تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

بَين الْمُؤلف وجَمَّال

قَالَ القَاضِي: رأيتُ شَيخا جَمَّالا بالنهروان سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة بِيَدِهِ خُطَامُ بعيرٍ يقودُهُ وَهُوَ يترنَّم بِأَبْيَات، فاستحسنت إنشادها وهششتُ لَهُ، فقربت مِنْهُ فَقلت لَهُ: مَا اسْمك؟ قَالَ: خصيب، قلت: ابْن من أَنْت؟ فانتسب إِلَى أبٍ نسيتُ اسْمه، فَقلت لَهُ: هَلْ كتبتَ شَيْئا من الْعلم وَالْأَدب أم عنْدك شيءٌ من الحَدِيث؟ فَقَالَ: قد سمعتُ كثيرا، فقلتُ: أتحفظُ مِنْهُ شَيْئا تملّهُ عليّ، وَكَانَ معظمُ حِرْصِي على ذَلِكَ من أجل اسْمه، فَقَالَ لي: كتبتُ مِمَّا ذكرت شَيْئا كثيرا وَلم يبْق عِنْدِي مِنْهُ شَيْء، وَمَا أحفظُ مِمَّا سمعته شَيْئا إِلَّا هَذِه الأبيات الَّتِي تسمعني أترنَّم بِهَا، فَإِن شَيخا بخراسان أملاها عليَّ وَزعم أنَّها لأبي الْعَتَاهِيَة.

فَسَأَلته إملاءها عليَّ، فأنشدني، ثُمَّ وَجدتهَا فِيمَا يعزى إِلَى أبي الْعَتَاهِيَة م الشّعْر وَهِي:

يَا ربّ سلمٍ أضرَّ من حَرْبِوَرب عذرٍ أشدَّ من عَتْبِ
وَرب بعدٍ بِهِ عَن الذَّنب يَكفِي المرءَ من لومه عَن الذَّنب
وَرُبمَا كَانَ فِي التبسم والإقبال مَا لَا يكونُ فِي الضَّرب
وربَّ عزٍّ فِي حَال مَخْمَصَةوَرب ذلٍّ فِي الْأكل وَالشرب
وَرُبمَا كَانَت الملالَةُ إفراطًا شَدِيدا من وامق صبّ
وَرب ذِي بغية يُعاجلهمن قبلهَا صرعةٌ على الْجنب
وَرُبمَا دارت الْمنية فِي القوم كَدَوْرِ العقارِ فِي الشَّرب

يَا صورًا نقّلت إِلَى الترب بِالْمَوْتِ كَمَا صوِّرت من الترب

تجْرِي إِلَيْنَا بِالرَّفْع والخفضوالجزم على ذَا الإِنْسَان وَالنّصب
منتظرًا نَحْبَهُ إِلَى أجللابدَّ مِنْهُ لذَلِك النحب

يشفي امْرِئ غيظه بسبّ امْرِئ والحلم أشفى لَهُ من السبّ

وَقد تلين العيدان حَتَّى يكون اللَّين مِنْهَا أَقْوَى من الصلب

قَوْله " اللَّين أَرَادَ اللين فَخفف، كَمَا قَالَ: مَيْت وميّت، وهَيْن وهيَّن، ولَيْن وليِّن.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الخامِس وَالثَمانون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.