من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
شعر لَا يستنكر إنشاده فِي المَسْجِد
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِم، عَنْ أبي عُبَيْدة، قَالَ: قَدم أَعْرَابِي من الْيمن فَدخل مَسْجِد رَسُول الله ﷺ فَجَلَسَ فِي حَلقَة فِيهَا الْحَسَن بْن عليّ ﵁، فَقَالَ: هَلْ فِيكُم من يُنشد، فَقيل لَهُ: إِنَّك لجَاهِل، أتستنشد ابْن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: وَالله لأنشدنَّ مَا لَا يُنْكِره، ثُمَّ إِن أُحِبَّ قَالَ، وَإِن أحبَّ سكت، ثُمَّ أنشأ يَقُولُ:
رُبَّ أمورٍ قَدْ بَريْتُ لحَاهَاوقَوَّمْتُ من أصلابها ثُمَّ رِشْتُها
أقيمُ بدار الصدْق مَا لَمْ أُهن بهَاوَإِن خِفْت من دارٍ هَوَانا تَرَكْتُها
وأصْبِحُ خَالِي المَال حَتَّى تَخَالُنيبَخِيلًا وَإِن حَقٌّ عراني أَهَنْتُها
وَلست بولاجِ البيوتِ لِفَاقَةٍولكنْ إِذَا استغنيتُ عَنْهَا وَلِجْتُها
إِذَا قصرت أَيدي الرِّجَال عَنِ الْعُلامددتُ يَدي باعًا إِلَيْهَا فَنِلْتُها
ومكرمةٍ كَانَتْ سجية وَالِديفعلميها وَالِدي فعلمتها
وَقد علمت أعلامُ قومِيَ أنّنيإِذَا نَالَ أظفاري صديقا قَلَمْتُها
رجاءَ غدٍ أَن يعطِفَ الْوُدُّ بَيْننَاومظلمة مِنْهُم بجنبي عَرَكْتها
وَإِنِّي سألقي اللَّه لَمْ أرْمِ حُرَّةًوَلم تأتمني سِرَّ قَوْمٍ فخُنْتُها
وَلَا بَاغِيا خَمْرًا وأسماع قَيْنَةوَلَا قائِلا فِي الشّعْر أَنِّي شَرِبْتُها
وَلَا غائرًا مَا لَمْ تُغِرْني حليلتيمَتَى مَا أغْرِ إِن لَمْ تُغْرِني ظَلَمتُها
فَقَالَ الْحَسَن ﵁: مَا رأيتُ كَالْيَوْمِ شعرًا أرصن، وَأمر لَهُ بصلَة لَمْ يقبلهَا، وَانْصَرف.
أكله كُلّه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن عَرَفَة المهلبي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عتبَة الْبَصْرِيّ، قَالَ: قَدِمَ عمَارَة بْن عقيل الْبَصْرَة، فَأَتَاهُ النّاس يَكْتُبُونَ عَنْهُ، فَقَالَ لرجل حَضَره: أَنْشدني بَعْض مَا قَالَه الفرزدق لجدي، وَبَعض مَا قَالَ جدي للفرزدق، فأنشده قَول الفرزدق:
حلقتُ بربِّ مكَّة والْمُصَلّىوأعناقِ الهَدِيِّ مقلداتِ
لَقَدْ قَلّدْتُ جِلْفَ بَنِي كليبٍقَلائِدَ فِي السَّوَالِفِ باقياتِ
قلائدَ لَيْسَ من ذهبٍ وَلَكِنقَلائِدَ من جَهَنَّمَ منضجاتِ
حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا فَجعل يتلظّى، ثُمَّ قَالَ: هَات مَا قَالَه لَهُ أَبِي فأنشده:
تُعَلِّلُنا أُمامةُ بالْعِدَاتِوَمَا يَشْفِي القلوبَ الصادياتِ
وَلَوْلَا حُبُّها وإله مُوسَىلَوَدَّعْتُ الصِّبَا والغانيات
إِذَا رَضِيَتْ رَضِيتُ وَتَعْتَرِينيإِذَا غَضبت كَهَيْضَاتِ السُّبَاتِ
وَمَا صبْري عَنِ الذَّلْفَاءِ إِلَّاكصبر الْحُوتِ عَنْ مَاء الْفُراتِ
ثُمَّ قَالَ: مَاذَا؟ قَدْ قطّع الفرزدقُ عِرْضه وَهُوَ فِي أُمَامَة؟ حَتَّى إِذَا بلغ إِلَى قَوْله:
رَجَوْتُم يَا بني وَقَبان مَوْتِيوأرجُو أَن تطولَ لَكُمْ حَيَاتي
إِذَا اجتمعُوا عَلَيَّ فخلِّ عَنْهُمْوَعَن بازٍ يَصُكُّ حبارياتِ
إِذَا طَرِب الحمامُ حمامُ نجدٍنَعَى جارَ الأقارع والْحُتاتِ
فَقَامَ يحجلُ طَرَبًا، وَقَالَ: أَكَلَهُ كُلَّهُ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع