تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

أَيهمَا أَجود

؟

حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أَحْمَد الْكَلْبِيّ، قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن بكار، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْن يزِيد، عَنْ صَالح بْن كيسَان، وحَدثني الْحَسَن بْن أَحْمَد، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زَكَرِيّا، قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن ضحاك، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَام بْن مُحَمَّد، عَنْ عوَانَة، قَالَ: وَفد عُبَيْد اللَّه بْن الْعَبَّاس عَلَى مُعَاوِيَة بْن أبي سُفْيَان، فَلَمّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق عارضته سَحَابَة فأمَّ أبياتًا من الشِّعرَ، فَإِذا هُوَ بأعرابي قَدْ قَامَ إِلَيْهِ فَلَمّا رَأَى هَيئته وبهاءه، وَكَانَ من أحسن النَّاس شارة وَأَحْسَنهمْ هَيْئَة، قَامَ إِلَى عُنَيْزة لَهُ ليذبحها فجاذبته امْرَأَته ومانعته، وَقَالَت: أكَلَ الدهرُ مَالَك وَلم يُبْق لَك ولبناتك إِلَّا هَذِهِ الْعُنَيْزة يتمتعون مِنْهَا ثُمَّ تُرِيدُ أَن تَفْجَعَهُنّ بهَا، فَقَالَ: وَالله لأذبحنّها، فذبْحُها أحسن من اللُّؤم، قَالَت: إِذن وَالله لَا تبقي لبناتك شَيئًا فَأخذ الْعُنَيْزة - وأضجعها، وَقَالَ:

قَرِينَتِي لَا تُوقِظي بُنَيَّهْإِن توقظيها تنتحب عَلَيْهِ
وتنزع الشَّفْرَة من يَدَيَّهأبْغِضْ بِهَذَا وبذا إِلَيَّه

ثمَّ ذبح الشَّاة وأضرم نَارا وَجعل يقطع من أطايبها وَيُلْقِيه عَلَى النّار ثُمَّ يناوله عُبَيْد اللَّه ويحدثه فِي خلال ذَلِكَ بِمَا يُلْهيه ويضحكه، حَتَّى إِذا أصبح عبيد اللَّه وانجلت السحابة وهَمَّ بالرحيل قَالَ لقيِّمِه: مَا مَعَك؟ قَالَ: خمس مائَة دِينَار، قَالَ: ألقها إِلَى الشَّيْخ، قَالَ: القَيِّم جعلتُ فِداك، إِن هَذَا يُرضيه عُشْر مَا سميت وَأَنت تَأتي مُعَاوِيَة وَلَا تَدْرِي عَلَى مَا توافقه عَلَى ظَاهره أم على بَاطِنه، قَالَ: وَيحك إِنَّا نزلنَا بِهَذَا وَمَا يملك من الدُّنْيَا إِلَّا هَذِهِ الشَّاة فَخرج لَنَا من دُنْيَاهُ كلهَا، وَإِنَّمَا جُدْنا لَهُ بِبَعْض دُنْيَانَا فَهُوَ أَجود منا، ثُمَّ ارتحل فَأتى مُعَاوِيَة فَقضى حَوَائِجه، فَلَمّا انْصَرف وَقرب من رَحل الأَعْرَابِي قَالَ لوَكِيله: انْظُر مَا حَال صاحبنا، فعوَّل إِلَيْهِ فَإِذا إبل وَحَال حَسَنَة وَشاء كثير، فَلَمّا بصر الأَعْرَابِي بعبيد اللَّه قَامَ إِلَيْهِ فأكب عَلَى أَطْرَافه يقبلهَا، ثُمَّ قَالَ: بِأبي أَنْت وَأمي، قَدْ مدحتك وَمَا أَدْرِي من أَي خَلْقٌ اللَّه أَنْت ثُمَّ أنْشدهُ:

توسَّمْتُه لمّا رَأَيْتُ مَهَابَةًعَلَيْهِ وَقلت: المَرْءُ من آلِ هاشمِ
والا فمِنْ آل الْمُرَار فإنَّهُممُلُوك وَأَبْنَاء الْمُلُوك الأكارم
فَقُمْت إِلَى عنز بَقِيَّة أعنزٍفأذبحها فعل امرئٍ غَيْر نادم
فعوَّضني مِنْهَا غِنَايَ وإنَّمَايُسَاوي لُحيم العَنْزَ خمس دَرَاهِم
أفدتُ بهَا ألفا من الشَّاء حُلَّباوعبدًا وَأُنْثَى بَعْدَ عَبْد وخادم
مباركة من هاشمي مباركخِيَار بني حَوَّاء من نسل آدم
فَللَّه عينا من رَأْي لعُنَيزةأفادت وراشت بَعْدَ عَشْر قوادم
فَقلت لعِرْسِي فِي الْخَلَاء وصِبْيَتِيأحقٌّ ترى هَذَا أم أَحْلَام نَائِم

قَالَ عُبَيْد اللَّه: قَدْ أصبتُ وَأَنا من وُلَد الْعَبَّاس وَأَنا من آل المرار، فبلغت مُعَاوِيَة، فَقَالَ: لله درُّ عُبَيْد اللَّه، من أَي بَيْضَة خَرَجَ، وَفِي أَي عُش درج، عُبَيْد اللَّه معلِّم الْجُود، وَهُوَ وَالله كَمَا قَالَ الحطيئة:

أُولَئِكَ قومٌ إِن بَنَوْا أحسَنُوا الْبِناوَإِن عاهدُوا أوْفَوْا وَإِن عَقَدُوا شَدُّوا
للشاعر عبد الله بن شبرمة الضبي، اقرأ القصيدة
وَإِن كَانَت النُّعْمى عَلَيْهِمْ جَزَوْا بهَاوَإِن انْعَمُوا لَا كدَّرُوها وَلَا كدوا
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «ألا طرقتنا بعدما هجدوا هند»

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الثَّالِث وَالْعشْرُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.