تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

القَاضِي شُرَيْح يتَزَوَّج زَيْنَب التميمية

حَدثنَا أَبُو النَّضر الْعقيلِيّ قَالَ حَدَّثَنَا الْغلابِي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاك قَالَ حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بْن عدي عَن الشّعبِيّ قَالَ، قَالَ لنا شُرَيْح: يَا شعبي عَلَيْكُم بنساء بني تَمِيم فَإِنَّهُنَّ النِّسَاء، قُلْنَا: وَكَيف ذَلِك يَا أَبَا أُميَّة؟ قَالَ: رجعت يَوْمًا من جنازةٍ مظْهرا فمررت بخباءٍ فَإِذا بِعَجُوزٍ مَعهَا جَارِيَة رؤد، فاستسقيت فَقَالَت: اللَّبن أعجب إِلَيْك أم المَاء أم النَّبِيذ؟ قَالَ قلت: اللَّبن أعجب إِلَيّ. قَالَت: يَا بنية اسقيه لَبَنًا فَإِنِّي أَظُنهُ غَرِيبا، فسقتني، فَلَمَّا شربت قلت: من هَذِه الْجَارِيَة؟ قَالَت: هَذِه بِنْتي زَيْنَب بنت حدير إِحْدَى نسَاء بني تَمِيم ثُمَّ من بني حَنْظَلَة ثُمَّ من بني طهية، قلت: أتزوجينيها، قَالَت: نعم إِن كنت كفؤنا، قَالَ: فَانْصَرَفت إِلَيّ منزلي، فامتنعت من القائلة، فَلَمَّا صليت الظّهْر وجهت إِلَى إخْوَانِي الثِّقَات: مَسْرُوق بْن الأجدع وَالْأسود بْن يزِيد فَصليت الْعَصْر ثُمَّ رحت إِلَى عَمها وَهُوَ فِي مَسْجده، فَلَمَّا رَآنِي تنحى لي عَن مَجْلِسه، فَقلت: أَنْت أَحَق بمجلسك، وَنحن طالبو حاجةٍ، فَقَالَ: مرْحَبًا بك يَا أَبَا أُميَّة، مَا حَاجَتك؟ قلت: إِنِّي ذكرت زَيْنَب بنت أَخِيك،

فَقَالَ: وَالله مَا بهَا عَنْك رَغْبَة وَلَا بك عَنْهَا مقصر، قَالَ: وتكلمت فَزَوجنِي ثُمَّ انصرفت فَمَا وصلت إِلَى منزلي حَتَّى نَدِمت وَقلت: مَاذَا صنعت بنفسي، فهممت أَن أرسل إِلَيْهَا بِطَلَاقِهَا، ثُمّ قلت: لَا أجمع بَين حمقتين، وَلَكِنِّي أضمها إِلَيّ، فَإِن رَأَيْت مَا أحب حمدت الله تَعَالَى، وَإِن تكن الْأُخْرَى طَلقتهَا. فَأرْسلت إِلَيْهَا بصداقها وكرامتها، فَلَمَّا أهديت إِلَيّ وَقَامَ النِّسَاء عَنْهَا قلت: يَا هَذِه إِن من السّنة إِذا أهديت الْمَرْأَة إِلَى زَوجهَا أَن تصلي رَكْعَتَيْنِ خَلفه ويسألا الله ﷿ الْبركَة، فَقُمْت أُصَلِّي فَإِذا هِيَ خَلْفي، فَلَمَّا فرغت رجعت إِلَى مَكَانهَا، ومددت يَدي فَقَالَت: على رسلك، فَقلت: إِحْدَاهُنَّ وَرب الْكَعْبَة، فَقَالَت: الْحَمد لله وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله، أما بعد، فَإِنِّي امْرَأَة غَرِيبَة، وَلَا وَالله مَا ركبت مركبا هُوَ أصعب عَليّ من هَذَا، وَأَنت رجل لَا أعرف أخلاقك، فخبرني بِمَا تحب آته وَبِمَا تكره أزدجر عَنْهُ، أَقُول قولي هَذَا، واستغفر الله لي وَلَك. قَالَ فَقلت: الْحَمد لله وَصلى الله على مُحَمَّد وَآله، أما بعد فقد قدمت خير مقدمٍ، قدمت على أهل دارٍ زَوجك سيد رِجَالهمْ، وَأَنت إِن شَاءَ الله سيدة نِسَائِهِم، أحب كَذَا وأكره كَذَا، قَالَت: فَحَدثني عَن أختانك، أَتُحِبُّ أَن يزوروك؟ قَالَ قلت: إِنِّي رجل قاضٍ وأكره أَن يملوني، وأكره أَن ينقطعوا عني، قَالَ: فأقمت مَعهَا سنة أَنا كل يومٍ اشد سُرُورًا مني بِالْيَوْمِ الَّذِي مضى، فَرَجَعت يَوْمًا من مجْلِس الْقَضَاء فَإِذا عَجُوز تَأمر وتنهي فِي منزلي، فَقلت: من هَذِه يَا زَيْنَب؟ قَالَت: هَذِه ختنتك، هَذِه أُمِّي، قلت: كَيفَ حالك يَا هَذِه؟ قَالَت: كَيفَ حالك يَا أَبَا أُميَّة، وَكَيف رَأَيْت أهلك؟ قَالَ قلت: كل الْخَيْر، قَالَت: إِن الْمَرْأَة لَا تكون أَسْوَأ خلقا مِنْهَا فِي حالتين: إِذا ولدت غُلَاما وَإِذا حظيت عِنْد زَوجهَا، فَإِن رَابَك من أهلك ريب فالسوط السَّوْط، قلت: أشهد أَنَّهَا ابْنَتك، قد كفيتني الرياضة وأحسنت الْأَدَب. فَكَانَت تجيئني فِي كل حولٍ مرّة فتوصي بِهَذِهِ الْوَصِيَّة ثُمَّ تَنْصَرِف، فاقمت مَعهَا عشْرين سنة مَا غضِبت عَلَيْهَا يَوْمًا وَلَا لَيْلَة، إِلَّا يَوْمًا وَكنت لَهَا ظَالِما وَذَلِكَ أَنِّي ركعت رَكْعَتي الْفجْر وأبصرت عقربًا فعجلت عَن قَتلهَا فكفأت عَلَيْهَا الْإِنَاء وبادرت إِلَى الصَّلَاة وَقلت: يَا زَيْنَب إياك والإناء، فعجلت إِلَيْهِ فحركته فضربتها الْعَقْرَب، فَلَو رَأَيْتنِي يَا شعبي وَأَنا أمص إصبعيها وأقرأ عَلَيْهِمَا المعوذتين، وَكَانَ لي جَار يُقَال لَهُ قيس بْن جرير لَا يزَال يقرع مريئته، فَعِنْدَ ذَلِك أَقُول:

رَأَيْت رجَالًا يضْربُونَ نِسَاءَهُمْفشلت يَمِيني يَوْم أضْرب زينبًا
للشاعر شريح بن الحارث القاضي، اقرأ القصيدة

وَأَنا الَّذِي أَقُول:

إِذا زَيْنَب زارها أَهلهَاحشدت وأكرمت زوارها
للشاعر شريح بن الحارث القاضي، اقرأ القصيدة
وَإِن هِيَ زارتهم زرتهاوَإِن لم تكن لي هوى دارها

يَا شعبي، فَعَلَيْك بنساء بني تَمِيم فَإِنَّهُنَّ النِّسَاء.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس السَّادِس وَالسَّبْعُونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.