تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

مُكَافَأَةٌ قَيِّمَةٌ على تَصْحِيح كَلِمَةٍ مِنْ حَدِيثٍ شَرِيفٍ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ أَبِي الْأَزْهَر الخراعي، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُونِ بِمَرْوَ، وَعَلَيَّ أطمارٌ مُتَرَعْبِلَةٌ، فَقَالَ: لِي: يَا نَضْرُ أَتَدْخُلُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الثِّيَابِ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ حَرَّ مَرْوَ لَا يُدْفَعُ إِلا بِمِثْلِ هَذِهِ الأَخْلاقِ، قَالَ: لَا، وَلَكِنَّكَ تَتَقَشَّفُ، قَالَ: فَتَجَاذَبْنَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: حَدَّثَنِي هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا كَانَ فِيهَا سدادٌ مِنْ عَوَزٍ ". قُلْتُ: صَدَقَ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ هُشَيْمٍ، حَدَّثَنِي عَوْفٌ الأَعْرَابِيُّ، عَنِ

الْحَسَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: " إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا كَانَ فِيهَا سدادٌ مِنْ عَوَزٍ " فَكَانَ الْمَأْمُون متكأً فَاسْتَوَى جَالِسًا، وَقَالَ: السَّدَادُ لحنٌ يَا نضر؟ قلت: نعم هَاهُنَا، وَإِنَّمَا لَحَنَ هُشَيْمٌ وَكَانَ لَحَّانًا، فَقَالَ: مالفرق بَيْنَهُمَا، قُلْتُ: السَّدَادُ: الْقَصْدُ فِي السَّبِيلِ، وَالسِّدَادُ: الْبُلْغَةُ وَكُلُّ مَا سَدَدْتَ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ سِدَادٌ، قَالَ: أَفَتَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ، قُلْتُ: نَعَمْ، هَذَا الْعَرْجِيُّ مِنْ وَلَدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ يَقُولُ:

أَضَاعُونِي وأَيَّ فَتًى أَضَاعُوالِيَوْمٍ كريهةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمى ثغرا بخال عنبري»

فَأَطْرَقَ الْمَأْمُونُ مَلِيًّا ثُمَّ، قَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ مَنْ لَا أَدَبَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشِدْنِي يَا نَضْرُ أَخْلَبَ بَيْتٍ لِلْعَرَبِ، قُلْتُ: قَوْلُ ابْنُ بيضٍ فِي الْحَكَمِ بْنِ مَرْوَانَ:

تَقُولُ لِي وَالْعُيُونُ هاجعةٌأَقِمْ عَلَيْنَا يَوْمًا فَلَمْ أَقُمْ
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
أَيُّ الْوُجُوهِ انْتَجَعْتَ قُلْتُ لَهَا:لأَيِّ وَجْهٍ إِلا إِلَى الْحَكَمِ
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
مَتَى يَقُلْ حَاجِبَا سُرَادِقِهِهَذَا ابْنُ بيضٍ بِالْبَابِ، يَبْتَسِمِ
للشاعر حمزة بن بيض، اقرأ القصيدة
قَدْ كُنْتُ أَسْلَمْتُ قَبْلُ مُقْتَبِلاهَيْهَاتَ أَدْخُلُ أَعْطِنِي سَلَمِي

قَالَ القَاضِي: قَوْله: أسلمت مقتبلا، مَعْنَاهُ أسلفت وَأخذت قبل قبيلا يَعْنِي كَفِيلا، وَمن السَّلف من كَرِه الرَّهن والقبيل فِي السَّلَم، وَمِنْهُم من أجَازه، وقَالَ: استوثَقَ من حقّه، فَقَالَ الْمَأْمُون: للَّه دَرُّك! فَكَأَنَّمَا شُقَّ لَك عَنْ قلبِي، أَنْشدني أنصف بَيت قالته الْعَرَب، قُلْتُ: قَول ابْن أَبِي عَرُوبَةَ المَدِينيّ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِين:

إِنِّي وَإِن كَانَ ابنُ عمي عاتبًالَمُزَاحِم من خَلْفه وورَائِهِ
ومُفِيدُهُ نَصْرِي وَإِن كَانَ امْرَأًمترجْرِجًا فِي أرضه وسمائِه
وأكون وَالِي سِره وأصونُهُحَتَّى يحيز إليَّ وَقت أدائِه
وَإِذَا الْحَوَادِث أجحفت بسوامهقرنت صحيحنا إِلَى جُرَبَائِهِ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني وإن كان ابن عمي كاشحا»
وَإِذَا أَتَى من وَجهه بطريفةٍلَمْ أطَّلِعْ فِيمَا وَرَاء خبائِهِ
وَإِذَا ارتدى ثوبا جميلاً لم أقلياليت أنَّ عليَّ حُسْن رُوَائِهِ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني وإن كان ابن عمي كاشحا»

فَقَالَ: أَحْسَنت يَا نَضْر، أَنْشدني الْآن أقنع بيتٍ للْعَرَب، فَأَنْشَدته قَول ابْن عبدل:

إِنِّي امرؤٌ لَمْ أَزَلْ وَذَاك من اللَّهِ أديبًا أُعَلِّم الأَدَبا

أقُيمُ بالدَّارِ مَا اطمأنت بِي الدار وَإِن كنتُ نَازحًا طَربا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
لَا أجْتَوِي خَلَّةَ الصَّديق وَلاأُتْبعُ نفسِي شَيْئا إِذا ذَهَبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
أطلبُ مَا يطْلب الْكَرِيم من الرزق بنَفْسِي وأجملُ الطلبا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
وأحْلِبُ الثَّرَّةَ الصَّفِيَّ وَلاأُجْهِدُ أخْلافَ غريبٍ حَلَبَا

قَالَ ابْن أَبِي الْأَزْهَر: ويروي الضَّفِيّ، قَالَ أَبُو بَكْر: وسمعتُ بُنْدارًا الكَرْخِيّ، يَقُولُ: لَا أحبّ الضَّفيَّ بالضاد فِيمَا يرويهِ النّاس، لِأَن الضَّفِيَّ يَكُون للمَلِكِ دون السُّوقَة، والصَّفِيُّ بالصَّاد أبلغ فِي الْمَعْنى لِأَنَّهَا الغزيرة اللَّبن، قَالَ القَاضِي ﵀: وَالَّذِي حُكِيَ فِي هَذَا عَنْ بُندار قريب، وجائزٌ أَن يَكُون الصَّفِيُّ بِمَعْنى الشَّيْء الَّذِي يُخْتار ويُصطَفى، وَإِن كَانَ مُصطفيه غَيْر ملكٍ، لِأَن صَفِيَّ المَال إِنَّمَا وُسِمَ بِهَذِهِ السِّمة لِأَن الْملك اصطفاه لنَفسِهِ، وجائزٌ أَن يصطفيه الْملك ثُمّ يصير لبَعض السوقة، وَجَائِز أَن يُقَالُ للشَّيْء الْكَرِيم صَفِيٌّ بِمَعْنى أَنَّهُ لنفاسته مِمَّا يصطفيه الْمُلُوك وَيصْلح أَن يصطفوه، فيعبَّر عَنْهُ بِذَلِك قبل أَن يُصْطَفى، كَمَا قَالَ الله ﷿: " وَلَا يَأْبَى الشُّهَدَاء إِذا مَا دعوا " فسَمَّاهم شُهَدَاء قبل أَن يشْهدُوا، وَكَقَوْلِه: " إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا " وَكَانَت الملوكُ قبل الإِسْلام تَصْطفي من الغَنِيمة عِلْقًا مِنْهَا كَرِيمًا أَوْ غُرَّة مشتراة لأنفسها فَيَأْخذهُ دون الْجَيْش، وَفِي ذَلِك يَقُولُ الشَّاعِر:

لَك الْمِرْباعُ مِنْها والصَّفَايَاوحكمك والنشيطة والفضول
للشاعر ابن عَنَمة، اقرأ القصيدة

يَعْنِي بالمرباع: رُبْع الْغَنِيمَة، والصَّفايا: جمع صفِيَّة، وَهِي مَا ذكرنَا، وَقَوله: وحكمك أَيْ مَا تتحكُّم فِيهِ وتحكُم بِهِ، والنَّشِيطَةُ مَا تنشطه من الْمغنم فتأخذُه، والفضول مَا فضل عَنِ الْقِسْمَة أَوْ كَانَ القَسْمُ لَا يَحْتَمله، ثُمّ جعل اللَّه ﵎ لنبيِّه ﷺ فِيمَا غنمه الْمُسلمُونَ من الْمُشْركين الْخُمْس ولذوي الْقُربى من رَهْطِه وَمن سَمَّى مَعَهم، فحط مَا جعل لَهُ عَنْ قَدْر مَا كَانَت الْمُلُوك تَأْخُذهُ قبله، تَطْيِيبًا لنفوس أَصْحَابه، وتوكيدًا لما نَزَّهَهُ عَنْ أَخذ الْأجر عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبيّ ﷺ أَنه قَالَ: " مَا لي فِي هَذَا الْمَالِ إِلا الْخُمْسُ، وَهُوَ مردودٌ فِيكُمْ "، وَكَانَ ﷺ يَأْخُذ مِنْهُ حَاجته لمؤونته وَمُؤْونَةِ أَهْلِهِ، وَيصرف مَا بَقِيَ مِمَّا خلص لَهُ وَهُوَ خُمْس الْخُمسِ فِي الْكِراع والسِّلاح وَمَا كَانَ تأييدًا للدّين وعَتَادًا لنوائب الْمُسْلِمِين، وَكَانَ لَهُ ﷺ الصَّفِيُّ أَيْضا، فَكَانَ يَأْخُذهُ من أصل الْغَنِيمَة، وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ أغار عَلَى بني المصطلق وهم غَارونَ، فَقتل مقاتلهم وسبى زراريهم، وَاصْطفى مِنْهُم جُويرية ابْنة الْحَارِث.

