من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
فطنة قَاض
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمقري، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِدْرِيس الْحداد، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُون الْحمال، عَنْ يزِيد بْن هَارُون، قَالَ: تقلد الْقَضَاء بواسط رَجُل ثِقَة كثير الحَدِيث مَا أَظُنهُ إِلَّا أُكْرِه عَلَى الْقَضَاء وَالله أعلم - فجَاء رَجُل فاستودع بَعْض الشُّهُود كيسًا مَخْتُومًا ذَكَرَ أَنَّ فِيهِ ألف دِينَار، فَلَمّا حصل الْكيس عِنْدَ الشَّاهِد، وطالت غيبَة الرَّجُل، قَدَّر أَنَّهُ قَدْ هلك، فَهَمَّ بإنفاق المَال، ثُمَّ دَبّر ففتق الْكيس من أَسْفَله وَأخذ الدَّنَانِير وَجعل مَكَانهَا
دَرَاهِم وَأعَاد الْخياطَة كَمَا كَانَتْ، وقُدِّر أنَّ الرَّجُل وافى وطالب الشَّاهِد بوديعته فَأعْطَاهُ الْكيس بختمه، فَلَمّا حصل فِي منزله فضَّ خَتْمه فصادف فِي الْكيس دَرَاهِم فَرجع إِلَى الشَّاهِد، وَقَالَ لَهُ: عافاك اللَّه، اردُدْ عليّ مَالِي فَانِي استودعتُك دَنَانِير وَالَّذِي وجدت دَرَاهِم مَكَانهَا، فَأنْكر ذَلِكَ واستعدى عَلَيْهِ القَاضِي الْمُقدم ذكره، فَأمر بإحضار الشَّاهِد مَعَ خَصمه، فَلَمّا حضرا سَأَلَ الْحَاكِم: مُذْ كم أودعتُه هَذَا الْكيس؟ قَالَ: مذ خمس عشرَة سنة، فَأقبل عَلَى الشَّاهِد، فَقَالَ: مَا تَقول؟ قَالَ: صدق هُوَ عِنْدِي مُنْذُ خمس عشرَة سنة، فَأخذ القَاضِي الدَّرَاهِم وَقَرَأَ شكلها فَإِذا هِيَ دَرَاهِم مِنْهَا مَا قَدْ ضُرب مُنْذُ سَنتين وَثَلَاثَة وَنَحْو ذَلِكَ فَأمره أَن يدْفع الدَّنَانِير إِلَيْهِ فدفعَها إِلَيْهِ أَوْ مَكَانهَا وأسْقَطَه، فَقَالَ لَهُ: يَا خائن ونادى مناديه: أَلا إِن فلَان بْن فلَان القَاضِي قَدْ أسقط فلَان بْن فلَان الشَّاهِد، فاعلموا ذَلِكَ وَلَا يغتَرِرْ بِهِ أحد بَعْدَ الْيَوْم، فَبَاعَ الشَّاهِد أملاكه بواسط، وَخرج مِنْهَا هَارِبا فَلا يَعْلَمُ عَنْهُ خبر، وَلَا أحسَّ مِنْهُ أثر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع