، رَحْمَة الله يرجون، وأصابتنا سنُون مجحفة مبلطة، لم تدع لَنَا هُبَعًا وَلَا ربَعًا، وَلَا عافطة وَلَا نافطة، أذهبت الْأَمْوَال ومزقت الرِّجَال وأهلكت الْعِيَال، ثمَّ قَالَتْ: قَدْ قلت فِي الْأَمِير قولا، قَالَ: هَاتِي، فأنشأت تَقول:

أحجّاجُ لَا يُفْلَلُ سلاحُك إِنَّمَا المنايا بِكفِّ اللَّه حَيْثُ يَرَاها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
أحجاجُ لَا تُعْطِي العداة مناهمُوَلَا اللَّهُ يُعْطي للعُداة مناها
ذَا هَبَط الحَجَّاجُ أَرضًا مَرِيضَةتتبع أقْصَى دائها فشفاها
شفاها من الدَّاء الْعُضال الَّذِي بهَاغُلَام إِذَا هَزَّ القناةَ سَقَاها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
سَقَاهَا فرواها بشِرْبٍ سِجَالُهُدِماءَ رِجال حَيْثُ قَالَ حشاها
إِذَا سمع الحَجَّاج رِزَّ كَتِيبَةأعدَّ لَهَا قَبْلَ النُّزُول قِراها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
أعدَّ لَهَا مَسْمومة فارسيَّةبأيدي رجال يَحْلِبُون صَرَاها
فَمَا ولدَ الأبكارُ والْعُونُ مثلَهببحرٍ وَلَا أرضٍ يَجِفُّ ثَرَاها

قَالَ: فَلَمّا قَالَتْ هَذَا الْبَيْت، قَالَ الحَجَّاج: قاتلها اللَّه! مَا أصَاب صِفَتي شَاعِر مُنْذُ دخلت الْعرَاق غَيرهَا، ثُمَّ الْتفت إِلَى عَنْبَسَة بْن سَعِيد، فَقَالَ: وَالله إِنِّي لأعد لِلْأَمْرِ عَسى أَلا يكون أبدا، ثُمَّ الْتفت غليها، فَقَالَ: حَسبك، فَقَالَت: قَدْ قلت أَكثر من هَذَا، قَالَ: حَسبك

وَيحك حَسبك، ثمَّ اقل: يَا غُلَام! اذْهَبْ بهَا إِلَى فلَان فَقل لَهُ: اقْطَعْ لسانها، فَقَالَ لَهُ: يَقُولُ لَك الْأَمِير: اقْطَعْ لسانها، قَالَ: فَأمر بإحضار الْحجام، والتفتت إِلَيْهِ وَقَالَت: ثكلتك أمك، أما سمعة مَا قَالَ، إِنَّمَا أَمرك أنَّ تقطع لساني بِالْبرِّ والصلة فَبعث إِلَيْهِ يستثبته، فاستشاطَ الحجّاج غَضبا وهم بِقطع لِسَانه، وَقَالَ: اردُدها، فَلَمّا دخلت عَلَيْهِ، قَالَت: كَاد - وَأَمَانَة اللَّه - أَيهَا الْأَمِير يقطع مقولي، ثمَّ أنشأت تَقول:

حجاج أَنْت الَّذِي مَا فَوْقه أحدإِلَّا الْخَلِيفَة والمستغفر الصمدُ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
حجاج أَنْت شهَاب الْحَرْب إِن لقحتوَأَنت للنَّاس نور فِي الدجى يقدُ

ثمَّ أقبل الْحجَّاج على جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ من هَذِه؟ قَالُوا: لَا وَالله أَيهَا الْأَمِير، إِلَّا أننا لَمْ نر امْرَأَة قَط أفْصح لِسَانا وَلَا أحسن محاضرة، وَلَا أصبح وَجها وَلَا أرصن شعرًا مِنْهَا، فَقَالَ: هَذِهِ ليلى الأخْيِلِية الَّتِي مَاتَ تَوْبَة الخفاجي من حبها، ثُمَّ الْتفت إِلَيْهَا، فَقَالَ: أنشدينا يَا ليلى بَعْض مَا قَال فِيك تَوْبَة، فَقَالَت: نَعَمْ أَيهَا الْأَمِير، هُوَ الَّذِي يَقُولُ:

وَهل تبكين ليلى إِذَا متُّ قبلهَاوقامتْ عَلَى قَبْرِي النِّسَاءُ النوائحُ
كَمَا لَوْ أصَاب الموتُ ليلى بكيتُهاوجَادَ لَهَا دمعُ من الْعين سافحُ
وأُغْبَطُ من ليلى، بمالاً أنالهُبَلَى كُلُّ مَا قَرَّتْ بِهِ العَيْن صَالِحُ
وَلَو أنَّ ليلى الأخيلية سَلَّمَتْعَلَيَّ وَفَوْقِي تُرْبة وصفائحُ
لسلّمتُ تَسْلِيم البَشَاشَةِ أوزقاإِلَيْهَا صَدى من جَانب الْقَبْر صائحُ
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «ألا هل فؤادي عن صبا اليوم صافح»

فَقَالَ لَهَا: زيدينا يَا ليلى من شعره، فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ الَّذِي يَقُولُ:

حمامةَ بطن الواديَيْنِ تَرَنّمِيسقاك من الْغُرِّ الغَوَادِي مطيرُها
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت»
أبيني لَنَا لَا زَالَ ريشُك نَاعِمًاوَلَا زلتِ فِي خَضْراء دَانٍ نَضِيرُها
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت»
وأشرفُ بالقَوْزِ اليَفَاع لعلّنيأرى نَار ليلى أَوْ يراني بَصِيرُها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لكل لقاء نلتقيه بشاشة»
وَكنت إِذَا مَا جئتُ ليلى تَبَرْقَعَتْفَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الغَدَاةَ سُفُورُها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لكل لقاء نلتقيه بشاشة»
يَقُولُ رَجالٌ لَا يُضيرُك نأيُهابلَى كلُّ مَا شفَّ النفوسَ يضِيرُها
بلَى قَدْ يضير الْعين أَن تكْثر البكى يمْنَع مِنْهَا نومُها وسرورُها
وَقد زعمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌلنَفْسي تقاها أَوْ عَلَيْهَا فجورُها
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «نأتك بليلى دارها لا تزورها»

فَقَالَ الحَجَّاج: يَا ليلى! مَا الَّذِي رابه من سفورك؟ قَالَتْ: أَيهَا الْأَمِير! كَانَ يُلِمّ بِي كثيرا فَأرْسل إليَّ يَوْمَا: أَنِّي آتِيك، فَفطن الحيُّ فأرصدُوا لَهُ، فَلَمّا أَتَانِي سَفِرتُ فَعلم أنَّ ذَلِكَ لشرّ، فَلم يزدْ عَلَى التَّسْلِيم وَالرُّجُوع، فَقَالَ: لله درُّك! فَهَل رَأَيْت مِنْهُ شَيْئا تكرهينه؟

قَالَ: لَا، وَالله الَّذِي أسأله أَن يُصلحك، غَيْر أَنَّهُ قَالَ لي مرّة قولا ظننتُ أَنَّهُ قَدْ خضع لبَعض الْأَمر فأنشأت أَقُول:

وَذي حَاجَة قُلْنَا لَا تَبُحْ بهَافَلَيْسَ إِلَيْهَا مَا حييتَ سبيلُ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لَنَا صاحبٌ لَا نبتغي أَن نخونهوأنتَ لأخرى صاحبٌ وخليلُ

فَلا وَالله الَّذِي أسأله أَن يصلحك مَا رأيتُ مِنْهُ شَيْئا قد فرّق الموتُ بيني وَبَينه، قَالَ: ثُمَّ مَه، قَالَتْ: ثُمَّ إِنَّه لَمْ يلبث أَن خَرَجَ فِي غزاةٍ لَهُ فأوصى ابْن عَمه: إِذَا أتيت الْحَاضِر من بني عبَادَة فَنَادِ بِأَعْلَى صَوْتك:

عَفا اللَّه عَنْهَا هَلْ أبيتَن لَيْلَةمن الدَّهْر لَا يسري إليَّ خَيَالُها
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

فَخرج وَأَنا أَقُول:

وَعنهُ عَفا رَبِّي وَأحسن حالهُفغز عَلَيْنَا حَاجَة لَا ينالُها

قَالَ: ثُمَّ مَه، قَالَتْ: ثُمَّ لَمْ يلبث أَن مَاتَ فَأتى نعيه، قَالَ: فأنشدينا بَعْض مراثيك فِيهِ، فَأَنْشَدته:

كَأَن فَتى الفتيان توبةَ لَمْ يُنِخقَلَائِص يفحصن الْحَصَى بالكَرَاكرِ
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة
لِيَبْك العذارى من خفاجة نسوةٌبماءِ شئونِ العَبْرة الْمُتَحادِرِ

فَلَمّا فرغتْ من القصيدة، قَالَ مُحصن الفقعسي، وَكَانَ من جُلساء الحَجَّاج: من الَّذِي يَقُولُ هَذِهِ هَذَا فِيهِ، فواللَّه إِنِّي لأظنها كَاذِبَة، فَنَظَرت إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَتْ: وَالله أَيهَا الْأَمِير إِن هَذَا الْقَائِل لي لَوْ رَأَى تَوْبَة لسَرَّه أَلا يكونَ فِي دَاره عذراء وَهِي حَامِل مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الحَجَّاج: هَذَا وَأَبِيك الْجَواب، وَقد كنت عَنْهُ غَنِيا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: سَلِي يَا ليلى تُعْطَيْ، قَالَتْ: أعْط فمثلك أعْطى فَأحْسن، قَالَ: لَك عشرُون قَالَتْ زِدْ فمثلك زَاده فأجمل، قَالَ: لَك أَرْبَعُونَ، قَالَتْ: زد فمثلك زَاد فأفضل، قَالَ: لَك سِتُّونَ قَالَتْ: زد فمثلك زَاد فأكمل، قَالَ: لَك ثَمَانُون، قَالَتْ: زد فمثلك زَاد فتممّ، قَالَ: لَك مائَة، واعلمي يَا ليلى أَنَّهَا غنم، قَالَتْ: مُعَاذِ اللَّه أَيهَا الْأَمِير، أَنْت أجودُ جُودًا وأمجد مجدًا وأورى زِنْدًا من أَن تجعلها غنما، قَالَ: فَمَا هِيَ وَيحك يَا ليلى؟ قَالَتْ: مائَة نَاقَة برعاتها، فَأمر لَهَا بهَا، ثُمَّ قَالَ: لَك حَاجَة بعْدهَا، قَالَتْ: تدفع إليَّ النابغةَ الجَعْدي فِي قَيْد، قَالَ: قَدْ فعلتُ، وَقد كَانَتْ تهجوه ويهجوها، فَبلغ النَّابِغَة ذَلِكَ فَخرج هَارِبا عائذًا بِعَبْد الْملك بْن مَرْوَان فاتبعته فهرب إِلَى قُتَيْبَةَ بْن مُسْلِم بخراسان فاتّبَعَتْه عَلَى الْبَرِيد بِكِتَاب الحَجَّاج إِلَى قُتَيْبَةَ، فَمَاتَتْ بقُومِس وَيُقَال بحلوان.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الْحَادِي عَشْر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.