رَجعْنَا إِلَى تَمام الشّعْر، شعر ابْن عبدل وَبَقِيَّة الْخَبَر المتضمن لَهُ:

إِنِّي رأيتُ الْفَتى الْكَرِيم إِذارغَّبتَهُ فِي صنيعةٍ رَغِبَا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «إني امرؤ لم أزل وذاك من الله»
والعَبْدُ لَا يطلُبُ الْعلَا وَلايُعطيك شَيْئا إِلا إِذا ضُربا
وَلَم أجد عُرْوَة الْخَلَائق إِلا الدين لمَّا اخْتَبرْتُ والحَسَبَا
قَدْ يُرْزَقُ الخافِضُ الْمُقِيم وَمَاشَدَّ بعنسٍ رَحْلا وَلا قَتَبَا
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
ويُحْرمُ الرِّزْقَ ذُو المطية والرحل وَمن لَا يَزَالُ مُغْتَرِبَا
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة

قَالَ: أحْسَنْتَ يَا نضر، أفعندك ضِدُّ هَذَا؟ قُلْتُ: نعم، أحسنُ مِنْهُ، قَالَ: هاته، فَأَنْشَدته:

يدُ الْمَعْرُوف غنمٌ حيثُ كَانَتْتَحَمَّلَها كفورٌ أَوْ شَكُور

فَقَالَ: أحسنتَ يَا نضر، وَأخذ الْقِرطاسَ فَكتب شَيْئا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، ثُمّ قَالَ: كَيفَ تَقُولُ: أَفْعِلْ من التُّرَاب؟ قُلْتُ: أتْرِب، قَالَ: الطِّين؟ قُلْتُ: طِنْ، قَالَ: فالكتابُ مَاذَا؟ قُلْتُ: متربٌ مَطِين، قَالَ: هَذِهِ أحسن من الأولى، قَالَ: فَكتب لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم، ثُمّ أَمر الْخَادِم أَن يوصِّله إِلَى الْفضل بن سهل ج فمضيتُ مَعَه، فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب قَالَ: يَا نَضْر! لَحَّنْتَ أَمِير الْمُؤْمِنِين؟ قُلْتُ: كلا، وَلَكِن هُشَيمًا لحانة، فَأمر لي بِثَلَاثِينَ ألفا، فَخرجت إِلَى منزلي بِثَمَانِينَ ألفا وقَالَ لي الْفَضْل: يَا نَضْرُ! حَدِّثْنِي عَنِ الْخَلِيل بْن أَحْمَد، قُلْتُ: حَدَّثَنِي الخليلُ بْن أَحْمَد، قَالَ: أتيتُ أَبَا رَبِيعَة الْأَعرَابِي وَكَانَ من أَعْلَم مَا رأيتُ، وَكَانَ عَلَى سطح أَوْ سُطَيح، فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ أَشَرنَا إِلَيْهِ بالسَّلام، فَقَالَ: اسْتَوُوا، فَلَمَّا نَدْرِ مَا قَالَ، فَقَالَ لنا شيخٌ عِنْده: يَقُولُ لَكُمْ: ارْتَفِعُوا، فَقَالَ الْخَلِيل بْن أَحْمَد: هَذَا من قَول اللَّه ﷿: " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دخانٌ "، ثُمّ ارْتَفع ثُمّ قَالَ: هَلْ لَكُمْ فِي خبزٍ فطيرٍ ولبنٍ هجيرٍ وماءٍ نمير، فَلَمَّا فارقناه، قَالَ: سَلاما، قُلْنَا: فسِّرْ قَوْلك هَذَا، فَقَالَ: مُتَارَكَة لَا خير وَلا شَرّ، فَقَالَ الْخَلِيل: هَذَا مثل قَول اللَّه جلّ وَعز " وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا " أَيّ مُتَاركةً.

قَالَ القَاضِي ﵀: قَوْله فِي الْخَبَر أطمارٌ مُتَرعْبِلَة، يُرِيد ثيابًا متقطعة، يُقَالُ: رَعْبَلْتُ الثوبَ وغيرَهُ إِذا قَطَّعْتُه، قَالَ الشَّاعِر:

يَا من رَأَى ضَرْبًا يُرِعْبِلَ بعضُهُبَعْضًا كَمَعْمَعَةِ الأبَاء الْمُحْرَقِ

الْآبَاء: الْقصب، قَالَ القَاضِي: خبر النَّضْرِ بْن شُمَيْل هَذَا قَدْ كتبناه من طرقٍ شَتى مُتَقَارِبَة الْأَلْفَاظ والمعاني، وَفِيه زِيَادَة لَيست فِي غَيره، والأشعار الَّتِي أنشدها النَّضْر المأمونَ فِيهِ لما استنشده غَيْر مَا فِي سَائِر مَا كتبناه من قِبَل الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة، وَهِي بليغة حَسَنَة، فَرَأَيْت إِحْضَار هَذِهِ الرِّوَايَة ليتكامل للنَّاظِر الْفَائِدَة فِي كتَابنَا، وَإِن تكَرر بعض أَلْفَاظ مَتْنِ الْخَبَر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من المجلِسُ الثَّانِي والخمسُونْ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.