من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)
شُرُوح وتعليقات على خبر شُرَيْح
قَالَ القَاضِي: قَدْ رُوِّينَا خبر شُرَيْح فِي نِكَاحه زَيْنَب من غير طَرِيق، عثرنا على هَذَا مِنْهَا فأثبتناه، وَهُوَ كافٍ من غَيره. وَفِي بعض مَا روينَاهُ، بَيت يَلِي قَوْله:
رَأَيْت رجَالًا يضْربُونَ نِسَاءَهُمْفشلت يَمِيني يَوْم أضْرب زينبًا
وَهُوَ:
وَزَيْنَب شمس وَالنِّسَاء كواكبإِذا طلعت لم تبْق مِنْهُنَّ كوكبا
قَالَ القَاضِي: وَقد أغار شُرَيْح فِي هَذَا الْبَيْت على قَول النَّابِغَة فِي مدح النُّعْمَان بْن الْمُنْذر:
ألم تَرَ أَن اللَّه أَعْطَاك سُورةًتَرى كُلّ ملكٍ دُونها يَتَذَبْذَبُ
فَإنَّك شمس والملوكُ كواكبُإِذا طلعتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
قَالَ القَاضِي: قَوْله فِي الْخَبَر جَارِيَة رؤد يُرِيد وصفهَا بِأَنَّهَا فِي اقتبال شبابها كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
خمصانة قلق موشحهارؤد الشَّبَاب غلا بهَا عظم
وَقَوله: أهديت إِلَى زَوجهَا فِيهِ لُغَتَانِ: هديت الْعَرُوس إِلَى زَوجهَا هداء وَأهْديت إهداء، وَطرح الْألف أَكثر، فَكَأَنَّهُ من الْهِدَايَة لَا من الْهَدِيَّة، وَهُوَ أشبه وأليق بِالْمَعْنَى، وَمن الهداء قَول زُهَيْر:
فَإِن تكن النِّسَاء مخبآتٍفَحق لكل محصنةٍ هداء
وَأما قَول زَيْنَب لشريح هَذِه ختنتك فقد تكلم فِي هَذَا قوم من الْفُقَهَاء واللغويين، وحاجة الْفُقَهَاء إِلَى معرفَة ذَلِك بَينه، وَإِذ قد يُوصي الْمَرْء لأصهار فلَان وأختانه؛ وَقد يحلف لَا يكلم أَصْهَار فلَان وأختانه، فَقَالَ قوم: يكون الْأخْتَان من قبل الرجل والأصهار من قبل الْمَرْأَة. وَذهب قوم فِي هَذَا إِلَى التَّدَاخُل والاشتراك وَهَذَا أصح المذهبين عِنْدِي، وَقد قَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بْن أبي طَالِب ﵇.
مُحَمَّد النَّبِي أخي وصهريأحب النَّاس كلهم إليا
وَالنَّبِيّ أَبُو زَوجته؛ ويدلك على هَذَا قَوْلهم: قد أصهر فلَان إِلَى فلَان، وَبَين الْقَوْم مصاهرة وصهر، فَجرى هَذَا مجْرى النّسَب والمناسبة فِي إجرائهما على الطَّرفَيْنِ والعبارة بهما عَن الْجِهَتَيْنِ، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصهراً " الْفرْقَان: وَقد جَاءَ عَن أهل التَّأْوِيل فِي قَول الله تَعَالَى: " وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً " النَّحْل: أَقْوَال: قَالَ بَعضهم: هم الأصهار، وَقَالَ بَعضهم: هم الْأخْتَان، وَظَاهر هَذَا الْعَمَل على اخْتِلَاف الْمَعْنيين بِحَسب مَا ذهب إِلَيْهِ من قدمنَا الْحِكَايَة عَنْهُ، وَقد قَالَ: وَجَائِز أَن يكون عبر
باللفظين عَن معنى وَاحِد، وَقد قَالَ بَعضهم: الحفدة الخدم، قَالَ الشَّاعِر:
حفد الولائد حَوْلهنَّ واسلمتبأكفهن أزمة الأجمال
وَقَالَ رؤبة يُخَاطب أَبَاهُ:
إِن بنيك لكرام نجدهوَلَو دَعَوْت لأتوك حفده
أَي سرَاعًا إِلَى معاونتك وَاتِّبَاع أَمرك، وَمن هَذَا قَوْلهم: وَإِلَيْك نسعى ونحفد أَي نجد فِي عبادتك ونسعى فِي طَاعَتك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع