من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
خبر مقتل عَمْرو ذِي الْكَلْب
حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عُبَيْد، عَنِ الذمارِي، قَالَ: دَخَلَ عَمْرو بْن معدي كرب الزَّبِيديّ عَلَى عُمَر ﵁ يَوْمَا، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا ثَوْر! أَخْبرنِي بِأَعْجَب مَا رَأَيْت، فَقَالَ: إِنِّي أخْبرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي خرجت يَوْمَا أُرِيد حَيا من أَحيَاء الْعَرَب حَتَّى إِذَا مَا كنت بواد يُقَالُ لَهُ بطن شريان إِذَا أَنَا بِرَجُل مفترس أسدًا قَدْ أَدخل رَأسه فِي جَوْفه، وَهُوَ يلغ فِي دَمه كَمَا يفترس الْأسد النّاس والبهائم ويلغ فِي دِمَائِهِمْ، فهالني ذَلِكَ وراعني وظننته شَيْطَانا ثُمَّ عاتبت نَفسِي، فَصحت بِالرجلِ فوَاللَّه مَا نهنه صياحي بِهِ حَتَّى صحت بِهِ صَيْحَة أُخْرَى فَلم يبل، فَصحت الثَّالِثَة فَرفع رَأسه وَنظر إليَّ وَعَيناهُ كالجمرتين، ثُمَّ أعَاد رَأسه فِي جَوف الْأسد احتقارًا لي، فوقفت أنظر إِلَيْهِ تَعَجبا مِنْهُ، فَأَقْبَلت حَيَّة كَانَ عَلَى طريقها تكون شبْرًا أَوْ نَحوه فتعثرت بِهِ فلدغته لدغة فِي مَنْكِبه كَمَا كَانَ باركا عَلَى الْأسد، فصاح مِنْهَا صَيْحَة ثُمَّ أطرق فَلم أره يَتَحَرَّك كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فدنوت مِنْهُ فَإِذا سيف لَهُ وقوسٌ موضوعان، وَفرس مشدود فَأخذت سلاحه، فَلم يَتَحَرَّك فأممته ودنوت مِنْهُ وَضربت بيَدي إِلَى ذِرَاعَيْهِ فتبعتني وَالله يَده من الْكَفّ فَوَقَعت، فَقلت: إِن هَذَا للعجب، لَا أَبْرَح حَتَّى أعلم علمه عِنْدَ بَعْض من يمر فأسأله فَإِذا كلب رابض نَاحيَة، فَأَقْبَلت السبَاع والنسور فحماه الْكَلْب فَلَمَّا جنني اللَّيْل انصرفت وَتركته عَلَى هَيئته فَمضى لذَلِك زمن، فَبينا أَنَا بسوق عكاظ فِي أيّام الْمَوْسِم فِي أجمع مَا كَانَ النَّاس، إِذَا امْرَأَة تَنْشُدُ الرَّجُلَ فَعرفت النَّعْت وَالصّفة، فقلتُ: أَنَا صَاحب الرَّجُل، وَهَذَا سَيْفه وقوسه، قَالَ: فَقَالَت: يَا عَمْرو! إِنَّهُ لَا يجمل بمثلك الْكَذِب وَأَنت فَارس قَوْمك، فأسألك باللاتِ والْعُزّى إِلَّا صَدَقْتني، فخبرتها الْخَبَر، فَقَالَت: صدقت، وَإِنَّمَا كَانَ يفعل ذَلِكَ لِأَن أسدًا مرّة عدا عَلَى أَخ كَانَ لَهُ يُقَالُ لَهُ صَخْر فَأَكله، فآلى عَلَى نَفسه أَلا
يلقى أسدًا إِلَّا افترسه وولغ فِي دَمه، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ كلب، فَسمى عمرا ذَا الْكَلْب، وَأَنا أُخْته الْجنُوب، وبكته فِي شعر تَقول فِيهِ:
وكلّ حَيّ وَإِن طالَتْ سَلامَتُهميَوْمَا طريقهمُ فِي الشَّرِّ مركُوب
أبلغ هُذيلا وخصِّص فِي سَرَاتِهِمُعَنِّي مقَالا وبعضُ القَوْل تكذيبُ
بِأَن ذَا الْكَلْب عمرا خيرهُم نَسَبًابِبَطن شريان يَعْوِي عِنْدَهُ الذِّيبُ
تمشي النسور إِلَيْهِ وَهِي لاهيةمَشْيَ العذارى عَلَيْهِن الجَلابِيبُ
الطاعنُ الطَّعْنَةَ النَّجْلاءَ يتبعُهامُثْعَنْجِرٌ من نَجِيعِ الجَوْفِ أُثْغُوبُ
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع