من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
جَارِيَة لِلْحَجَّاج تَشُكُّ فِي عِفَّة جرير
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن عَرَفَة الأَزْدِيّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْد اللَّه بْن أَحْمَد الْمُزَني، قَالَ: قَالَتْ جَارِيَة لِلْحَجَّاج: يدْخل عَلَيْك جريرٌ فيشبِّبُ بالْحُرم، قَالَ: مَا علمتُه إِلا عفيفًا، قَالَتْ: فأَخْلِني وإياه، فأخلاهما.
فَقَالَت: يَا جرير! فَنَكس رَأسه وقَالَ: هأنذا، فَقَالَت: بِاللَّهِ أَنْشدني قَوْلك:
أوانِسُ، أمَّا مَنْ أردن عفاءهفعانٍ، وَمن أطْلقْنَ فَهُوَ طَلِيقُ
دَعَوْنَ الهَوَى ثُمّ ارْتَمَيْن قلوبَنابأسْهُمِ أعداءٍ وهنَّ صَدِيقُ
فَقَالَ: مَا أعرف هَذَا، ولكنّي الْقَائِل:
ومَنْ يأمنُ الحَجَّاجَ أمَّا نَكَالُهُفصعبٌ وأمّا عِقْدُه فَوَثِيقُ
وخِفْتُك حَتَّى اسْتَنْزَلَتْنِي مَخَافَتِيوَقَدْ كَانَ دُوني من عِمَايَةَ نِيقُ
عمايةُ: جَبل، ونيق: أَعْلَاهُ.
يُسِرُّ لَك البغضاءَ كلُّ منافقٍكَمَا كُلُّ ذِي دينٍ عَلَيْك شفيق
فَقَالَت: لَيْسَ عَنْ هَذَا سألتُك يَا بغيضُ، بِاللَّهِ أَنْشدني قَوْلك:
نَام الخلي وَمَا رقدت بحيلةليل التَّمامِ تَقَلُّبَا وسُهُودَا
مَا ضرَّ أهْلُكِ أَن يقولَ أميرُهُمْقولا، إِذا نَزَل الْمُلِمُّ، سدِيدًا
رَمَتِ الرُّماةُ فَلم تُصِبْكَ سِهَامُهُموَرَأَيْت سهمك للرماةصيودا
فَقَالَ: مَا أعرف هَذَا، ولكنّي الْقَائِل:
دَعَا الحَجَّاجُ مثلَ دُعاءِ نوحٍفَأَسْمع ذَا المعارج فاسْتَجَابا
صبرت النفسَ يَا ابْن أَبِي عقيلٍمُحَافظَة فَكيف ترى الثوابا
وَلَو لَمْ يَرْضَ رَبُّكَ لَمْ يُنزِّلْمَعَ النَّصْر الملائكةَ الْغِضَابا
فَقَالَت: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسأَلك يَا بغيض، أَنْشدني قَوْلك:
إِن الْعُيُونَ الَّتِي فِي طَرْفها مرضٌقتلننا ثُمَّ لَمْ يحيين قَتْلَانَا
يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حَتَّى لَا حَرَاكَ بِهِوهُنَّ أضْعَف خلق اللَّه أرْكَانَا
فَقَالَ: مَا أعرف هَذَا، وَلَكِنِّي الْقَائِل:
رَأَى الحَجَّاجُ عَافِيَة ونَصْراعَلَى رَغْم الْمُنَافِقِ والحَسُود
دَعَا أهلَ الْعِراق دعاءَ نوحٍوَقَدْ ضَلُّوا ضَلالَةَ قومِ هُود
فَقَالَت: لَيْسَ عَنْ هَذَا سألتُكَ يَا بغيضُ، بِاللَّهِ أَنْشدني قَوْلك:
نَام الخليُّ وَمَا تنامُ هُمُومِيوكأنَّ لَيْلِي باتَ لَيْلَ سَلِيمِ
كُنَّا نواصلكُمْ بحبْل مودةٍفَلَقَد عجبتُ لحبْلِنا المَصْرُومِ
وَلَقَد تَوَكَّلُ بالسُّهادِ لِحُبِّكُمْعينٌ تبيتُ قليلةَ التَّهْوِيمِ
إِن امْرَأً مَنَع الزِّيَارَة مِنْكُمحقًّا لَعَمْرُو أبيكِ غيرُ كريمِ
فَقَالَ: مَا أعرفُ هَذَا وَلَكِنِّي الْقَائِل:
وثِنْتَانِ فِي الحَجَّاجِ لَا تَرْكُ ظالمٍسَوِيًّا وَلا عِنْد الْمُرَاشَاة قابِلُ
وَمن غَلَّ مالَ اللَّهِ غُلّتْ يمينُهإِذا قِيلَ أدُّوا لَا يَغُلَّنَّ عَامِلُ
وهما حَيْثُ يراهما الحَجَّاج، فَقَالَ: للَّهِ دَرُّك يَا ابْن الخَطَفَي، أبيتَ إِلا كَرَمًا وتَكَرُّمًا.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع