من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
لَمْ يُسْمع بأسرة دخلت الإِسْلام كهؤلاء
وَحَدَّثَنَا ابْن دُرَيْد، قَالَ: أَخْبَرَنَا السكن بْن سَعِيد، عَنِ الْعَبَّاس بْن هِشَام، عَنْ أَبِيه، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيد بْن عَبْد اللَّه الْجعْفِيّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَشْيَاخ قومه قَالُوا: كَانَتْ عِنْدَ أبي سَبْرة وَهُوَ يزِيد بْن مَالك بْن عَبْد اللَّه بْن الذُّؤَيب بْن سَلَمَة بْن عَمْرو بْن ذهل بْن مُرّان بْن جُعْفي امْرَأَة مِنْهُم فَولدت لَهُ سَبْرة وعَزيزًا ثُمَّ مَاتَت فورّثت ابناها إبِلا، ثُمَّ تزوج أَبُو سُبْرَة أُخْرَى فجفا ابنيه ونحاهما فِي إبلهما الَّتِي ورثاها عَنْ أمهما، فَلَمّا بلغهما مهاجرة النَّبيّ ﷺ قَالَ سُبْرَة لمولى لأمه كَانَ يرْعَى عَلَيْهِ: ابغني نَاقَة كِنَازًا ذاتَ لبن، فَقَالَ القَاضِي: هِيَ الْكَثِيرَة اللَّحْم المجتمعة الْجِسْم، فَأَتَاهُ بهَا فركبها وَهُوَ يَقُولُ لِأَبِيهِ:
أَلا أبْلِغا عني يَزِيدَ بْن مَالِكٍألمّا يَأنِ للشّيخ أَن يَتَذَكّرا
رَأَيْت أبَانَا صَدَّ عَنّا بِوَجْهِهِوأمسَك عنّا مَالَه وَتَنَمّرا
ثُمَّ توجّه إِلَى النَّبيّ ﷺ فَأسلم وَأَقْبل أَخُوهُ عَزِيز، فَقَالَ للْمولى: أَيْنَ أخي؟ قَالَ: نَدَّت لَهُ نَاقَة فَذهب فِي طلبَهَا، فَنظر فِي الْإِبِل فَلم يرَ شَيئًا، فَقَالَ للْمولى: لَتُخْبِرنّي، فَأخْبرهُ وأنشده الْبَيْتَيْنِ، فَدَعَا بِنَاقَة فركبها وَهُوَ يَقُولُ:
أَلا أبلغا عنّي معاشر مذْحجفَهَل لي من بَعْد ابْن أُمِّيَ مِعْبَرُ
وَلحق بِالنَّبِيِّ صلّى اللَّه عَلَيْهِ فَأسلم، ثُمَّ أقبل أَبُو سُبْرَة فَقَالَ للْمولى: أَيْنَ ابناي؟ فَأخْبرهُ خبرهما وأنشده شعرهما، فَركب وَهُوَ يَقُولُ:
وسبرة كَانَ النَّفس لَوْ أنَّ حَاجَةتُرَدُّ وَلَكِن كَانَ أمرا تَيَسّرا
وَكَانَ عَزِيزٌ خَلّتي فرأيتهُتولّى وَلم يقبل عَلَيَّ وأدْبرا
ثُمَّ لحق بهما وَخلف عِنْدَ الْمولى غُلَاما لَهُ يُقَال لَهُ شَنْفر، فَمَكثَ الْمولى أَيَّامًا ثُمَّ لحق بهم وَأنْشد يَقُولُ:
بُدِّلْت أنيابًا حِيالا وشَنْفَرَابأهْلِي لَا أرْضَى بِهِمْ من أُولَئِك
قَالَ القَاضِي: الأنياب جمع نَاب وَهِي النَّاقة المسنة، والحيال: جمع حَائِل وَهِي الَّتِي حَالَتْ عَنْ أَن تشْتَمل عَلَى حمل، فَأتى أَبُو سُبْرَة النَّبيّ ﷺ وَمَعَهُ ابناه فأسلموا، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ لعَزِيز: مَا اسْمُك؟ قَالَ: عَزيز، قَالَ: لَا عَزِيز إِلَّا اللَّه، أَنْت عَبْد الرَّحْمَن، وَقَالَ أَبُو سَبْرة للنَّبِي ﷺ: إِن بِظهْر كَفّي سَلْعة قَدْ مَنَعَتْني من خطام رَاحِلَتي، فَدَعَا النَّبيّ ﷺ بقدح فَجعل يَضْرِبُ بِهِ عَلَى السَّلْعة ويَمْسَحُها فَذَهَبت، ودعا لَهُ ولابنيه وأقطعه جروان وَاديا فِي بِلَاد قومه، قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: فَلم يسمع لأهل بَيت أجابوا إِلَى الإِسْلام طَوْعًا بِمثل هَؤُلاءِ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع