تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب التاسع البلاد والديار والأبنية وما يتصل بها من ذكر العمارة والخراب وحب الوطن

ابن عباس ﵁: ما أعلم على وجه الأرض بلدة تدفع فيها بالحسنة مائة إلا مكة، ولا أعلم على وجه الأرض بلدة يكتب لمن صلى فيها ركعة مائة ركعة غير مكة؛ ولا أعلم على وجه الأرض بلدة يتصدق فيها بدرهم فيكتب له ألف درهم إلا مكة؛ ولا أعلم على وجه الأرض بلدة هي مأوى الأبرار ومصلى الأخيار غير مكة؛ ولا أعلم على وجه الأرض بلدة ما مس منها شيء إلا وفيه تكفير للخطايا إلا مكة؛ ولا أعلم بلدة يحشر منها الأنبياء غير مكة؛ ولا أعلم على وجه الأرض بلدة ينزل فيها كل يوم من روح الجنة ما ينزل بمكة.

والمراد بفضل البقاع والأوقات أن ثواب عمل الطاعة فيها أكثر من ثواب من عمل في غيرها، لما علم الله من صلاح المكلفين في ذلك.

وعن عبد الله بن عمرو: أن الحرم محرم في السماوات السبع، مقداره من الأرض والهواء إلى العرش.

وهيب بن الورد: كنت ذات ليلة في الحجر أصلي، فسمعت

كلاما بين الكعبة والأستار، إلى الله أشكو ثم إليك يا جبرائيل من الطائفين حولي، من تفكههم بالحديث، ولغوهم، ولهوهم؛ لئن لم ينتهوا لأنتفضنّ انتفاضة يرجع كل حجر مني إلى الجبل الذي قطع منه.

ابن مسعود: ما من بلد يؤاخذ العبد فيه بالهمة قبل العمل إلا مكة؛ وتلا قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ

ابن عباس: لئن أذنب سبعين ذنبا بركبة أحبّ إليّ من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة. وركبة منزل بين مكة والطائف.

قال سفيان: والله ما أدري أي البلاد أسكن؟ فقيل:

خراسان، فقال: مذاهب مختلفة، وآراء فاسدة؛ قيل: فالشام، قال:

يشار إليك بالأصابع، أراد الشهرة؛ قيل: فالعراق، قال: بلد الجبابرة، قيل: فمكة، قال: تذيب الكيس والبدن.

في الحديث: استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع، فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة.

وعن علي، رفعه: قال الله إذا أردت أن أخرب الدنيا بدأت ببيتي

فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره.

من خصائص الحرم أن الذئب يريغ الظبي، فإذا دخله كف عنه، وأنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا وهو عليل، وأنه إذا حاذى الكعبة عرقة من طير انفرقت فرقتين ولم يعلها طائر منهما، وأنه إذا أصاب المطر الباب الذي من شق العراق كان الخصب بالعراق تلك السنة، وكذلك كل شق، وإذا عمّ جوانب البيت عمّ الخصب كل البلاد، وأن حصى الجمار يرمى به منذ حج الناس على طوال الدهر وهو على مقدار واحد، ولولا موضع الآية لكان كالجبال. ومن سنة أهل الحرم أن كل من علا الكعبة من عبيدهم فهر حر، لا يجمعون بين عز علوها وبين ذلة الرق. وبمكة صلحاء لم يدخلوا الكعبة قط تعظيما لها.

النميري الثقفي:

تشتو بمكة زينبومصيفها بالطائف
أكرم بتلك مواقفاوبزينب من واقف

جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها من معاوية بمائة ألف درهم، فقال له عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش؟

قال: ذهبت المكارم إلا من التقوى، يا ابن أخي إني اشتريت بها دارا

بالجنة، أشهدك أني جعلت ثمنها في سبيل الله.

البقاع تشرف وتفضل بمقام الصالحين الأخيار، ولقد شرف الله بيت المقدس بمقام الأنبياء، والمدينة بهجرة الرسول ﷺ، وأصحابه ﵃.

وبلغنا أن عيسى بن مريم ﵇ تكون هجرته إذا نزل من السماء إلى المدينة، فيستوطنها حتى يأتيه الأمر من الله. روى أبو هريرة عنه ﵊: إذا أهبط الله عيسى من السماء فإنه يعيش في هذه الأمة ما شاء الله، ثم يموت بمدينتي هذه، ويدفن إلى جانب قبر عمر، فطوبى لأبي بكر وعمر فأنهما يحشران بين نبيين.

عائشة عنه ﵊: فتحت البلاد كلها بالسيف، إلا المدينة فأنها فتحت بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وعن النبي ﷺ: إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها.

محمد بن قيس بن مخرمة يرفعه: من مات في أحد الحرمين بعثه الله يوم القيامة آمنا.

شعيا ﵇ قال: اصبري أوري شلم فانه سيأتيك راكب يعني عيسى بن مريم، ثم يأتيك راكب البعير، يعني محمدا ﷺ، وهي أرض بيت المقدس. قال الأعشى:

وطوفت للمال آفاقهعمان فحمص فأوري شلم

ويقال لها فلسطين وأرض المحشر، والقرية المحفوظة، ومدينة الجنة.

سأل عمر رسول الله ﷺ أي البقاع خير وأي البقاع شر؟

فقال: لا أدري، فسأل جبرائيل عن ذلك فقال: لا أدري، فقال: سل ربك، فسأله فقال: خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق.

كان أبو مسلم الخولاني يكره الجلوس في المساجد، ويقول: المساجد مجالس الكرام.

أبو هريرة: من بني مسجدا من مال حلال بنى الله له بيتا في الجنة.

أنشدت بمكة حرسها الله:

بنى مسجدا لله من غير حلهفكان بحمد الله غير موفق

دخل رسول الله ﷺ المسجد، فإذا فتية من الأنصار يذرعون

المسجد بقصبة، قالوا: نريد أن نعمر مسجدك، فأخذ القصبة فرمى بها، وقال: خشيبات وثمامات وعريش كعريش موسى والشأن أقرب من ذلك.

عائشة: عنه ﵊: أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغضها إليه أسواقها.

من كان في المسجد فلم ير أنه في صلاة لم يفقه.

أبو هريرة: عنه ﵊: لكل شيء قمامة، وقمامة المسجد لا والله، ويلي والله.

معاذ يرفعه: من علق قنديلا في المسجد صلى عليه سبعون ألف ملك حتى ينكسر ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يتقطع ذلك الحصير.

مالك بن دينار: إن المنافقين في المساجد كالعصافير في القفص.

عنه ﵇: من ألف المسجد ألفه الله، وعنه: يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، فلا تجالسوهم، فليس لله بهم حاجة.

- وعنه: قال الله تعالى: إن بيوتي في أرض المساجد، وإن زواري فيها عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره.

- وعنه عليه الصلاة: إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان.

سعيد بن المسيّب: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، فما حقه أن يقول إلا خيرا.

في الحديث: الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش.

النخعي: كانوا يرون أن المشي في الليلة المظلمة إلى المسجد موجبة.

سأل رجل من سمرقند فضيلا: أيما أحب إليك أن أجار بمكة أو آتي الشام؟ فقال: ما تبالي أن تكون بالشاش بعد أن تكون تقيا.

عن علي الأزدي: سألت ابن عباس عن الجهاد فقال:

ألا أدلك على ما هو خير؟ تبني مسجدا يعلم الناس فيه القرآن، وسنن الرسول، والفقه في الدين.

لبني عدي بن عبد مناة: مسجد بالبصرة ينتاب وينزل به، يقال إن جمل عائشة عقر في موضعه فابتنى على ذلك، فقال رجل منهم يهجوهم:

قوم كرام غير ما أنهمسطوتهم تعدو على جارهم
ليس لهم فخر سوى مسجدبه تعدوا فوق أطوارهم
لو هدم المسجد لم يعرفوايوما ولم يسمع بأخبارهم
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «يا أيها السَائلُ عن قومِنا»

علي ﵁: كأني بك يا كوفة تمدين مد الأديم العكاظي، تعركين بالنوازل، وتركبين بالزلازل، وإني لأعلم أنه ما أراد

بك جبار سوءا إلا ابتلاه الله بشاغل، ورماه بقاتل.

جهم بن خلف المازني في المفضل الضبي:

أنت كوفي ولا يحفظكوفي صديقا
لم يكن وجهك يا كوفيّ للخير خليقا

كان عمر ﵁ إذا ذكر الكوفة قال: كنز الإيمان، وجمجمة العرب، ورمح الله الأطول.

قيل لأبي عبيدة: البصرة أحب إليك أم الكوفة؟ قال: لو دلني أحد على البصرة لدفعت إليه الكوفة مجازاة له.

علي ﵁ لأهل البصرة: أرضكم قريبة من الماء، بعيدة من السماء، خفت عقولكم، وسفهت حلومكم، وأنتم غرض لنابل، وأكلة لآكل، وفريسة لصائل.

- وعنه: كنتم جند المرأة، وأتباع البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فهربتم، أحلامكم دقاق، وعهدكم شقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق، المقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه، والشاخص عنكم متدارك

برحمة ربه؛ وأيم الله لتغرقن بلدتكم كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة، أو نعامة جاثمة، قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها، وغرق من في ضمنها.

وصف رجل صنعاء فقال: بلغ من طيب ترابها أن الرجل يسجد فلا يشتهي أن يرفع رأسه.

قدم رجل من اليمامة فقيل له: ما أحسن ما رأيت بها؟ قال:

خروجي منها.

قال أبو العتاهية لبدوي: هل لك في أرض الريف والخصب أرض العراق؟ فقال: لولا أن الله أرضى بعض العباد بشر البلاد لما وسع خير البلاد جميع العباد.

كريب بن سلمة الجعفي:

إذا نحن جاوزنا دمشق ووجهتصدور المطايا للعراق المشرق
فأحبب به دارا إلينا ومنزلاإذا نحن جاورنا بلاد الخورنق

الجاحظ في ذكر العراق: موضع التميمة، وواسطة القلادة، به تلاحقت الطبائع، وصرحت عن اللب الأصيل، والخلق الجميل.

ابن زريق الكاتب:

سافرت أبغي لبغداد وساكنهامثلا وذلك شيء دونه الياس
هيهات بغداد الدنيا بأجمعهاعندي وسكان بغداد هم الناس

يقال لأهل العراق ملائكة الأرض، للطافة أخلاقهم، وخفة أرواحهم. قال ملائكة الأرض أهل العراق وأهل الجبال شياطينها.

وكان أبو إسحاق الزجاج يقول: بغداد حاضرة الدنيا وما عداها بادية. وقال أبو الفرج الببغاء: هواؤها أغذى من كل هواء، وماؤها أعذب من كل ماء، ونسيمها أرقّ من كل نسيم، ونعيمها أكثر من كل نعيم، وهي من الأقليم الإعتدالي بمنزلة المركز من الدائرة، ولم تزل موطن الأكاسرة في سالف الأيام، ومنزل الخلفاء في دولة الإسلام.

وكان أبو الفضل ابن العميد إذا امتحن رجلا من أهل العلم سأله عن بغداد، فإن وجده متنبها على خصائصها، وعن الجاحظ فإن رآه منتسبا إلى مطالعة كتبه، رجح في عينه، وإلا لم يعبأ به. ولما رجع الصاحب من بغداد سأله، فقال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد.

وفي ديوان المنظوم:

أفاضل الدنيا وإن برزوالم يبلغوا غاية أستاذها
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «أفاضل الدنيا وان برزوا»
أما ترى أمصارها جمةولا ترى مصرا كبغداذها

قالوا: ومن عجيب شأنها وهي موطن الخلفاء أنه لا يموت بها خليفة.

قال عمارة بن عقيل:

أعانيت في طول من الأرض أو عرضكبغداد دارا إنها جنة الأرض
قضى ربها أن لا يموت خليفةبها إنه ما شاء في خلقه يقضي

ولما فرغ المنصور من بنائها في سنة ست وأربعين ومائة أمر نوبخت المنجم أن يأخذ طالعا، فوجد المشتري في القوس، فحكم بظهور فضلها على سائر البلاد فسر المنصور بذلك، وقرأ: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

ثم قال: وخصلة أخرى أنه لا يموت بها خليفة أبدا.

الخورنق بناه النعمان بن امرىء القيس الأكبر، بناه كسرى لبهرام جور، وكان كسرى قد جعل بهرام في حجره، فأمر ببنائه له، لأن الأطباء اجتمعوا على أنه أطيب مكان هواء بالعراق.

النبي ﷺ: دخل إبليس العراق فقضى حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ.

بلغ خراج مصر في بعض الأزمنة أربعة آلاف ألف دينار.

قال هشام بن عبد الملك لأخيه محمد:

أبعد قرى مصر تبوأت ظلةستعلم غدوا أي بيعك أربح
فرحت بأن فارقت مصر وأهلهاومصر بأن فارقتها منك أفرح

من أقام بالموصل حولا وجد في قوته فضلا، ومن أقام بالأهواز حولا، وهو ذو فراسة، وجد فيها نقصانا.

الأهواز ينسب إليها السكر والديباج والخر، يقال: ديباج تستر، وخز السوس وهما من الأهواز. قال كشاجم في وصف روض:

كأن الذي دبجت تستروطرزت السوس فيه نشر
للشاعر كشاجم، من قصيدة «تريك مرور الليالي العبر»

وأنشدت:

تمشي كما رنّحت ريح يمانيةغصنا من البان غضا طلّه الديم
في حلة من طراز السوس معلمةتمحو بأذيالها ما أثر القدم

وقال أبو نصر العتبي: اللهمّ في وخز النفوس أثر السوس في خز السوس.

دخل الرشيد، منبج فقال لعبد الملك بن صالح

الهاشمي، وكان لسان بني العباس، هذا البلد مقر لك، قال: يا أمير المؤمنين هو لك، ولي بك؛ قال: كيف منازلك به؟ قال: دون منازل أهلي، وفوق منازل غيرهم؛ قال: كيف صفة مدينتك هذه؟ قال: عذبة الماء، طيبة الهواء، قليلة الأدواء؛ قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله، وأين بها عن الطيب، وهي تربة حمراء، وسنبلة صفراء، وشجرة خضراء، وفياف فيح، بين قيصوم وشيح؛ قال الرشيد: هذا الكلام، والله أحسن منها.

كسكر إحدى كور السواد من طساسيج»

دجلة والفرات ينسب إليها الدجاج المسمن، ربما بلغت الواحدة وزن الجدي والحمل.

قال:

لنا سمك نكبّبه مشهّروعند غلامنا جنب مبزر
وفرّوجان قد رعيا زمانالباب البر في أبيات كسكر

وينسب إليها الجداء والسمك الصحناة.

كان الرشيد يقول لموسى الكاظم بن جعفر: يا أبا الحسن خذ فدك حتى أردها عليك، فيأبى، حتى ألح عليه فقال: لا آخذها إلا

بحدودها، قال: وما حدودها؟ قال: يا أمير المؤمنين إن حددتها لم تردها، قال: بحق جدك ألا فعلت، قال: أما الحد الأول فعدن، فتغير وجه الرشيد وقال: هيه، قال: والحد الثاني سمرقند، فأربد وجهه، قال: والحد الثالث أفريقية، فاسود وجهه وقال: هيه، قال: والرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية، قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء فتحول في مجلسي؛ قال موسى: قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردها. فعند ذلك عزم على قتله، واستكفى أمره يحيى بن خالد. فأراه بثرة خرجت في كفه وقال: هذه علامة أهل بيتنا قد ظهرت بي، وأنا أقضي عن قرب، فقد كفيت أمري. فتركه يحيى ومات بعد أيام.

[شاعر]:

وإني وأرضا أنت فيها ابن معمركمكة لم يطرب لأرض حمامها
إذا اخترت أرضا للمقام رضيتهالنفسي ولم يغلظ علي مقامها
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

كان يقال للبصرة خزانة العرب، وقبة الإسلام، لانتقال قبائل العرب إليها، واتخاذ المسلمين لها وطنا ومركزا. قال:

بنت قبة الإسلام قيس لأهلهاولو لم يقيموها لطال التواؤها

ثم لما بنى المنصور بغداد، وصارت دار الخلافة، ومصّت أموال الدنيا مصا، سميت مدينة السلام، وقبة الإسلام. وعن الكسائي أن عمر قال كنز الإسلام، والكنز القبة على السرير، فغيره الناس إلى قبة الإسلام.

للخليل بن أحمد في ظهرة البصرة مما يلي قصر أنس.

زر وادي القصر نعم القصر والواديمن منزل حاضر إن شئت أو بادي
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
ترفا به السفن والظلمان حاضرةوالضب والنون والملاح والحادي

بنى علي بن عيسى بن جعفر الهاشمي قصره على نهر ابن عمر بالبصرة، فقال له ابن المعذل: بنيت أحسن بناء، بأوسع فضاء، على أصفى ماء، وأرق هواء، بين صواري ورعاء، وحيتان وظباء. فقال: والله لبناء كلامك أحسن من بنائي، ووصله.

لا تبنى المدن إلا على الماء والكلأ والمحتطب.

يقال: إن أصبهان من بناء ذي القرنين؛

قال ابن طباطبا لأبي علي بن رستم، وقد هدم شيئا من سور أصبهان ليزيده في داره:

وقد كان ذو القرنين يبني مدينةفأصبح ذو القرنين يهدم سورها
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
على أنه لوحكّ في صحن دارهبقرن له سيناء زعزع طورها

لو قال: فأصبح ذو القرنين فكان أوقع وأمتن، ولعل الرواة حرفوه فإن قوله ذو قرون يومىء إليه، قال:

أيها الهادم سوراهدمه عين الجنون
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
ليس يوهى سور ذي القرنين إلا ذو قرون
للشاعر ابن طباطبا العلوي، اقرأ القصيدة
وسائل عن بلاد الري قلت لهأنا ابن بلدتها لا بل أنا البلد

يقال: أنا ابن بلدتها، وأنا ابن بجدتها أي العالم بها.

وفي ديوان المنظوم:

تفاءلت إذ ألقيت رحلي بالريّوبشرت أحشاء صوادي بالري
فلما رأيت الريّ لا ينقع الصدىعلمت بأن الفأل كان من الغي

وصف بعضهم بلاد الهند فقال: بحرها در، وجبالها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر.

جور من كور فارس مخصوصة بالورد الذي هو مثل، يقال:

ورد جور، والورد الجوري، كما قيل بنفسج الكوفة، ومنثور بغداد، وزعفران قم، ونيلوفر السيروان ونارنج الصيمرة، واترج طبرستان، ونرجس جرجان.

قال عبد الله بن سليمان في نهاوند: أرضها الزعفران، وسماؤها الفاكهة، وحيطانها الشهد.

وقال عمرو بن الليث في نيسابور: حجرها الفيروزج، وترابها النفال، وحشيشها الريباس.

وقال الحجاج لعامله على أصبهان: قد وليتك بلدة حجرها الكحل، وذبانها النحل، وحشيشها الزعفران.

استطاب إسماعيل بن أحمد نيسابور فقال: نعم البلد لولا، قيل: كيف؟ قال: كان ينبغي أن تكون مياهها التي في باطنها على ظاهرها، ومشايخها الذين على ظاهرها في باطنها.

يزعم أهل فارس أن إبراهيم ﵇ كان من أهل إصطخر، من

قرية تسمى أندران، سميت لأنه رمي به في النار ثمة، وقالوا: له فيها مسجد أرضه صخرة واحدة صماء، وفي الصخرة أثر ركبتيه وكفيه وأصابعه، وأن الناس يعظمونه، ويقصدونه من البلاد البعيدة، وتصلّي فيه صلاة العيد؛ وعلى رأس فرسخ منه تل عظيم، طوله فرسخ، قد لبد أعلاه وصلب، فإذا كشط عنه فهو رماد أبيض لين كأنه منخول، يستشفى به؛ ويكذبون من زعم أنه من أهل كوثى، وإنما خرج من فارس ونزل كوثي. وبأصطخر مسجد سليمان وكذلك بشيراز.

مما يحكى من بلاهة أهل طوس أنهم رفعوا إلى الرشيد قصة، يسألونه فيها أن يحول لهم مكة إلى بلدهم.

قال الحجاج للغضبان بن القبعثري كيف تركت أرض كرمان ؟ قال: ماؤها وشل، وسهلها جبل، ولصها بطل، وثمرها

دقل، إن كثر الجيش بها جاعوا، وإن قلوا ضاعوا.

الصين موصوفة بالصناعات الدقيقة، والتصاوير العجيبة، يفصل مصورهم بين ضحك الشامت والخجل والهازىء والمسرور.

يقولون: أهل الدنيا كلهم عمي إلا أهل بابل فإنهم عور.

«تبت بناها تبع وسماها باسمه فلكنته الترك، ويقال: من أقام بقصبتها إعتراه سرور ما يدري سببه، ولا يزال متبسما ضاحكا حتى يخرج.

في نهاوند واعتدال هوائها:

نزلت عن برد أرضزادها البرد عذابا
وعلت عن حرّ أخرىتلهب النار التهابا
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة
مزجت حرا ببردفصفا العيش وطابا
للشاعر ابن كناسة، اقرأ القصيدة

لم تزل مكة حرسها الله أمنا ولقاحا، قال حرب بن أمية:

أبا مطر هلمّ إلى صلاحأبا مطر هديت بخير عيش
فتأمن وسطهم وتعيش فيهموتأمن أن يزورك ربّ جيش
وتنزل بلدة عمرت لقاحافتكنفك الندامى من قريش

صلاح: علم لمكة. وكتب بعض الجبابرة إلى أهل مكة يطلب منهم الأتاوة. فكتب إليه عبد المطلب:

إنّا أناس لا ندين بأرضناعضّ الرسول ببظر أم المرسل

الإيوان من بغداد على مرحلة، بناه كسرى أبرويز في نيف وعشرين سنة، طوله مائة ذراع، في عرض خمسين، في سمك مائة من الآجر الكبار والجص، وثخن الأزج خمس آجرات، وطول الشرف

خمس عشرة ذراعا. ولما بنى المنصور بغداد أحب أن ينقضه، ويبني بنقضه؛ فاستشار خالد بن برمك فنهاه، وقال: هو آية الإسلام، من رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبي، وهو مصلى علي بن أبي طالب، والمؤونة في نقضه أكثر من الإرتفاق به. فقال: أبيت إلا ميلا إلى العجم؛ فهدمت ثلمة فبلغت النفقة عليها مالا كبيرا، فأمسك؛ فقال له خالد: أنا الآن أشير بهدمه لئلا يتحدث بعجزك عنه، فلم يفعل.

وتذاكر حذيفة وسلمان ﵄ أمر الدنيا، فكان من أعجب ما ذكرا أن أعرابيا من غامد كان يرعى حوله شويهات له، فإذا كان الليل آواها إلى سرير رخام في الإيوان كان يجلس عليه أبرويز.

قال البختري:

حضرت رحلي الهموم فوجّهت إلى أبيض المدائن عنسي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
وكأن الإيوان من عجب الصّنعة جون في جنب أرعن مرسي
لم يعبه أن بزّ من بسط الديباج واستلّ من ستور الدّمقس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي»
مشمخرا تعلو له شرفاترفعت في رؤوس رضوى وقدس
ليس يدري أصنع إنس لجنسكنوه أم صنع جن لإنس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»
غير أني أراه يشهد أن لميك بانيه في الملوك بنكس
للشاعر البحتري، من قصيدة «صُنْتُ نَفْسِي عَمّا يُدَنّس نفسي»

الأوائل من الأمم لما علموا من جهة النجوم أن آفة سماوية تصيبهم وهي الطوفان بنوا في صعيد مصر أهراما بالحجارة، على رؤوس الجبال والمواضع المرتفعة، ليحترزوا بها، وجعلوا الهرمين أرفع منها كلها؛ وهما على فرسخين من الفسطاط، كل واحد أربعمائة ذراع طولا، في أربعمائة ذراع عرضا، والأساس زائد على جريب، مبني بحجارة المرمر والرخام، غلظ كل حجر عشرة أذرع إلى ثمان، مهندم لا يستبين هندامه إلا لحادّ البصر، وحجارتها منقولة من مسافة أربعين فرسخا، من موضع يعرف بذات الحمام فوق الإسكندرية، ولا يزالان ينخرطان في الهواء صنوبريا حتى ترجع ذروتهما إلى مقدار خمسة أشبار في خمسة، وشكلهما التربيع، وليس على وجه الأرض بناء أرفع منهما، منقور فيهما بالمسند كل سحر وطب وطلسم، وفيه إني بنيتهما، فمن ادعى قوة في ملكه فليهدمهما، فإذا خراج الدنيا لا يفي بهدمهما، وكان يجمع يوسف ﵇ فيهما الطعام. وقالوا: لا يعرف من بناهما. قال المتنبي»

تتخلف الآثار عن أصحابهاحينا ويدركها الفناء فتتبع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»
أين الذي الهرمان من بنيانهما قومه ما يومه ما المصرع
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحزن يقلق والتجمل يردع»

وسمّى البحتري بانيهما فقال:

ولا كسنان بن المشلّل عندمابني هرميها من حجارة لابها
للشاعر البحتري، من قصيدة «معاد من الأيام تعذيبنا بها»

منارة الإسكندرية مبينة على قناطر من زجاج، والقناطر على ظهر سرطان من نحاس في بطن أرض البحر، وطولها أربعمائة وخمسون ذراعا، وهي غاية ما يمكن رفعه في الهواء، وفيها ثلاثمائة وخمسون بيتا، وكانت في أعلاها مرآة كبيرة يرى فيها الناظر قسطنطينية، وبينهما عرض البحر. وكلما جهز ملك الروم جيشا أبصر فيها، فوجه ملك الروم إلى بعض الخلفاء أن في الثلث الأعلى منها كنوزا لذي القرنين فهدموه، فلم يجدوا شيئا، وعلم أنها حيلة في إبطال الطلسم في المرآة.

الرها: بلد من عمل حران، نسبت إليه كنيسة الرها،

وهي متخذة على رؤوس أربعة أعمدة من رخام، بطيقان معقودة بينها، وفيها العجائب من التزاويق، والتصاوير، والطلسمات، والقناديل التي تشتعل من غير إشعال.

مسجد دمشق بناء المروانية، كان كل خليفة يزيد فيه زيادة، حتى تناهى حسنه، وعدم نظيره، وهو منقش الحيطان والسقوف، والأعمدة مرصعة كلها بالجواهر مذهبة، قال بعض شيوخها: لم يفتني منذ عقلت فيه صلاة، ولم أدخله إلا وقعت عيني من محاسنه على شيء لم تقع عليه قبل.

سمع خالد بن عبد الله القسري قول رجل من موالي الأنصار:

ليتني في المؤذنين نهاريإنهم يبصرون من في السطوح
فيشيرون أو تشير إليهمبالهوى كل ذات دلّ مليح

فأمر بحط المنار. ففيه يقول الفرزدق:

بنى بيعة فيها الصليب لأمهويهدم من كفر منار المساجد

جرير بن حازم الجهضمي:

عمرت فأحسنت العمارة فاغتنمعمارة دار الحق في غابر العمر

في الحديث: أن جبرائيل صلوات الله عليه ذكر مدينة يقال لها فاخرة، وهي بالفارسية بخارى، فقال رسول الله ﷺ: لم سميت فاخرة؟ قال: لأنها تفخر على المدائن يوم القيامة بكثرة الشهداء، ثم قال: اللهم بارك في فاخرة، وطهر قلوبهم بالتقوى، واجعلهم رحماء على أمتي. فيقال: ليس أحد أرحم على الغرباء منهم.

الحسن قال: ما فعل الجناحان؟ قيل: وما هما؟ قال:

سمرقند وخوارزم، هما جناحا الإسلام، وما داما حصن الإسلام.

كتب الحجّاج إلى قتيبة بالعود إلى خوارزم، فقال: إنها شديدة الكلب، قليلة السلب.

أنشد الفراء:

يقولون إن الشام يقتل أهلهفمن لي وإن لم آته بخلود
تغرب آبائي فهلّا صراهممن الموت أن لم يشتموا وجدودي

النابغة:

وقد أعددت للحدثان عقلالو أنّ المرء تنفعه العقول

يريد الحصون.

رأى حكيم مدينة حصينة بسور محكم فقال: هذا موضع النساء، لا موضع الرجال.

سأل عثمان ﵁ بعض من وفد عليه عن حصن بناحية هراة فقال:

محلقة دون السماء كأنهاغمامة صيف زلّ عنها سحابها
للشاعر كعب بن معدان الأشقري، اقرأ القصيدة
فما تبلغ الأروى شماريخها العلىولا الطير إلا نسرها وعقابها
وما خوفت بالذئب ولدان أهلهاولا نبحت إلا النجوم كلابها
للشاعر كعب بن معدان الأشقري، اقرأ القصيدة
أرى الناس يبنون الحصون وإنمابقية آجال الرجال حصونها

أبو عبيدة: أحبت العرب أن تشارك العجم في البنيان، وتنفرد بالشعر، فبنوا غمدان، وكعبة نجران، وحصن

مارد، والأبلق الفرد.

عن عمر ﵁: لا تستقيم إمارة للعرب ما دام فيها غمدانها.

المنذر بن ماء السماء: حصون العرب الخيل والسلاح.

قال رسول الله ﷺ لعلي: يا أبا الحسن لا تسكن الرستاق فإنها حظيرة من حظائر جهنم، صبيها عارم، وشابها شاطر، وشيخها

جاهل، والمؤمن عندهم كجيفة الحمار.

النبي ﷺ: سكان الكفور كسكان القبور.

علي ﵁: واسكن الأمصار العظام، فأنها جماع المسلمين، واحذر منازل الغفلة والجفاء، وقلة الأعوان على طاعة الله، وإياكم ومقاعد الأسواق، فإنها محاضر الشيطان، ومعاريض الفتن.

فرقد السبخي: لم يبعث نبي قط من مصر من الأمصار، وإنما بعثوا من القرى، لأن أهل الأمصار أهل السواد والريف، وأهل القرى أرق.

أبو تمام:

لم آتها من أي وجه جئتهاإلّا حسبت بيوتها أجداثا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قف بالطلول الدارسات علاثا»
بلد الفلاحة لو أتاها جرولأعني الحطيئة لا غتدى حرّاثا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قف بالطلول الدارسات علاثا»
تصدى بها الأذهان بعد صقالهاوترد ذكران العقول إناثا

مكتوب في الإنجيل: الحجر الواحد في الحائط من الحرام عربون الخراب.

أبو عمرو بن العلاء: بنيت سيلحون مدينة باليمن في

ثمانين سنة على أيدي الملوك، وبراقش ومعين بناهما العامة بغسالات أيديهم، فلا يرى لسيلحون أثر ولا عيثر، وهما قائمتان سالمتان. قال عمرو بن معدي كرب:

دعانا من براقش أو معينفأسمع واتلأبّ بنا مليع

وهب: وجدت في كتب الأنبياء: من استغنى بأموال الفقراء جعلت عاقبته الفقر، وأي دار بنيت بالضعفاء جعلت عاقبتها الخراب.

جحظة:

لقد أصبحت في بلد خسيسأمصّ به ثماد الرزق مصّا
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
رأيت المجد إحسانا وجودافصار المجد آجرا وجصّا
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة

رأى الحسن قصر الحجاج بواسط فقال: يعمد أحدهم إلى قصر يشيده، وقد حف به ذبان طمع، وفراش نار، فيقول انظروا! قد نظرنا يا أفسق الفاسقين، أما أهل الدنيا فغروك، وأما أهل الآخرة فمقتوك.

إزدحم الناس على درجة الحسن فتحركت، وكانت رثة، فصاح بهم ابنه، فقال الحسن: مه! ثم قال: لولا أن حان من الدنيا ارتحال، وإلى الآخرة انتقال، لجددنا لكم البناء، شوقا إلى لقائكم، وحبا لحديثكم، وما على الدرجة نشفق لكن عليكم، فأربعوا على أنفسكم.

عن مالك بن دينار أنه حضر رجلا يبني دارا، وهو يعطي الأجراء الدراهم، فمد يده فأعطاه درهما، فطرحه في الطين، فتعجب الرجل وقال: كيف طرحت الدرهم في الطين؟ فقال مالك: أعجب منه أنك طرحت كل دراهمك في الطين، يعني ضيعتها في البناء.

قتادة، من منع زكاة ماله سلط الله عليه الطين.

علي ﵁: عاد العلاء بن زياد الحارثي فرأى سعة داره فقال: ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنت أحوج، وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة: تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد

بلغت بها الآخرة.

سئل النخعي عن البناء فقال: وزر ولا أجر، فقيل: بناء لا بد منه، فقال: لا أجر ولا وزر.

سلمة الأحمر: دخلت قصر الرشيد فقلت:

أما بيوتك في الدنيا فواسعةفليت قبرك بعد الموت يتسع
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أما بيوتك في الدنيا فواسعة»

فجعل هارون يبكي.

مر الحسن بقصر فقال: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لأوس، فقال: على ودّ أوس أن له في الآخرة بدله رغيفا.

كان نوح ﵇ في بيت من شعر ألفا وأربعمائة سنة، فكلما قيل له: يا رسول الله لو اتخذت بيتا من طين تأوي إليه، قال: أنا ميت غدا فتاركه، فلم يزل فيه حتى فارق الدنيا.

عمر ﵁: لي على كل خائن أمينان: الماء والطين. أي إذا شرع العامل في إنباط العيون وبناء الدور علمت أنه جمع المال واحتجنه.

قال رجل للحسن: بنيت دارا أحب أن تدخلها وتدعو الله، فدخلها فنظر إليها ثم قال: أخربت دارك، وعمرت دار غيرك، غرك من في الأرض، ومقتك من في السماء.

مر الحسن بدار بعض المهالبة فقال: رفع الطين، ووضع الدين.

كان لشقيق خصّ يكون هو ودابته فيه، فإذا غزا نقضه، وإذا رجع بناه.

حدث الأصمعي الرشيد أنه كان بالبصرة فتى له كوخ من قصب، كان يغشاه الفتيان، فإذا أطربهم سمره، قال بعضهم: غدا علي ألف آجرة، والآخر: علي الجص، والثالث: علي أجرة البناء، فيصير كوخه قصرا من ساعته؛ ثم يصبح فلا يرى شيئا؛ فقال:

إذا ما طابت الأسمار قالواغدا نبني بآجرّ وجصّ
وكيف يشيّد البنيان قوميزجون الشتاء بغير قمص

فاستضحك الرشيد وقال: يا أبا سعيد لكنا نبني لك قصرا لا تخاف فيه ما خاف الفتى، ثم أمر له بألفي دينار.

قال الحجاج لإسماعيل بن الأشعث، وكان محمقا، كيف ترى قصري؟ قال: أرى قصرا استعظم المؤونة على من أراد هدمه.

أنشد الجاحظ:

كأن قصور القوم ينظرن حولهإلى ملك موف على منبر الملك
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
يدل عليها مستطيرا بحسنهويضحك منها وهي مطرقة تبكي

أبو هريرة عنه ﵊: بئس بيت الرجل المسلم بيت العروس، يذكر الدنيا وينسى الآخرة.

دار أصلها في التخوم، وفرعها في النجوم.

قيل لأعرابية: أين منزلك؟ قالت: أغيب في الليل إذا عسعس، وأنقلب في النهار إذا تنفس، ثم اتخذت منزلا فسئلت عنه، فقالت:

فأما على كسلان وان فساعةوأما على ذي حاجة فقريب

محمد بن واسع: قدمت مكة فسمعت سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ: من دخل السوق فقال لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة. فقدمت خراسان فقلت لقتيبة بن مسلم: جئتك بهدية، فحدثته بالحديث، فكان يركب في موكبه حتى يأتي السوق، فيقولها ثم ينصرف.

النبي ﷺ: إياكم والأسواق، فإن الشيطان قد باض بها وفرخ.

وقيل للشعبي: أين فرخ إبليس؟ قال: في الأسواق، قيل: وكيف؟ قال: لأن في الأسواق ما يسره من البخس، والتطفيف، والغش، والخيانة، والمدح، والذم بغير حق، وخلف الوعد، ومطل الحقوق، والتعاون على الأباطيل.

سوق العروس ببغداد مجمع الطرائف، ولذلك نسبت إلى

العروس، لاحتفال الناس في تجهيزها. وكان بو بكر الخوارزمي إذا وصف جارية قال: كأنها سوق العروس. وكأنها العافية في البدن، وكأنها مائة ألف دينار.

النبي ﵌: سأله رجل عن الأشراط، فقال: تقارب الأسواق، قال: ما معنى تقارب الأسواق؟ قال: أن يشكو الناس بعضهم إلى بعض قلة إصابتهم.

قالوا: لذة الدنيا في الغناء، والزناء، والبناء.

أبو هريرة يرفعه: نعم البيت الحمّام يدخله الرجل المسلم، لأنه إذا دخله سأل الله الجنة، واستعاذ من النار.

الحسن بن علي. كانوا يستحبون إذا خرجوا من الحمام أن تتبين آثاره عليهم.

أبو موسى الأشعري، رفعه: أول من دخل الحمّام ووضعت له النورة سليمان ﵇، ولما وجد حرها قال: أوه أوه من عذاب الله، أوه أوه قبل أن لا تنفع أوه أوه.

عمر ﵁: نعم البيت الحمّام، يذهب بالدرن، ويذكّر بالنار.

علي ﵁: بئس البيت الحمّام، يبدي العورة، ويذهب بالحياء.

حمام منجاب بالبصرة، كانت إليه وجوه الناس

لطيبه، وكان فيها حمّام آخر يعرف بحمّام طيبة، فقال لها شاعر: ما الذي تجعلني لي إن حولت وجوه الناس إلى حمامك؟ قالت: ألف درهم.

فقال:

حمّام طيبة لا حمام منجابحمّام طيبة سخن واسع الباب

فأقبل الناس إليه.

وصف لرجل حمّام بالطيب، فقال: ما قامت النساء عن حمّام أطيب من حمّام أصحاب الحناء.

بدوي دخل حمّاما فاستطابه، فقال لصاجبه:

إن حمّامك هذاغير مذموم الجوار
ما رأينا قبل هذاجنة في وسط نار

كان ابن قريعة القاضي في مجلس الوزير المهلبي، فنوول رقعة فيها: ما يقول القاضي في رجل دخل الحمّام، وجلس في الأبزن، فخرجت منه ريح، فتحول الماء زيتا. فتخاصم هو والحمّامي، وادعى كل واحد أنه يستحق الزيت كله. فكتب: قرأت هذه الفتيا الطريفة، في هذه القصة السخيفة، وأخلق بها أن تكون عبثا باطلا،

وكذبا ماحلا، وإن كان كذلك فهو من أعاجيب الزمان، وبدايع الحدثان، فالجواب وبالله التوفيق: أن للضارب نصف الزيت بحق وجعائه، وللحمامي نصف الزيت بقسط مائه، وعليهما أن يصدقا المبتاع منهما عن خبث أصله، وقبح فصله، حتى يستعمله في مسرجته، ولا يدخله في أغذيته؛ والله أعلم بالصواب.

الحسن: الأسواق موائد الله في الأرض، من أتاها أصاب منها.

بني الحجاج قصره، فقال له رستم الدهقان: أيها الأمير أكسه وحلّه، أراد التجصيص والنقش.

أعرابي: ارتحلت عنه ربات الخدور، وأقامت به رواحل القدور.

كان يزيد بن عبد الملك يطوف في المواضع التي كانت فيها حبابة فتمثلت له وصيفة:

كفى حزنا بالهائم الصبّ أن يرىمنازل من يهوى معطلة قفرا
للشاعر الجيلالي السباعي، اقرأ القصيدة

آخر:

وكلّ سلامة تعد المناياوكلّ عمارة تعد الخرابا
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «أذل الحرص والطمع الرقابا»

آخر:

منازل ألّاف أتى الدهر دونهاوما الدهر والالّاف إلّا كذلك

ابن الرقاع:

فابكي إذا بكت المنازل أهلهامعذورة وظلمت إن لم تفعلي
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «شطت بجارتك النوى فتحمل»
أهلا كراما لن يحلك مثلهمفي ذا الزمان ولا الزمان المقبل

محمد بن عبد الله النميري:

غشي المنازل بالسليل فهاجهربع تبدلّ غيره أحبابه
ولقد تراه للقتول وأهلهاجارا تمس بيوتهم أطنابه

قال غلام رفيع الأسدي:

ليت الديار التي تبقى فتحزنناكانت تبين إذا ما أهلها بانوا
ينأون عنا ولا تنأى مودتهمفالقلب فيهم رهين حيث ما كانوا

فقال مولاه: والله إني لأستحي أن أقول شعرا بعد هذا.

دخل رجل على الحجاج فقال ما عندك؟ قال: علم ألسنة الطير، فإذا هامتان تجاوبتا؛ فقال: ما تقولان؟ قال: تخطب إحداهما بنت الأخرى، فتقول لها لا أزوجك إلا بأربع مئة قصر منيف؛ قال: أين تجد ذلك؟ قال: ما دام مثلك حيا لا نعدمه؛ قال: كيف؟ قال: إنك تقتل الخيار وتعطل الديار.

أعرابي:

ألم تعلما أن المصلّى مكانهوبطن العيقيق ذا الظلال وذا البرد
وأن به لو تعلمان أصائلاوليلا رقيقا مثل حاشية البرد

لكثير:

لعمرك إن الجزع أمسى ترابهمن الطيب كافورا وعيدانه رندا
وأصبح ماء الشعب خمرا وأصبحتجلاميده مسكا وأوراقه وردا
وما ذاك إلا أن مشت في عراصهعزيزة في سرب وجرّت به بردا

محمّق إلى أبيه: كتابي هذا ولم يحدث علينا بعدك إلا خير والحمد لله، إلا أن حائطنا وقع فقتل أمي وأختي وجاريتنا، ونجوت أنا والحمار والسنّور، فعلت إن شاء.

أعرابي: لا تجف أرضا فيها قوابلك، ولا تنأ بلدا فيه قبائلك. بلد فيه قوابلي وقبائلي.

ابن عباس: لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم لما اشتكى عبد الرزق.

عمر: عمر الله البلدان بحب الأوطان.

كما أن لحاضنتك حق لبنها، فلأرضك حرمة وطنها.

العرب: حماك أحمى لك، وأهلك أحفى بك.

[شاعر]:

وكنا ألفناها ولم تك مألفاوقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
كما تؤلف الأرض التي لم يطب بهاهواء ولا ماء ولكنها وطن

أعرابي: رملة حضنتني أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها.

كانت العرب إذا سافرت حملت معها من تربة أرضها ما تستنشق ريحه، وتستسفه، وتطرحه في الماء إذا شربته.

وأنشد لرجل من بني ضبة:

نسير على علم بكنه مسيرناوغفّة زاد في بطون المزاود
ولا بد في أسفارنا من قبيضةمن الترب ننشاها لحب الموالد

الهند: حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك، إذ كان غذاؤك منها وغذاؤهما منه.

الفرس: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة، كما تغرس الولادة في القلب رقة.

ميلك إلى مولدك من كرم محتدك.

أيمن بن خريم لما أجلى ابن الزبير بني أمية عن المدينة:

كأنّ بني أمية حين راحواوعري من منازلهم صرار
شماريخ الجبال إذا تردّتبزينتها وجادتها القطار
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

لولا حب الوطن لخرب بلد السوء.

قيل في بني عمير الليثي»

من كنانة، ودارهم بالبصرة بالقرب من الجامع، وهي مذكورة:

بنو عمير مجدهم دارهموكلّ قوم لهم مجد
كأنهم فقع بدويةليس لهم قبل ولا بعد

ابن عمر: كان رسول الله ﷺ قليل الخطوات في السوق، وكان يقول إذا خطا فيها: اللهم إني أعوذ بك من شر السوق، وأعوذ بك من الفسوق، وأعوذ بك من كل صفقة خاسرة، ومن كل يمين كاذبة.

قال رجل: لا يكون البنيان قرية حتى ينبح فيها كلب ويصقع ديك: فقال آخر: بل لا تكون قرية حتى يكون فيها حائك ومعلم، فقال له: ويحك إذا صارت إلى هذا فهي مدينة.

ابن الزبير: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم.

كان الحسن يقعد عند المنارة العتيقة في آخر المسجد.

ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ: ليلة أسري بي إلى السماء

رأيت في السماء الرابعة قصرا مزخرفا، حواليه قناديل من نور، فقلت: يا جبرائيل ما هذا القصر المزخرف؟ قال: يا محمد هذا رباط تستفتحه أمتك بأرض خراسان حول جيحون؛ قلت: يا جبرائيل وما جيحون؟ قال:

نهر يكون بأرض خراسان، من مات حول ذلك النهر على فراشه قام يوم القيامة شهيدا من قبره، قلت: يا جبرائيل ولم ذاك؟ قال: يكون لهم عدو يقال لهم الترك، شديد كلبهم، قليل سلبهم، من وقع في قلبه فزعة منهم قام يوم القيام شهيدا من قبره مع الشهداء.

أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: طوبى لمن بات ليلة في خوارزم. وطوبى لمن وقع عليه غبار خوارزم، وطوبى لمن صلى ركعتين في خوارزم.

عن الحسن: مدينة بالمشرق يقال لها خوارزم، على شاطىء نهر يقال له جيحون، ملعون الجانبين، ألا وإن تلك المدينة محفوفة مكفوفة بالملائكة، تهدي إلى الجنة العروس إلى بيت زوجها، يبعث الله من مقبرتها مائة ألف شهيد، كل شهيد منهم يعدل شهيد بدر.

وعن مكحول: مدينة بخراسان يقال لها خوارزم، ما داموا كفارا فالمسلمون منهم في شدة وتعب، فإذا أسلموا كانوا جناحا من أجنحة المسلمين، وترسا من ترستهم.

وقيل لسفيان بن عيينة: يا أبا محمد ما تقول في الرباط وراء جيحون؟ فقال: لأن أنام على الفراش وراء جيحون، يعني أنوي به

الرباط، أحب إلي من الطواف بهذا البيت من السنة إلى السنة صائما قائما، ومن ألف حجة متتابعة.

وعن ابن عمر: أنه سأل رجلا من أهل خوارزم عن بلاده، فوصف له أن الرجل منا يغسل وجهه، فيصير الماء على وجهه ثلجا، فقال: بشّر تلك الوجوه بالجنة.

وقد عدد ابن سمقة الكاتب فضائلها فقال: ولخوارزم فضائل لا يوجد مثلها في سائر الأقطار وخصال محمودة لا تتفق في غيرها من الأمصار؛ هي ثغر من ثغور الإسلام، قد اكتنفها أهل الشرك، وأطافت بها قبائل الترك، فغزو أهلها معهم دائم، والقتال فيما بينهم قائم، قد أخلصوا في ذلك بيانهم، وأمحضوا فيه طوياتهم، وقد تكفل الله بنصرهم في عامة الأوقات، ومنحهم الغلبة في كافة الوقعات، ثم حصنها الله بجيحون، بواد عسير المعبر بعيد المسالك، غزير الماء كثير المهالك، فلا يتوغلها متوغل إلا خاطر بمهجته، ولا يسلك منافذها سالك إلا كان على يأس من سلامته؛ وأهلها أهل بسالة، وقلوب جرية، ونفوس أبية؛ قد فشا عنهم ذلك فجبن العدو عن مكافحتهم، وفشل عن مناوشتهم، وفيهم الرمي بالنشاب لا تخطئهم إصابة، ولا تكاد تسقط لأحد منهم نشابة، مع استقلالهم بأنواع السلاح، من السيوف والرماح؛ ولهم السداد والديانة، وعندهم الوفاء والأمانة، وضمائرهم نقية طاهرة، ورغباتهم في أصناف الخير ظاهرة، ودينهم؟؟؟ الأخيار، ومقت الأشرار، والإحسان إلى الغرباء، والتعطف على الضعفاء؛ وخصائص أخر لا يستقصى ولا تعد ولا تحصى؛ ومما اختصت به أنواع الرقيق الروقة والخيل الهماليج

الفرهة، وضروب الضواري من البزاة والصقور، وأجناس الوبر وألوان الثياب، وثمارها أطيب الثمار وأشهاها، وألذها وأحلاها، وأمرأها وأنماها في الأبدان؛ وهواؤها أصح هواء، وماؤها أعذب ماء، لأنه يجري من عيون عذبة، على ترب طيبة، وناهيك ببطيخها الذي لا يوجد مثله إلا في الجنة.

ولقد أحسن ابن سمقة، في جميع ما نمقه، ولكنه أخل برأس فضائلها، وهو ما رزقته من المذهب السديد، مذهب أهل العدل والتوحيد، مع الباطشين فيه بقوة السواعد، الرامين عنه بالنبل الصوارد، والشاقين في دقايقه الشعر، المطيرين عن نخر أعدائه النعر، وذلك في كل زمان، وخاصة في زماننا هذا، فقد أزهر فيها ما شاء من السرج، وأطال فيها ألسنة الحجج.

عبد الله بن عمر، يرفعه: ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمّامات، فلا يدخلها الرجال إلا بالأزر، وامنعوها النساء، إلّا مريضة أو نفساء.

دخل نسوة من الشام على عائشة فقالت: ممن أنتن؟ قلن:

من الشام، قالت: لعلكن من الكورة التي تدخل نساؤها الحمّامات؟

قلن: نعم، قالت: أما أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من إمرأة

تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله.

من كلام حنيف الحناتم المضروب به المثل في الأبالة:

من قلظ الشرف، وتربع الحزن، وتشتى الصمان، فقد أصاب المرعى.

ورد بن ورد:

وإن القليب الفرد من أيمن الغضاليحلو لناء ذكره ويطيب
تفوقت درات الصبا في ظلالهإلى أن أتاني بالفطام مشيب

وله:

ألا أيها الصمد الذي كنت مرةنحلّك سقّيت الأهاضيب من صمد
ومن وطن لم تسكن النفس بعدهإلى وطن في قرب عهد وفي بعد
ومنزلتي بلحاء من بطن واسطومن ذي السليل كيف حالكما بعدي
تتابعت الأنواء سحا عليكماأما لكما بالمالكية من عهد

قبيصة بن عمرو المهلبي في البصرة:

لأحسن من بطن الرصافة منزلاوميدانها فالكرخ فالدّور فالجسر
ربائع لا يبلسن والريح ريدةقياما ولا يطبعن للوابل الهمر
إذا ما كساهنّ الربيع رياطهتأرجن مسكا أو تضاحكن عن درّ

أخو يزيد بن خذاق:

أبى القلب أن يأتي السدير وأهلهوإن قلّ عيش بالسدير غرير
للشاعر سَلامَة بن جَندَل، اقرأ القصيدة
به البقّ والحمّى وأسد خفيةوعمرو بن هند يعتدي ويجور
للشاعر سويد بن خذاق العبدي، اقرأ القصيدة

أنوشروان: لا تنزل ببلد ليس فيه خمسة: سلطان قاهر، وقاض عادل، وسوق قائمة، وطبيب عالم، ونهر جار.

مرو: أسسها أفراسياب، وبنى بعضها كيخسرو وأتمها الإسكندر، وسمرقند أسسها كيكاوس بن قباذ وفرغ منها ابنه سياوخش.

نسا: بناها فيروز بن يزدجرد وكان يقال لها: شهران فيروز.

جابر، يرفعه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة تشرب عليها الخمر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمّام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمّام.

الحزم ترك الحمّام إذ لا تخلو من عورة مكشوفة ولا سيما من تحت السرّة إلى العانة.

وعن بشر بن الحارث: ما أعنف رجلا لا يملك إلا درهما دفعه ليخلى له الحمّام.

ورؤي ابن عمر وجههه إلى الحائط، وقد عصب عينيه بعصابة.

وعن بعضهم: لا بأس بدخول الحمّام، ولكن بإزارين إزار للعورة، وإزار للرأس يتقنّع به؛ والسنة أن يرفع رجله اليسرى عند الدخول وأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الرجس النجس، الخبيث المخبث، الشيطان الرجيم.

وقالوا: يكره دخول الحمّام بين العشائين، وقريبا من المغرب. ويكره للرجل أن يعطي امرأته أجرة الحمّام فيكون معينا لها على المكروه.

أول قرية بنيت على وجه الأرض بعد الطوفان قرية بناها نوح ﵇ ومعه ثمانون نفسا حين خرج من السفينة فسميت ثمانين.

هفت هزار بيت بالبصرة مبني بأساطين الساج، بناه سياه رئيس أساورة يزدجرد وكان ختنه على ابنته، أسلم في أيام عمر ﵁، بالبصرة مع خاصته، وهم سبعة آلاف، فبناه وكان يطعمهم فيه بكرة وعشيا.

عمل الشياطين لسليمان مدينة من قوارير، كانت الريح تحملها إذا خرج إلى الغزو وفيها حشمه وأهل بيته، وكانت ألف ذراع في عشرة آلاف ذراع.

من أبنية الفرس الشيربهار، كانت سدنته يغلقون ألفا وأربع مائة باب كل عشية.

ونوبهار بلخ بناه أجداده خالد بن برمك، عارضوا به الكعبة، وكانوا يطوفون به، ويحجه أهل مملكتهم، ويلبس الحرير، وكان

بيتا عظيما، حوله أروقة، وثلاثمائة وستون مقصورة يسكنها خدامه وقوامه، وكان من يليه يسمى برمكا يعني والي مكة، وانتهت البرمكة إلى أبي خالد ابن برمك، فأسلم على يد عثمان ﵁، وسماه عبد الله.

عبد الله بن عمرو: مرّ بي رسول الله ﷺ وأنا وأمي نطين حائطا لنا، وروي: نعالج خصا لنا قد وهى، فقال: ما أرى الأمر إلا أعجل من ذاك.

أنس: رأى رسول الله ﷺ قبة مشرفة، فسأل عنها، فقيل:

لفلان الأنصاري، فجاء فسلم عليه، فأعرض عنه، فشكا ذلك إلى أصحابه فقالوا خرج فرأى قبتك، فهدمها حتى سواها بالأرض، فأخبر بذلك فقال: أما أن كل بناء وبال على صاحبه إلّا مالا إلّا مالا.

خالد بن عبد الله المهاجر الزهري:

أضحت منازلكم بمكة منكمقفرا وأصبحت المعالم خالية
لو كنت أملك رجعكم لرجعتكمقد كنتم زيني بها وجماليه

داود بن علي الكاتب:

ألم تقو منكم منى فالجمارفزمزم فالحجر الأسود
ولو فاز بالخلد حي إذالفاز به المصطفى أحمد

خالد الزبيدي:

أيا جبلي سنجار ما كنتما لنامقيظا ولا مشتى ولا متربّعا
للشاعر خالد الزبيدي اليمني، من قصيدة «أيا جبلي سنجار ما كنتما لنا»

فأجابه دثار النمري:

أيا جبلي سنجار هلا دققتمابركتيكما أنف الزبيدي أجمعا
للشاعر خالد الزبيدي اليمني، من قصيدة «أيا جبلي سنجار ما كنتما لنا»

عبد الله بن المقفع:

إن كنت لا تدّعي مجدا ومكرمةإلا بقصرك لم تنهض بأركان
سام الرجال بما تسمو الرجال بهتلك المكارم لا تشييد بنيان

عبد الله بن السمط:

حيّ نجدا ومن بأكناف نجدوالخيام التي بها طال عهدي
ليت شعري هل الخيام كما كن على العهد أم تغيرن بعدي

عبيد بن قرط الأسدي:

لعمري لقد حذرت قرطا وجارهولا ينفع التحذير من ليس يحذر
نهيتهما عن نورة أحرقتهماوحمّام سوء ماؤه يستسعر

ابن الرومي وقد أريد على بيع منزله:

ولي وطن آليت أن لا أبيعهوأن لا أرى غيري له الدهر مالكا
عهدت به شرخ الشباب ونعمةكنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعوذ بحقويك العزيزين أن أرى»
فقد ألفته النفس حتى كأنهلها جسد إن غاب غودرت هالكا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعوذ بحقويك العزيزين أن أرى»
وحبّب أوطان الرجال إليهممآرب قضّاها الشباب هنالكا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعوذ بحقويك العزيزين أن أرى»
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمعهود الصبا فيها فحنوا لذلكا
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أعوذ بحقويك العزيزين أن أرى»

- وله:

بلد صبحت به الشبيبة والصباولبست ثوب العيش وهو جديد

علي بن محمد الورزنيني صاحب الزنج، لما هرب من داره في اليوم الذي قتل فيه:

عليك سلام الله يا خير منزلخرجنا وخلّفناه غير ذميم
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
فإن تكن الأيام أحدثن فرقةفما أحد من ريبها بسليم

طلب المهدي من بكار بن رباح المدني منزله إلى جانب دار العجلة بأربعة آلاف دينار، فقال: ما كنت لأبيع جوار أمير المؤمنين بشيء؛ فأعطاه أربعة آلاف دينار، وترك له منزله.

إذا زاد البناء على ستة أذرع نادى مناد من السماء: يا أفسق الفاسقين أين تريد؟.

علي ﵁: ليس بلد بأحق بك من بلدك. خير البلاد ما حملك.

بنى رجل من عمال علي بناء فخما، فقال: أطلعت الورق رؤوسها، إن البنى لتصف لك الغنى.

بعضهم: ذهبت بأم الحسام وابنتها، وهي امرأتي، إلى بستان لي، فنظرت إلى صهريج فقعدت عليه، وأرسلت فيه رجليها،

وهو يطفح بالماء، والنخل يظلله، فقلت: ألا تطوفين معنا على النخل نجني ما طاب؟ قالت: هذا أعجب إلي؛ فدرنا ساعة، ثم انصرفنا، وهي تخضخض رجليها في الماء، وتحرك شفيتها، ودمعها يجري، وتقول:

أقول لأدنى صاحبيّ أسرّهوللعين دمع يحدر الكحل ساكبه
للشاعر زينب أم حسانة الضبية، اقرأ القصيدة
لعمري لنهي باللوى نازح العذىنقي النواحي غير طرق مشاربه
أحبّ إليّ من صهاريج ملئتللعب فلم تملح إليّ ملاعبه
فيا حبذا نجد وطيب ترابهإذا هضبته بالعشي هواضبه
للشاعر زينب أم حسانة الضبية، اقرأ القصيدة
وريح صبا نجد إذا ما تنسّمتضحى أو سرت جنح الظلام جوانبه
للشاعر زينب أم حسانة الضبية، اقرأ القصيدة
بأجرع ممراح كأن رياحهسحاب من الكافور والمسك شائبه

لما غزا اسفنديار بلاد الخزر اعتل بها، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: شمة من تربة بلخ، وشربة من ماء واديها.

واعتل سابور ذو الأكتاف بالروم، وكان أسيرا، فقالت له بنت الملك، وقد عشقته، ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة، وشميما

من تراب إصطخر، فأتته بعد أيام بماء وقبضة من تراب، وقالت: هذا من ماء دجلة، ومن تربة أرضك، فشرب واشتم بالوهم، فنقه من علته.

لما أشرف الإسكندر أوصى أن تحمل رمته في تابوت ذهب إلى بلد الروم، حبا لوطنه.

الجاحظ: رأيت المتفلسف من البرامكة إذا سافر أخذ معه من تربة مولده في جراب يتداوى به.

لما أدركت يوسف الوفاة أوصى بحمل رمته إلى مقابر آبائه؛ فمنع أهل مصر أولياءه، فلما بعث موسى وأهلك فرعون حملها إلى مقابرهم؛ فقبر يوسف علم بأرض بقرية تسمى حسامى.

في الحديث المرفوع: من سعادة العبد أن يقدر رزقه في بلده وحال سكونه، ومن شقاوته أن يجعل رزقه في غير بلده، أو في حال سياحة.

لما بنى السفاح مدينة الأنبار قال لعبد الله بن الحسن:

يا أبا محمد كيف ترى؟ فتمثل:

ألم تر حوشبا أمسى يبنيقصورا نفعها لبني بقيلة
يؤمّل أن يعمّر عمر نوحوأمر الله يطرق كلّ ليلة

ثم انتبه فقال: أقلني فما اعتمدت سوءا ولكن خطر ببالي؛ فقال: لا أقالني الله إن بت في عسكري. وأخرجه إلى المدينة وتمثل بقوله: أريد حياته ويريد قتلي، وبقوله:

ما بال من أسعى لأجبر عظمهحفاظا وينوي من سفاهته كسري

وكلمه فيه المنصور فقال: والله لا يخنقه أحد سواه وهو يكلمني فيه.

شكا خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ ضيق منزله فقال:

إرفع البناء في السماء وسل الله السعة.

قال رسول الله ﷺ لرجل من أهل مكة: أتبيعني دارك أزيدها في مسجد الكعبة ببيت أضمنه لك في الجنة؟ فأبى، فأعاد عليه، فأبى، فبلغ عثمان ﵁ فلم يزل بالرجل حتى اشترى داره بعشرة آلاف دينار، وضمن له رسول الله ﷺ بيتا في الجنة.

أصابت الربيع بن زياد الحارثي نشابة في جبهته يوم فتحت مناذر، فكانت تنتقض عليه في كل سنة، فعاده علي ﵁ في داره، وهي أول دار خطت بالبصرة، فجال ببصرة فقال: ما كنت ترجو بهذا كله؟ وما هذا البناء يا ربيع؟ أما لو وسعت بها على نفسك في آخرتك، ثم قال: بلى أراها تزيدك من الله قربة، تصل فيها القريب وتقري فيها الضعيف، ويأتي إليك فيها الضنيك؛ قال: وما الضنيك يا أمير المؤمنين؟ قال: الفقير.

كان يقول جعفر بن أبي طالب لأبيه: با أبت أني لأستحي أن أطعم طعاما وجيراني لا يقدرون على مثله؛ فكان يقول له أبوه: إني لأرجو

أن يكون فيك خلف من عبد المطلب.

عن النبي ﷺ: أتى الشيطان العراق فقضى حاجته فيهم، ثم انصرف إلى الشام فطردوه، ثم أتى مصر فباض فيهم وفرخ ونشر عفريته.

عبد الله بن عمر: وادخلوا مصر فأصيبوا من خيرها، وأخرجوا منها إلى غيرها، ولا تغتسلوا بطينها، فإنه يميت القلب، ويذهب بالغيرة.

دخل عبد الله الرومي على أم طلق في بيتها، فإذا سمكه قصير كاد يصيب رأسه، فقال: ما أقصر سمك بيتك! قالت: أما علمت ما كتب عمر بن الخطاب؟ كتب: لا تطيلوا بنيانكم فإنه من شرار آثامكم.

عن بكر بن عبد الله المزني: أن يهوديا أسلم، وكان يقال له يوسف، وقد قرأ الكتب، فمر بدار مروان بن الحكم فقال: ويل لأمة محمد من هذه الدار، ثلاثا.

تشاجر رجلان في قصر، فأنطق الله لبنة من الزاوية فقالت:

إعلما أني كنت إنسانا مثلكما ألف سنة، ثم متّ فكنت رميما ألف سنة، ثم كنت حيا ثلاثمائة سنة، ثم كسرت فصرت ترابا، فضربت لبنة فوضعت في بناء هذا القصر منذ ثلاثمائة سنة، فحياء لكما بعدما سمعتما أن تشاجرا وتأخذا بتلابيبكما.

تزوج فقير غنية، فضاق صدرها لضيق بيته، فقال لها:

قومي، فقامت فلم يمس رأسها السقف، فقال لها: هبي أن سطحه يقرب السماء فما ينفعك إذا لم يمس رأسك؟ ثم قال لها: نامي، فنامت فلم تمس قدماها الجدار، فقال: هبي الجدار عند جبل قاف فما ينفعك بعد أن لم تمسه «قدماك؟ فقالت حسبي حسبي، رضيت.

قال المأمون لأبي عباد: يا ثابت بم تستدل على حمق الرجل؟ قال: إذا رأيته يبغض البطيخ الرمستي ويؤثر الشاهلوج عليه علمت أنه أحمق، والرستمي كذلك. فدخل الرستمي فقال له: ما تقول في البطيخ؟ قال: يفسد المعدة، ويلطخها ويرقها، ويرخي العصب، ويرفع البخار إلى الرأس، وتغثى [منه النفس]، قال: لم أسألك عن فعله، إنما سألتك أشهي هو مستلذ؟ قال: لا، قال: فما تقول في الشاهلوج؟ قال: ما قال فيه كسرى فإنه سمّاه سيد أجناسه، فالتفت المأمون إلى أبي عباد وقال: الرجل الذي كنا في حديثه من تلامذة كسرى في الرقاعة.

الباب العاشر الملائكة والانس والجن والشيطان وقبيله وما ناسب ذلك من ذكر الأنبياء والأمم من العرب والعجم

كانت الملائكة تصافح عمران بن الحصين وتعوده، ثم افتقدها، فقال: يا رسول الله إن رجالا كانوا يأتونني، لم أر أحسن وجوها ولا أطيب أرواحا منهم، ثم انقطعوا عني، فقال رسول الله ﷺ:

أصابك جرح فكنت تكتمه؟ فقال: أجل؛ ثم أظهرته؛ قال: كان ذاك، قال: أما لو أقمت على كتمانه لزارتك الملائكة إلى أن تموت. وكان ذلك جرحا أصابه في سبيل الله.

الحسن ووهب: الملائكة في زمن إدريس كانت تصافح الناس وتكلمهم، لصلاح أهل الزمان حتى كان زمن نوح فانقطع ذلك.

عرج بعمل إدريس ﵇ إلى السماء فغلب عمل جميع أهل

الأرض، فاستأذن ملك من الملائكة ربه في مؤاخاته فأذن له، فقال له إدريس: هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ فقال: نعم، ذاك أخي من بين الملائكة. والملائكة يتآخون كما تتآخى بنو آدم.

سعيد بن المسيب: الملائكة ﵈ ليسوا بذكور ولا إناث، ولا يتوالدون، ولا يأكلون ولا يشربون؛ والجن يتوالدون، وفيهم ذكور وإناث ويموتون. والشياطين ذكور وإناث، يتوالدون، ولا يموتون بل يخلدون في الدنيا كما خلد إبليس. إبليس هو أبو الجن.

وقيل: الملائكة خلقوا من الهواء، والشياطين من النار.

أبو ذر، رفعه: إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء وحق لها أن تئط، فما فيها موضع شبر إلا فيه ملك قائم أو راكع أو ساجد.

- وروي: ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك، واضع جبهته ساجد لله؛ والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله؛ والله لوددت أني كنت شجرة تعضد.

يزعم أهل الكتاب أن الله خلق حملة العرش، فجعل قرار أقدامهم على الأرض السابعة، ثم خرجوا في هواء ما بين ذلك، حتى خرجوا في هواء ما بين السماء والأرض، ثم في هواء ما بين السماوات السبع، ثم أصعدوا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله.

- وزعموا أنهم أربعة: ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة أسد، وملك في صورة نسر. وزعموا أن لكل منهم في جبهته أربعة أوجه: وجه رجل، ووجه ثور، ووجه أسد، ووجه نسر.

- وعن النبي ﷺ: فإذا كان يوم القيامة أيدّهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية. وقيل الذي في صورة رجل هو الذي يشفع لبني آدم في أرزاقهم والذي في صورة ثور هو الذي يشفع للبهائم في أرزاقها، والذي في صورة أسد هو الذي يشفع للسباع في أرزاقها، والذي في صورة نسر هو [الذي] يشفع للطير في أرزاقها.

عبد الرحمن بن سابط: يدبر أمر الدنيا أربعة: جبرائيل،

وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل؛ فأما جبرائيل فعلى الرياح والجنود، وأما ميكائيل فعلى النبات والقطر، وأما ملك الموت فعلى قبض الأنفس، وأما إسرافيل فينزل إليهم بما يأمرون.

أنس بن مالك: قيل لرسول الله ﷺ: يا نبي الله من هؤلاء الذين استثنى الله؛ فقال: جبرائيل وميكائيل وملك الموت؛ فيقول الله لملك الموت: يا ملك الموت من بقي؟ وهو أعلم، فيقول: سبحانك ربي ذا الجلال والإكرام بقي جبرائيل وميكائيل وملك الموت، فيقول: يا ملك الموت خذ نفس ميكائيل. فيأخذها، فيقع في صورته التي خلقه الله فيها مثل الطود العظيم؛ ثم يقول، وهو أعلم، يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربي ذا الجلال والإكرام، بقي جبرائيل وملك الموت، فيقول: يا ملك الموت مت، فيموت؛ فيبقى جبرائيل، وهو من الله بالمكان الذي ذكر لكم، فيقول الله: يا جبرائيل إنه لا بد أن يموت أحدنا، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه يقول: سبحانك ربي وبحمدك، أنت القائم الدائم الذي لا يموت، وجبرائيل الفاني الهالك الميت، فيأخذ الله روحه فيقع على ميكائيل. إن فضل خلقه على ميكائيل كفضل الطود العظيم على الظرب من الظراب.

في بعض الكتب: أن صنفا من الملائكة لهم ستة أجنحة:

فجناحان يلفون بها أجسادهم، وجناحان يطيرون بها في الأمر من أمور الله، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله.

علي ﵁: خلق سبحانه لاسكان سماواته، وعمارة الصفيح الأعلى من ملكوته، خلقا بديعا، ملأ بهم فروج فجاجها، وحشا

بهم فتوق أجوائها، وبين فجوات تلك الفروج زجل المسبحين منهم في حضائر القدس. وسترات الحجب، وسرادقات المجد، ووراء ذلك الرجيح الذي تستك منه الأسماع، سبحات نور تردع الأبصار عن بلوغها، فتقف خاسئة على حدودها؛ أنشأهم على صور مختلفات، وأقدار متفاوتات، أولي أجنحة تسبح جلال عزته، لا ينتحلون ما ظهر في الخلق من صنعه، ولا يدعون أنهم يخلقون شيئا معه مما انفرد به، بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، جعلهم فيما هناك أهل الأمانة على وحيه، وحملهم إلى المرسلين ودائع أمره ونهيه، وعصمهم من ريب الشبهات، فما منهم زائغ عن سبيل مرضاته، وأمدهم بفوائد المعونة، وأشعر قلوبهم تواضع أخبات السكينة، وفتح لهم أبوابا ذللا إلى تماجيده، ونصب لهم منارا واضحة على أعلام توحيده، لم تثقلهم موصرات الآثام، ولم ترتحلهم عقب الليالي والأيام، ولم ترم الشكوك بنوازعها عزيمة إيمانهم، ولن تعترك الظنون على معاقد يقينهم، ولا قدحت قادحة إلا حن فيما بينهم، ولا سلبتهم الحيرة ما لاق من معرفته بضمائرهم، وما سكن من عظمته وهيبة جلالته في أثناء صدورهم، ولم تطمع فيهم الوساوس فتقترع برينها على قلوبهم. منهم من هم في خلق الغمام الدلج، وفي عظم الجبال الشمخ، وفي قترة الظلام الأيهم؛ ومنهم من قد خرقت أقدامهم تحوم الأرض السفلى، فهي كرايات بيض قد نفذت في مخارق الهواء، وتحتها ريح هفافة تحبسها على حيث انتهت من الحدود المتناهية، قد استفرغتهم أشغال عبادته، ووصلت حقائق الإيمان بينهم وبين معرفته، وقطعهم الأيقان به إلى الوله إليه، ولم تجاوز رغباتهم ما عنده إلى ما عند غيره؛ قد ذاقوا حلاوة معرفته، وشربوا بالكأس الروية

من محبته، وتمكّنت من سويداء قلوبهم وشيجة خيفته، فحنوا بطول الطاعة اعتدال ظهورهم، ولم ينفد طول الرغبة إليه مادة تضرعهم، ولا أطلق عنهم عظيم الزلفة ربق خشوعهم، ولم يتولهم الإعجاب فيستكثروا ما سلف منهم، ولا تركت لهم استكانة الإجلال نصبا في تعظيم حسانتهم، ولم تجر الفترات فيهم على طول دؤوبهم، ولم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربهم، ولم تجف لطول المناجاة أسلات ألسنتهم، ولا ملكتهم الأشغال فتنقطع بهمس الجؤار إليه أصواتهم، ولم تختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم، ولم يثنوا إلى راحة التقصير في أمره رقابهم، لا تعدو على عزيمة جدهم بلادة الغفلات، ولا تنتضل في هممهم خدائع الشهوات، قد اتخذوا ذا العرش ذخيرة ليوم فاقتهم، ويمموه عند انقطاع الخلق إلى المخلوقين برغبتهم، لا يقطعون أمد غاية عبادته، ولا يرجع بهم الاستهتار بلزوم طاعته، إلا إلى مواد من قلوبهم غير منقطعة من رجائه ومخافته، لم تنقطع أسباب الشفقة منهم فينوا في جدهم، ولم تأسرهم الأطماع فيؤثروا وشيك السعي على اجتهادهم، ولم يستعظموا ما مضى من أعمالهم، ولو استعظموا ذلك لنسخ الرجاء منهم شفقات وجلهم، ولم يختلفوا في ربهم باستحواذ الشيطان عليهم، ولم يفرقهم سوء التقاطع، ولا تولاهم غل التحاسد، ولا تشعبتهم مصارف الريب، ولا اقتسمتهم أخياف الهمم، فهم أسراء إيمان لم يفكهم من ربقته زيغ ولا عدول، ولا وني ولا فتور، وليس في أطباق السماوات موضع أهاب إلا وعليه ملك ساجد، أو ساع حاقد، يزدادون على طول الطاعة بربهم علما، وتزداد عزة ربهم في قلوبهم عظما.

- وعنه كرم الله وجهه: فتق ما بين السماوات العلا، فملأهن أطوارا

من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه، وألسنة إلى رسله، ومختلفون بقضائه وأمره. ومنهم الحفظة لعباده، والسدنة لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون تحته بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة، ولا يتوهمون ربهم بالتصوير، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، لا يجدونه بأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر.

- وعنه كرم الله وجهه: أسكنتهم سماواتك، ورفعتهم عن أرضك، هم أعلم خلقك بك، وأخوفهم لك، وأقربهم منك، لم يسكنوا الأصلاب، ولم يضمنوا الأرحام ولم يخلقوا من ماء مهين، ولم يشتعبهم ريب المنون، وإنهم على مكانهم منك، ومنزلتهم عندك، واستجماع أهوائهم فيك، وكثرة طاعتهم لك، وقلة غفلتهم عن أمرك، لو عاينوا كنه ما خفي عليهم منك، لحقروا أعمالهم، ولأزروا على أنفسهم، ولعرفوا أنهم لم يعبدوك حقّ عبادتك، ولم يطعيوك حق طاعتك.

عابد: طرحنا الحشمة فيما بيننا وبين حفظتنا طرح من لا يؤمن أنهم معه يعلمون ما يقول وما يفعل.

ويروى لعمر بن الخطاب ﵁: وقيل لعمر بن عبد العزيز:

ومن الناس من يعيش شقياجيفة الليل غافل اليقظة
إن من كان ذاء حياء ودينراقب الله واتقى الحفظة
أنما الناس سائر وميقمفالذي سار للمقيم عظة

أبو العالية: الكردبيون سادة الملائكة، منهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل.

في الكروبي ثلاث مبالغات: الكروب أبلغ من القرب وأقصر مسافة، يقال كربت الشمس أن تغرب، بمعنى كادت، وفعول بناء مبالغة، وياء النسب التي في نحو الأحمري.

يقال لجبرائيل طاووس الملائكة.

شبث بن ربعي: قال لي المختار بن أبي عبيد: هل لك

أن أريك جبرائيل؟ فأدخلني بيتا في جوف بيت، فإذا أنا بشيخ على سرير قد سقط حاجباه على عينيه، فوثبت عليه، فجعلت أنتف لحيته، فصاح دقني دقني. والدقن بالنبطية اللحية.

بينا رسول الله ﷺ وجبرائيل يتحدثان، تغير وجه جبرائيل حتى عاد كأنه كركمة، وذلك من خشية الله.

- عنه ﵊: يطلع عليكم من هذا الفج خير ذي يمن عليه مسحة ملك يعني جرير بن عبد الله البجلي.

عن عبد الله بن مسعود أنه رأى رجالا من الزط فقال: هؤلاء أشبه من رأيت بالجن في ليلة الجن.

تقول الأعراب: ربما نزلنا بجمع كثير، ورأينا خياما وقبابا وناسا، ثم فقدناهم من ساعتنا، يعتقدون أنهم الجن، وأن تلك خيامهم وقبابهم.

ورأيت للأعاريب من الأعاجيب في باب الجن ما لا يوصف؛ ويقولون من الجن جنس صورته على نصف صورة الإنسان، واسمه شق، يعرض للمسافر إذا كان وحده فربما أهلكه. ويزعمون أن علقمة ابن صفوان لقيه، فتضاربا فخرا ميتين، وأن علقمة وحرب بن أمية من قتلى الجن. قالوا وقالت الجن:

وقبر حرب بمكان قفروليس قرب قبر حرب قبر

- قالوا: والدليل على أنه من شعر الجن أن أحدا لا يقدر أن ينشده ثلاث مرات متصلة من غير أن يتتعتع، ويقدر على تكرار أشق بيت من أبيات الإنس عشر مرات من غير تتعتع.

- وقالوا: قتلت الجن سعد بن عبادة بن دليم وسمعوا الهاتف يقول:

قتلنا سيد الخزرج سعد بن عباده
رميناه بسهمين فلم نخطىء فؤاده

- واستهووا عمرو بن عدي اللخمي الملك الذي يقال فيه: شب عمرو عن الطوق، ثم ردوه على جذيمة الأبرش بعد سنين.

- واستهووا عمارة بن الوليد بن المغيرة ونفخوا في إحليله فصار مع الوحش.

- وروا عن عبد الله بن فائد، يرفعه إلى النبي ﷺ خرافة رجل من عذرة استهوته الشياطين، وسمع من يقول: هذا حديث خرافة، فقال: لا وخرافة حق.

- ويزعمون أن الطاعون طعن من الشياطين، ويسمون الطاعون رماح الجن؛ قال الأسدي للحارث الغساني:

لعمرك ما خشيت على أبيّرماح بني مقيدة الحمار
ولكني خشيت على أبيرماح الجن أو إياك حار

إذا قالوا: جنة عبقر قصدوا بهذه النسبة زيادة الخبث والعرام.

قال حاتم الطائي:

عليهن فتيان كجنة عبقريهزون بالأيدي الوشيج المقوما

- ومن ثم قال بعض العرب: ظلمني فلان ظلما عبقريا. وقال: ظلم لعمر الله عبقري.

- وقال ﵇: فلم أر عبقريا يفري فريه.

يقال للشعراء كلاب الجن، قال عمرو بن كلثوم:

وقد هرت كلاب الجن مناوشذبنا قتادة من يلينا

وذلك لزعمهم أن الشياطين تلقي الشعر على أفواهم؛ وسموا الملقي تابعة ورئيا.

قال جرير:

إني ليلقى على الشعر مكتهلمن الشياطين إبليس الأباليس

سمعوا توابعهم بأعلام قالوا كان للأعشى مسحل، ولعمرو بن قطن جهنام وللفرزدق عمرو، ولبشار شنقناق.

يقال للخلعاء والمجان جند إبليس، قال:

وكنت فتى من جند إبليس فارتقتبي الحال حتى صار إبليس من جندي
للشاعر الخبز أرزي، من قصيدة «يقولون صف حرب الرعية والجند»

كان في زمن الحجاج رجل يعرف يعبد الله بن هلال مشعبذ، وكان يدعي أن إبليس يتراءى له ويطلعه على أسراره، فسمي بصديق إبليس، فقال الحجاج ليحيى بن سعيد بن العاص: أخبرني عبد الله بن هلال صديق إبليس أنك تشبه إبليس، فقال: وما ينكر الأمير أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجن!!! فعجب من قوة جوابه.

يقال للشعر رقى الشيطان، قال جرير في عمر بن عبد العزيز:

رأيت رقي الشيطان لا تستفزهوقد كان شيطاني من الجن راقيا

- وكذلك كل ما يتكلم به من كلمات الخلابة والتجميش، قال:

ماذا تظن بسلمى إذ يلم بهامرجّل الرأس ذو بردين وضاح
خز عمامته حلو فكاهتهفي كفه من رقى إبليس مفتاح

لما بلغ عبد الله بن الزبير خبر فتك عبد الملك بن مروان بعمرو ابن سعيد الأشدق قال في خطبته: «بلغنا أن أبا الذبان قتل لطيم الشيطان، وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون».

يقال لمن به لقوة لطيم الشيطان وكان عمرو ملقوا.

عن أبي عبيدة: قدمت على الفضل بن الربيع حين استوزر، فضحك إلي واستدناني، ثم سألني وألطف بي، واستنشدني، فأنشدته عيون أشعار جاهلية، فقال: قد عرفت أكثرها، وأريد من ملح الشعر؛ فأنشدته، فطرب لها، ثم دخل رجل في زي الكتّاب فأقعده إلى جانبي،

وقال له: أتعرفه؟ قال: لا، قال: هذا علّامة أهل البصرة أبو عبيدة، وأقدمناه لنستفيد من عمله، فشكر له الرجل، ودعا له، وقال: إني كنت مشتاقا إليك، وقد سئلت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرفكها؟ قلت:

هات، قال: قال الله تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ

وإنما يقع الوعد والإيعاد بما عرف. فقلت هو على كلام العرب، أما سمعت قول امرىء القيس:

أتقتلني والمشرفيّ مضاجعيومسنونة زرق كأنياب أغوال

وهم لم يروا الغول، ولكن لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به، فاستحسنه الفضل والرجل، واعتقدت منه أن أضع كتابا في نحو ذلك، فعملت فيه كتابي الذي سميته «كتاب المجاز».

يقال: أدركته أصابع الشيطان إذا تكبر بعد العمل، وقالوا:

من ولاه السلطان صبعه الشيطان، قال:

قد كنت أكرم صاحب وأبرّهحتى دهتك أصابع الشيطان
جذ الآله بنانها وأبانهاكم غيرت خلقا من الإنسان

أبو مرة، وأبو قترة وأبو الجن كنى إبليس، قال ابن الحجاج:

فما تلاقينا سوى مرةحتى أتى الشيخ أبو مرة

قالوا: الشيخ النجدي الذي ظهر إبليس على صورته، فأشار على قريش بأن يكونوا سيفا واحدا على النبي ﷺ كانت كنيته أبا مرة فكني به إبليس.

وقال الفرزدق:

ألا ربما أن تبت أوضع ناقتيأبو الجن إبليس بغير خطام

علي ﵁: اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكا، واتخذهم له أشراكا فباض وفرخ في صدورهم، ودرج في جحورهم، فنظر بأعينهم، ونطق بألسنتهم، فركب بهم الزلل، وزين لهم الخطل، فعل من قد شركه الشيطان في سلطانه، ونطق بالباطل على لسانه.

عمر بن عبد العزيز قال: إن رجلا سأل ربه أن يريه موقع الشيطان من قلب ابن آدم، فرأى فيما يرى النائم جسد رجل ممهى يرى داخله من خارجه، وأرى الشيطان في صورة ضفدع، له خرطوم كخرطوم

البعوضة، قد أدخله من منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه، فإذا ذكر الله خنس.

ممهى قلب مموه، مجعول ماء في رقته وشفيفه، وقيل مصفى أشبه المها وهو البلور.

علي بن الحسين: كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتته صفية فحدثته فلما انصرفت قام ﵊ يمشي معها، فمرّ به رجلان من الأنصار فسلما ثم مضيا، فدعاهما فقال: إن هذه صفية بنت حيي؛ قالا: يا رسول الله وهل نظن بك إلّا خيرا؟ قال: فأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وقد خشيت عليكما.

أبو هريرة يرفعه: ما من رجل يخرج من بيته إلا وعلى بابه رايتان: راية بيد ملك، وراية بيد شيطان، فأن خرج في طاعة الله تبعه الملك برايته حتى يرجع إلى بيته، وإن خرج فيما يكره الله تبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع.

بريدة: قال رسول الله ﷺ: ما يخرج رجل شيئا من الصدقة حتى يفك عنه لحيى سبعين شيطانا.

شرب أبو جندل الخمر بالشام فحبس عنه أبو عبيدة بن الجراح عطاءه؛ فكتب إليه عمر: أما بعد فإنني لا أخالك إلا وقد كنت عونا للشيطان على أخيك، فإذا أتاك كتابي هذا فرد عليه عطاءه. وكتب إلى أبي جندل: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ

ابن عباس: أتاه رجل فقال: نذرت أن أبيت على قعيقعان عريانا حتى أصبح، فقال ابن عباس: انظروا إلى هذا، أراد الشيطان أن يكشف عورته ثم يضحك منه هو وأصحابه، إنطلق فالبس ثيابك ثم صلّ عليه حتى تصبح.

قال رجل للفضل بن مروان: إن فلانا يقع فيك؛ قال:

لأغيظن من أمره، يغفر الله لي وله؛ قيل من أمره؟ قال: الشيطان.

مكحول: إن الرجل يعمل العمل في السر، فيطلبه الشيطان حتى يتحدث به، فيمحي من السر ويكتب في العلانية، ثم يطلبه الشيطان حتى يرائي به، فيمحي ويكتب عليه.

قوط الملائكة: صدع في صخرة عظيمة قرب آمد، تخرج

منه عين خوّارة.

القوط بلسانهم الفرج:

أبو يحيى كنية ملك الموت، ويقال: أصابت فلانا حراب أبي يحيى إذا احتضر؛ والحراب: مثل في مقدمات الموت.

ليس شيء مما له رجلان يلد حيوانا إلا الإنسان وحده.

علي ﵁ في وصف اختلاف الناس: إنما فرق بينهم مبادي طينهم، وذلك أنهم كانوا فلقة من سبخ أرض وعذبها، وحزونة تربة وسهلها، فهم حسب قرب أرضهم يتقاربون، وعلى قدر اختلافها يتفاوتون، قتام الرواء ناقص العقل مادّ القامة قصير الهمة، وزاكي العمل قبيح المنظر، وقريب القعر بعيد السبر، ومعروف الضريبة منكر الجليبة، وتائه القلب متفرق اللّب، وطليق اللسان حديد الجنان.

- وعنه كرم الله وجهه: جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها، وعذبها وسبخها، تربة سنها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالبلة حتى لزبت، فجعل منها صورة ذات أحناء ووصول، وأعضاء

وفصول، أجمدها حتى استمسكت، وأصلدها حتى صلصلت، لوقت معدود، وأجل معلوم، ثم نفخ فيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان يجيلها، وفكر يتصرف بها، وجوارح يختدمها، وأدوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل، وبين الأذواق والمشام، والألوان والأجناس، معجونا بطينته الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية، والأخلاط المتباينة، من الحر والبرد، والبلة والجمود، والمساءة والسرور.

- وعنه: تمور في بطن أمك جنينا، لا تحير دعاء، ولا تسمع نداء، ثم أخرجت من عقرك إلى دار لم تشهدها، ولم تعرف سبل منافعها، فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي أمك، وحرك عند الحاجة مواضع طلبك.

ابن إسحاق: يقال خلق الله آدم، ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاما قبل أن ينفخ فيه الروح، حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تسمه نار.

وعن ابن عباس وغيره: ثم أخذ ضلعا من أضلاعه، من شقه الأيسر، وآدم نائم لم يهبب من نومته حتى خلق منه حواء، فلما هب رآها إلى جانبه فقال: لحمي ودمي وزوجي فسكن إليها.

وعن رسول الله ﷺ: إنما خلقت المرأة من ضلع، فإذا ذهبت تقيمها كسرتها، وإن رفقت بها استمعت بها وفيها عوج.

وعن مجاهد: خلقت من قصيراه.

كان على عهد كسرى رجل يقول: من يشتري مني ثلاث كلمات بألف دينار؟ فيطنز به؛ حتى اتصل خبره بكسرى فطلبه وأحضر المال، فقال الرجل: ليس في الناس كلهم خير، فقال كسرى: زه، قال: ولا بد منهم، قال: زه، قال فألبسهم على قدر ذلك، قال: زه؛ قال: قد استوجبت المال فخذه، فأبى، فقال فلم طلبته؟ قال: كنت أحب أن أرى من يشتري الحكمة بالمال.

قال عدي بن زيد العبادي وكان نصرانيا من أهل الحيرة:

قضى لستة أيام خلائقهوكان آخر شيء صور الرجلا
فأخذ الله من طين فصورّهلما رأى أنه قد تم واعتدلا
دعاه آدم صوتا فاستجاب لهفنفّخ الروح في الجسم الذي جبلا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ثمت أورثه الفردوس يعمرهاوروجه ضلعه من جنبه جعلا
ثمت لم ينهه عن غير واحدةمن شجر طيب إن شم أو أكلا
فعمدا للتي عن أكلها زجرابأمر حواء إذ لم تحذر الدغلا
كلاهما خاط إذ بزا لباسهمامن أورق التين ثوبا لم يكن غزلا

ابن إسحاق: كان مهبطهما على جبل يقال له داسم، من أرض الهند بين الدهنج والمندل، وهما قريبان، ومن تربة هذا الجبل

خلق آدم فيما يقال. وكان آدم يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت بقابيل بن آدم وتوأمته. فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولا طلقا حين ولدتهما ولا دما لطهرة الجنة، فلما أصابا المعصية وأهبطهما إلى الأرض حملت بهابيل وتوأمته فوجدت الوحم والوصب والطلق والدم.

عبد الحميد الكاتب»

: الناس أخياف مختلفون، وأطوار متباينون، فمنهم علق مضنّة لا يباع، وغلّ مظنة لا يبتاع.

النبي ﷺ: خزائن الخير والشر مفاتيحها الرجال. الناس كلاب، فإذا وجدت سلوقيا فاحتفظ به.

مقاتل: من الأنبياء أربعة أحياء: إثنان في السماء عيسى

وإدريس وإثنان في الأرض والخضر؛ فالياس في البر، والخضر في البحر، وهما يجتمعان كل ليلة على ردم ذي القرنين يحرسانه، ويحجان كل عام، ولا يراهما إلا من شاء الله، وأكلهما الكرفس والكمأة.

كان يقال: اختص الله العرب بأربع: العمائم تيجانها، الحبى حيطانها، والسيوف سيجانها، والشعر ديوانها.

علي ﵁ في وصف الترك: كأني أراهم قوما كأن وجوههم المجان المطرقة ويلبسون السرق والديباج، ويعتقبون الخيل العتاق، ويكون هناك استحرار قتل، حتى يمشي المجروح على المقتول، ويكون المفلت أقل من المأسور.

النبي ﷺ: دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم.

أبو هريرة، يرفعه: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين، ذلف الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة.

الكلاب تقول: في الناس من هو أكلب منا، ولكن سبق الاسم لنا.

أبو الدرداء يقول: اتقوا واحذروا الناس، فأنهم ماركبوا ظهر

بعير إلا أدبروه، ولا ظهر جواد إلا عقروه، ولا قلب مؤمن إلا خربوه.

علي، رفعه: يقول الله: يا ابن آدم ما تنصفني، أتحبب إليك بالنعم وتتمقت إلي بالمعاصي، خيري إليك منزل، وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كل يوم وليلة بعمل قبيح؛ يا ابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تعلم الموصوف لأسرعت إلى مثته.

كان أبو مسلم الخولاني يقول: كان الناس ورقا لا شوك فيه، وأنتم اليوم شوك لا ورق فيه.

الأوازاعي: لو لم تكن جنة ولا نار إلا أنهما داران، دار فيها الملائكة، والمرسلون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، ودار فيها إبليس، والشياطين، وفرعون، وهامان، وقارون، فمع من تريد أن تكون؟.

أبو سليمان: شيطان الجن أهون علي من شيطان الإنس،

شيطان الإنس يتعلق بي فيدخلني في المعصية، وشيطان الجن إذا تعوذت منه خنس عني.

قيل لراهب: ما الذي علا بك في هذه الصومعة؟ قال: وثبت وثبة الأكياس من فخ إبليس.

شكى رجل إلى أبي سليمان الوسواس، قال: إذا أحسست به فافرح، فإنك إن فرحت انقطع عنك، إنه لا شيء أبغض إلى الشيطان من سرور المؤمن، فإن اغتممت زادك منه.

علي ﵁: الناس منقوصون مدخولون إلّا من عصم الله، سائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، يكاد أفضلهم رأيا يرده عن فضل رأيه الرضا والسخط، ويكاد أصلبهم عودا تنكأ اللحظة، وتحيله الكلمة.

- وعنه في ذكر إبليس: إعترضته الحمية، فافتخر على آدم بخلقه، وتعصب عليه لأصله، فعدو الله أمام المتعصبين، وسلف المتكبرين، الذي وضع أساس العصبية، ونازع الله رداء الجبرية، وادّرع لباس التعزز، وخلع رداء التذلل، ألا ترون كيف صغره الله بتكبره، ووضعه بترفعه، فجعله في الدنيا مدحورا، وأعد له في الآخرة سعيرا، ولو أراد الله أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه، ويبهر العقول رداؤه، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه، لفعل، ولو فعل لظلت له الأعناق خاضعة، ولخفت البلوى فيه على الملائكة، ولكن

الله سبحانه يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله، تمييزا بالاختبار لهم، ونفيا للإستكبار عنهم، وإبعادا للخيلاء منهم؛ فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس، إذ أحبط عمله الطويل، وجهده الجهيد، وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة، ولا ندري أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة، عن كبر ساعة واحدة؛ فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته؟ كلا ما كان الله ليدخل إلى الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا، إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد، وما بين الله وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين.

في متعصب للعجم:

يصيخ لكسرى حين يسمع ذكرهبصماء عن ذكر النبي صدوف
ويعجبه أخبار كسرى ورهطهوما هو في أعلاجهم بشريف

قال معاوية للأحنف: صف لي الناس وأوجز، قال: رؤوس رفعهم الحظ، وأكتاف عظمهم التدبير، وأعجاز شهرهم المال، وأذناب ألحقهم بهم الأدب؛ ثم الناس بعدهم أشباه البهائم، إن شبعوا ناموا، وإن جاعوا استاموا.

في نكاذبهم: الضب قاضي الطير والبهائم، ويقولون: إنها اجتمعت إليه أول ما خلق الإنسان، فوصفوه له، فقال: تصفون خلقا ينزل الطير من السماء، ويخرج الحوت من الماء، فمن كان ذا جناح فليطر، ومن كان ذا مخلب فليحفر.

النبي ﷺ: من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريش، ومن العجم فارس.

وكان يقال لعلي بن الحسين ابن الخيرتين لأن أمه سلافة كانت من ولد يزدجرد.

الحسن: عربي مقتصد أحب إلي من مولى مجتهد.

ابن عباس: يأجوج ومأجوج شبر وشبران وثلاثة أشبار، وهم ولد آدم.

كانت الصحابة يقولون: إن الشياطين ليجتمعون على القلب كما يجتمع الذباب على القرحة، فإن لم تذب وقع الفساد.

عبد الله بن عمر: ربع من لا يلبس الثياب من السودان أكثر من جميع الناس.

لما خلق آدم جاء النسر إلى الحوت فقال: رأيت اليوم خلقا لينزلني من وكري، وليخرجنك من البحر.

أبو هريرة، رفعه: إن الله خلق الخلق أربعة أصناف:

الملائكة، والشياطين، والإنس، والجن، ثم جعل هؤلاء عشرة أجزاء:

فتسعة منهم الملائكة، وجزء واحد الشياطين والجن والإنس، ثم جعل الجن والإنس عشرة أجزاء فتسعة منهم الجن وجزء واحد الإنس.

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.