تجاوز إلى المحتوى

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» للزمخشري (ت ٥٣٨هـ)

الباب السبعون القضاء، وذكر القضاة، والشهود، والديون، والإيمان، والخصومات، وما يليق بذلك

عبد الله بن عمر: عن رسول الله ﷺ: لا قدست أمة لا يقضى فيها بالحق.

عبد الرحمن بن حواز: عنه ﵇: من حكم بين اثنين، تحاكما إليه وارتضياه، فلم يقض بينهما فعليه لعنة الله.

أبو هريرة: عنه ﵇: ليس أحد يحكم بين الناس إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، فكه العدل، وأسلمه الجور.

أبو حازم: دخل عمر على أبي بكر رضوان الله عليهما؛ فسلم

فلم يرد، فقال لعبد الرحمن بن عوف: أخاف أن يكون قد وجد عليّ خليفة رسول الله. فكلم عبد الرحمن أبا بكر، فقال: أتاني وبين يدي خصمان، قد فرغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أن الله سائلي عنهما وعما قالا وعما قلت.

استعدى رجل عمر على علي، وعلي جالس، فالتفت عمر إليه فقال: يا أبا الحسن، قم فاجلس مع خصمك، فقام فجلس مع خصمه فتناظرا، وانصرف الرجل فرجع علي إلى مجلسه، فتبين عمر التغير في وجهه، فقال: يا أبا الحسن، ما لي أراك متغيرا؟ أكرهت ما كان؟ قال:

نعم، قال: وما ذاك؟ قال: كنيتني بحضرة خصمي، فألا قلت لي يا علي قم فاجلس مع خصمك؟ فأخذ عمر برأس علي فقبل بين عينيه، ثم قال:

بأبي أنتم! بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور.

أبان بن عبد الحميد اللاحقي في سوار بن عبد الله:

لا يقدح الظلمة في حكمهشيمته عدل وإنصافا
يمضي إذا لم تلقه شبهةوفي اعتراض الشك وقاف

دعا الحسن بن زيد بن الحسن حين ولاه المنصور المدينة إسحاق بن إبراهيم بن طلحة، وكان من سروات قريش، إلى القضاء، فأبى فسجنه، فجاء بنو طلحة فاستجنوا معه. فبلغ ذلك الحسن بن زيد فجاء به وقال: إنك تلاججت عليّ، وقد حلفت أن لا أرسلك حتى تعمل لي فأبرر يميني. فأرسل معه الجند حتى جلس في مجلس القضاء، والجند على رأسه. فقال داود بن مسلم:

طلبوا الفقه والمروءة والفضلوفيك اجتمعن يا إسحاق

فقال: ادفعوه، فدفعوه. وقام من المجلس، وأعفاه الحسن. فلما صار إلى منزله قال لداود: ما حملك على أن مدحتني بما كرهت؟ وأعطاه خمسين دينارا.

لما وقعت فتنة ابن الزبير اعتزل شريح القضاء، وقال: لا أقضي

فبقي لا يقضي تسع سنين. ولما انصرف يوما من مجلس قضائه، فاعترضه رجل فقال له: أما حان لك أن تخاف الله؟ كبرت سنك، وفسد ذهنك، فصارت الأمور تجوز عليك. فقال: والله، لا يقولها أحد بعدك. فلزم بيته حتى مات.

كان ببغداد رجل اسمه رويم، فولي القضاء، فلقيه جنيد فقال: من أراد أن يستودع سره من لا يفشيه فعليه برويم. فانه كتم حب الدنيا أربعين سنة حتى قدر عليها.

استقصى ابن هبيرة عتبة بن النهاس على الكوفة، فقال: لا والله الذي لا إله غيره ما أقوى على ذلك، ولا أرضى فقهي ولا علمي له، فلئن كنت فيما قلت صادقا ما ينبغي لك أن توليني، وإن كنت كاذبا ما يسعك أن تستعين بكاذب. فقال ابن هبيرة: لو تكلم بهذا الكلام أعرابي من البادية لوليناه. فامض إلى عملك.

الأشهب الكوفي:

يا أهل بغداد قد قامت قيامتكممذ قام قاضيكم نوح بن درّاج
لو كان حيا له الحجاج ما سلمتصحيحة يده من وشم حجّاج
للشاعر الأشهب الكوفي، اقرأ القصيدة

وكان الحجاج يشم أيدي النبط بعلامة يعرفون بها.

ابن مسعود: ما من حاكم يحكم بين الناس إلا جيء به يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم. ثم يرفع رأسه، فإن قال الله: ألقاه في مهواة أربعين خريفا.

مسروق: لأن أحكم يوما بحق أحب إليّ من أن أغزو سنة في سبيل الله.

الحسن: إني لأرجو لقضاة المسلمين خيرا، ما لم يمالئوا، أو يحابوا، أو يرتشوا، إذا أدوا الحق.

ذكر لعباد بن العوام قاض بالعفاف والصلاح، فقال: من ظن

أنه يلي لهؤلاء شيئا فيخلون بينه وبين العدل فبئس ما يظن.

حفص بن غياث: مررت بعليان فسمعته يقول: من أراد سرور الدنيا وخزي الآخرة فليتمنّ ما هذا فيه. فو الله لتمنيت أني مت قبل أن إلي القضاء.

القضاة المضروب بهم المثل في الجهل وتحريف الأحكام منهم: قاضي منى، وقاضي جبّل، هي مدينة من طسوج كسكر، كان أيام المأمون. وقاضي إيذج.

قال فيه أبو إسحاق الصابي:

يا رب علج أعلجمثل البعير الأهوج
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
رأيته مطلعامن خلف باب مرتج
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وخلفه دنيةتذهب طورا وتجي
فقلت قاضي إيذجفقال قاضي إيذج

وقاضي شلنبة، قال فيه أبو الحسن الجوهري:

رأيت رأسا كدبّةولحية كالمذبة
للشاعر أبو الحسن الجوهري، اقرأ القصيدة
فقلت من أنت قل ليفقال قاضي شلنبّة

محمد بن أبي الشوارب قاضي الكوفة: ما رأيت أحسن وجها من المعتز، ولا أبلغ خطابا، قال لي لما قضاني: يا محمد، قد وليتك

القضاء، وإنما هي الدماء والفروج والأموال ينفذ فيها أمرك، ولا يرد حكمك، فاتق الله وانظر ما أنت صانع. فما قرع قلبي كلام مثله.

كان سبب خروج أبي قلابة من البصرة إلى الشام أنه طلب للقضاء، فقال له أيوب: لو أنك وليت القضاء وعدلت فيه رجوت لك أجرا. فقال: يا أيوب، إذا وقع السابح في البحر كم عسى أن يسبح؟

وعن أبي حنيفة ﵀: القاضي كالغريق في البحر الأخضر، إلى متى يسبح وإن كان سابحا؟.

أراد عمر بن هبيرة أبا حنيفة على القضاء فأبى، فحلف ليضربنه بالسياط على رأسه وليسجننه، ففعل حتى انتفج وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب. فقال: الضرب في الدنيا بالسياط أهون عليّ من مقامع الحديد في الآخرة.

وعن ابن عون: ضرب أبو حنيفة مرتين على القضاء، ضربه ابن هبيرة، وضربه أبو جعفر، وأحضر بين يديه فدعا له بسويق وأكرهه على شربه، ثم قام، فقال: إلى أين؟ قال: إلي حيث بعثتني، فمضى به إلى السجن، فمات فيه.

عبد الله بن شبرمة لما ولي القضاء قال: اللهم إنك تعلم أني لم أجلس هذا المجلس لأني أحبه وأشتهيه، فاكفني شر عواقبه.

أراد يوسف بن عمر منصور بن المعتمر على القضاء فأبى، فجيء بالقيد ليقيّد، وأحضر خصمان فقعدا بين يديه، فما التفت إليهما، فقيل له: إنك لو بترته لم يل لك القضاء. فتركه.

عبد الملك بن عمير عن رجل من أهل اليمن: أقبل سيل باليمن في ولاية أبي بكر فأبرز عن باب مغلق، فظنناه كنزا، فكتبنا إلى أبي بكر، فكتب، لا تحركوه حتى يقدم عليكم أمنائي. ففتح إذا برجل علي سرير، عليه سبعون حلة مسنوجة بالذهب، وفي يده اليمنى لوح، فيه مكتوب:

إذا خان الأمير وكاتباهوقاضي الأرض داهن في القضاء
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «إذا خان الأمير وكاتباه»
فويل ثم ويل ثم ويللقاضي الأرض من قاضي السماء
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «إذا خان الأمير وكاتباه»

وإذا عند رأسه سيف أشد خضرة من البقلة، مكتوب فيه: هذا سيف هود بن عاد بن أرم.

سليمان بن حرب: لم يبق أمر من أمر السماء إلا الحديث

والقضاء، وقد فسدا جميعا.

القضاة يرشون حتى يولوا، والمحدثون يأخذون على حديث رسول الله الدّراهم.

قال رجل لسليمان الشاذكوني: أرانيك الله يا أبا أيوب على قضاء أصفهان. فقال: إن كان لا بد فعلي خراجها، فإن أخذ أموال الأغنياء أسهل من أخذ أموال الأيتام.

تقدم رجلان إلى قاض، فتكلم أحدهما ولم يترك الآخر يتكلم، فقال: أيها القاضي، تقضي على غائب؟ قال: كيف؟ قال: أنا غائب إذا لم أترك أتكلم.

بنى ابن أسد قصرا بالبصرة، وكانت في جانب منه حجرة صغيرة لعجوز تساوي عشرين دينارا، فاحتاج إليها فطلبها بمائتي دينار فأبت، فقيل لها: إن القاضي يحجر عليك لسفاهتك، لأنك ضيعت مائتين فيما قيمته عشرون، فقالت: ولم لا يحجر على من يشتري بمائتين ما يساوي عشرين فحجت فاشتريت منها بثلاثمائة دينار.

قائد بن الحبيب الأسدي في الزهري:

ومهمة أعيا القضاة قضاؤهاتدع الفقيه يشك شك الجاهل
بدع معنّية هديت لرتقهاوضربت محردها بحكم فاصل
فنعشت قومك والذين تذمموابك غير مختشع ولا متضائل

شهد قوم عند ابن شبرمة على قراح فيه نخل، فسألهم عن عدد النخل فلم يعرفوا، فردهم. فقال رجل منهم: أنت تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة فكم فيه من اسطوانة. فأجازهم.

شهد معلم عند سوار، فرد شهادته، وقال: إنك تأخذ على تعليم القرآن أجرة، فقال: وإنك تأخذ على القضاء رزقا، قال: أنا أكرهت على القضاء.

قال: فهل أكرهت على أخذ الرزق؟ قال: هلم شهادتك.

أعرابي: لو كان رأسه في الحرباء لأخذت رزقي منه.

تقدمت امرأة إلى قاض، فقال: جامعك شهودك؟ فسكتت، فقال كاتبه: أن القاضي يقول: جاء شهودك معك؟ قالت: نعم، ثم قالت: ألا قلت كما قال كاتبك؟ كبرت سنك، ونقص عقلك، وعظمت لحيتك حتى غطت على لبك، ما رأيت ميتا يقضي في الأحياء غيرك!.

كان شريح إذا جلس للقضاء بدأ بهذه الكلمات: سيعلم الظالمون حظ من نقصوا إن الظالم ينتظر العقاب، وإن المظلوم ينتظر النصر.

[شاعر]:

أبكي وأندب ملّة الإسلامإذ صرت تقعد مقعد الحكّام
إن الحوادث ما علمت كثيرةوأرتك بعض حوادث الأيام

علي ﵁ في معنى الحكمين: فأجمع رأي ملئكم على أن اختاروا رجلين، فأخذنا أن يجعجعا عند القرآن، ولا يجاوزاه وتكون ألسنتهما معه، وقلوبهما تبعه. فتاها عنه، وتركا الحق وهما يبصرانه.

احتكم رجلان عند شريح، وأقر أحدهما في خلال كلامه بشيء توجه به الحكم عليه، فحكم عليه شريح، فقال الرجل: أصلحك الله، تحكم عليّ بغير شهود؟ فقال: قد شهد عليك أبو أخت خالتك.

تقدم رجلان إلى بلال، فأطالا السكوت. فقال: لعلكما على حاجة فأقوم عنكما.

ابن عمر: عن النبي ﷺ: إن الطير لتلقي ما في أجوافها من هول يوم القيامة وما عليها من حساب، وإن شاهد الزور يؤتى به يوم القيامة فما يتكلم بشيء حتى يقذف به في النار.

وفي حديث جابر: إن الطير لتضرب بمناقيرها، وتقذف ما في حواصلها، وتحرك أذنابها من هول يوم القيامة.

كان شيخ من العدول يشهد بالشيء اليسير، فأعطاه رجل درهما ليشهد له، فقال: والله ما ضربت فيها المشط بأقل من درهم قط، ولكني أسامحك إكراما لك.

المبرد: من طرائف الأحكام إن عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة وأميرها، رفعت إليه وصية لرجل بما أمر أن يتخذ به حصون،

فقال: اشتروا به خيلا للسبيل.

أما سمعتم قول الجعفي:

ولقد علمت على تجنبي الردىأن الحصون الخيل لا مدر القرى
للشاعر الأسعر الجعفي، من قصيدة «هل بان قلبك من سليمى فاشتفى»

[شاعر]:

إن القضاة موازين البلاد وقدأعيا علينا بجور الحكم قاضينا
قرضابة طرفاه الدهر في تعبضرس يدق وفرج يفسد الأبنا

استعدى رجل على امرأة حسناء، فجعل القاضي يميل بالحكم إليها. فقال الرجل: أصلحك الله، حجتي أوضح من هذا النهار، فقال: اسكت يا عدو الله، فإن الشمس أوضح من النهار، قم فلا حق لك عليها. فقالت: جزاك الله عن ضعفي خيرا، فقال: ولكن لا جزاك الله عن قوتي خيرا، فقد أوهنتها.

علي ﵁: إن أبغض الخلائق إلى الله رجلان: رجل وكله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، ودعاء ضلالة، ورجل قمش جهلا، موضع في جهال الأمة، غار في أغباش الفتنة، عم بما في عقد الهدنة. قد سماه أشباه الناس عالما وليس به، بكر استكثر من جمع ما قل منه خير مما كثر، حتى ارتوى من آجن، واكتنز من غير طائل. جليس الناس قاضيا، ضامنا لتخليص ما التبس على غيره. فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشوا من رأيه ثم قطع به. فهو في لبس الشبهات في مثل بيت

العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ، إن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب. خباط جهالات، ركاب عشوات، لم يعض على العلم بضرس قاطع، يذري الروايات اذراء الريح الهشيم. تصرخ من جور قضائه الدماء، وتعج منه المواريث إلى الله تعالى.

ادعى رجل عند المطلب بن عبد العزيز الحنظلي وقال:

يشهد لي والله زنقطة الحذاء. فلما ولى ليحضره قال القاضي لأصحابه:

ما شهادته له إلا كشهادته عليه. فلما دخل زنقطة قال: فداك أبي وأمي!

أحسن والله من يقول:

من الحنظليين الذين وجوههمدنانير مما شيف في أرض قيصرا

فقال: كيّس ورب الكعبة، وأجاز شهادته.

تقدمت جميلة إلى الشعبي فسألها البينة. فقيل لها: ما صنعت؟ فقالت: سألني البينة، ومن سئل البينة فقد فلج. فقال هذيل الأشجعي:

فتن الشعبي لمارفع الطرف إليها
للشاعر المتوكل الليثي، اقرأ القصيدة
فتنته ببنسانكيف لورا معصميها
ومشت مشيا رويداثم هزت منكبيها
للشاعر الهذيل الأشجعي، من قصيدة «فُننِ الشعبي لما»
فقضى جورا على الخصمولم يقض عليها
بنت عيسى بن حراددفع الملك إليها

فتناشدها الناس وتداولوها حتى بلغت الشعبي، فضرب الأشجعي ثلاثين سوطا.

حكى ابن أبي ليلى قال: انصرف الشعبي يوما من مجلس القضاء ونحن معه، فمر بالخادم تغسل الثياب وتقول: فتن الشعبي لما، فتن الشعبي لما، ولا تجيز البيت، فلقنها وقال: رفع الطرف إليها. ثم قال: أبعده الله، أما إنا ما قضينا إلا بحق.

قال رجل لآخر: علمني الخصومة. قال: أنكر ما عليك،

وادع ما ليس لك، واستشهد الموتى، وأخر اليمين حتى تنظر فيها.

حكيم: الدين مجمع كل بؤس، هم بالليل، وذل بالنهار، وهو ساجور الله تعالى في أرضه، فإذا أراد أن يذل عبدا جعله طوقا في عنقه.

[شاعر]:

لقد كان القريض سمير صدريفآلهتني القروض عن القريض

استقرض الأصمعي خليل له، فقال: نعم وكرامة. ولكن سكّن قلبي برهن يساوي ضعف ما تطلبه، فقال: يا أبا سعيد، ما تثق بي قال:

بلى، وهذا خليل الله قد كان واثقا به وقد قال: ليطمئن قلبي، باع رجل من أعرابي شيئا بنسيئة وقعد يحسب ربحه، فقال الأعرابي:

يلوي بنان الكف يحسب ربحهولا يحسب المطل الذي أنا ماطله
ومن دون ما يرجو عناء مبرّحأواخره ما تنقضي وأوائله

لقمان: لا تستلفن من مسكين استغنى.

علي ﵁: من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم.

أحمد بن سريج سمعت الشافعي رحمة الله تعالى عليه يقول: إذا كان لرجل على رجل دراهم، فأعطاه درهما فيه حبة من نحاس أو رصاص لم يوفه.

عمرو بن دينار: قال رجل لرسول الله ﷺ: أرأيت أن قتلت شهيدا فأين أنا؟ قال: في الجنة. ثم قال: قال لي جبرائيل إن لم يكن عليه دين.

سعد بن أبي وقاص جاء يتقاضى دينا له على رجل، فقالوا:

خرج إلى الغزو، فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ قال: لو أن رجلا قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل، ثم أحيي ثم قتل، لم يدخل الجنة حتى يقضي دينه.

الخدري: شهد رسول الله ﷺ جنازة رجل من الأنصار، فقال أعليه دين؟ قالوا: نعم، فرجع. فقال علي ﵁: أنا ضامن يا رسول الله. فقال: يا علي، فك الله رقبتك كما فككت عن أخيك المسلم، ما من رجل يفك عن رجل دينه إلا فك الله تعالى رهانه يوم القيامة.

الزهري: لم يكن رسول الله ﷺ يصلي على رجل عليه دين.

ثم قال بعد: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من مات وعليه دين فعلي قضاءه. ثم صلى عليهم.

أبو هريرة: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يتقاضاه فأغلظ له.

فهم به أصحابه. فقال: ألا كنتم مع الطالب؟ دعوه فان لصاحب الحق مقالا. اشتروا له بعيرا. فلم يجدوا إلّا فوق سنه، فقال: اشتروا له فوق سنه فأعطوه ثم قال: كذلك افعلوا، خيركم أحسنكم قضاء.

جابر: عنه ﵇: لا غم إلا غم الدين، ولا وجع إلا وجع العين.

ابن عباس ﵁: من مشى بدين عليه لأخيه كتب الله له بكل خطوة حسنة.

أبو هريرة: عنه ﵇: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله تعالى عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله تعالى.

أبو هريرة: عنه ﵇: من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زان، ومن أدان دينا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق.

ركب رجلا دين كثير عجز عن أدائه، فقال له بعض غرمائه:

أعلمك حيلة تتخلص بها على أن تقضيني؟ قال: لك ذلك. فتوثق منه.

ثم قال له: كل من لقيك من غرمانك وغيرهم فلا تزد على النباح عليه، فإنك إن عرفت بذلك قالوا موسوس فكفوا عنك، ففعل، فلما كفوا عنه أتاه معلم الحيلة فقال: الشرط أملك. فنبح عليه، فقال: وعلي أيضا؟ فلم يزده على النباح حتى يئس منه فتركه.

وجد تحت رأس يحيى البرمكي بعد موته كتاب مختوم، فحمل

إلى الرشيد ففكه فإذا فيه: قد تقدم الخصم، والمدعى عليه بالأثر، والحكم العدل لا يظلم ولا يحتاج إلى بينة.

عزل عمر بن عبد العزيز قاضيا، وقال: قد بلغني أن كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكما إليك.

قال غيلان بن مرة التميمي:

وإني لأقضي الدين بالدين بعد مايرى طالبي للدين أن لست قاضيا

فأجابه ثعلبة بن عمير الحنفي:

إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكنقضاء ولكن كان غرما على غرم

هلال بن ضبعاء التميمي:

ولا يستوي أن كنت لا بد غارماكريم إذا داينته ولئيم
إذا ما غدا عني غريم بحقهتأوبني يرجو القضاء غريم

أتى رجلا قوم وقالوا: نحب أن تقرض فلانا ألف درهم وتؤجله سنة. فقال: سألتموني حاجتين، فإذا قضيت أحداهما وزدت عليها ضعفها فقد أحسنت، قد أجلته سنتين، فأعفوني من القرض.

حلف أعرابي فقيل له: قل إن شاء الله. فقال: نعم إن شاء

الله، يذهب بها الحنث، وتقضى بها الحاجة.

الأصمعي: كان قوم من الأعراب يسمطون أيمانهم سمطا للمصدقين، فقال مصدق: هؤلاء لا يخافون الله، ولكن استحلفهم بأيمان في أمر معاشهم، فقال: سلخك الله تعالى برصا، وأبدى عورتك.

وفتّك فتّ البعرة، وحتك حتّ الشعرة، ولا ترك له صاهلا ولا ناهلا، ولا خفا ولا ظلفا إن كان لله في مالك حق. فيكيع عنها.

أعرابي:

أني وجدك لا أقضي الغريم وإنحان القضاء ولا رقت له كبدي
الا عصا أرزن طارت برايتهاتنوء ضربتها بالكف والعضد

أبو هريرة: عنه ﵇: ما من عمل عصي الله فيه أعجل عقوبة من البغي. واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع.

ما استرق الأحرار أفظع من الدين.

ثلاثة من عازهم عادت عزته ذلا: السلطان، والولد، والغريم.

علي ﵁: احلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بأنه بريء من حول الله تعالى وقوته، فإنه إذا حلف بها كاذبا عوجل، وإذا حلف بالله الذي لا إله إلا هو لم يعاجل لأنه وحد الله تعالى.

أعرابي في وصف قاض: يقضي بالعشوة، ويطيل النشوة، ويقبل الرشوة.

أطيط بن لقيط الفقعسي:

لعمرك إني إذ أخاصم حيةإلى فقعس ما أنصفتني فقعس
فما لكم طلسا إليّ كأنكمذئاب الغضا والذئب بالليل أطلس
للشاعر مغلس بن لقيط، اقرأ القصيدة

عمر ﵁: لا تهاونوا بالحلف بالله فيهينكم الله.

أراد قاضي الدوّ أن يستحلف الخصم، فقيل له: هو لا يبالي بالحلف: احمله على حلف لا يستجري عليه، فقال: جعل

الله تعالى نومك نغصا، وطعامك غصصا، ومشيك رقصا، وسلخك برصا، وقطعك حصصا، وملأ عينيك غمصا، وأدخلك قفصا، وابتلاك بهذه العصا. فأبى أن يحلف وأذعن للحق.

أنشد سيبويه:

وقد أعددت للغرماء عنديعصا في رأسها منوا حديد

ابن السائب: جالست وكيعا سنين فما رأيته يحلف بالله.

ابن أبي ثابت: ما احتجت إلى شيء استقرضه إلا استقرضته من نفسي. أراد: أصبر عنه إلى أن تمكن الميسرة.

ونظيره قول القائل:

وإذا غلا شيء عليّ تركتهفيكون أرخص ما يكون وقد غلا

إياس بن الوليد:

أني وجدّك من قوم إذا طلبوابعد النسيئة يوما أحسنوا الطلبا

عطية بن الخطفي أبو جرير الشاعر:

تلبث فقد داينت من أنت واثقبليّانه أو قابل ما تيسرا

آخر:

أماطله العصرين حتى يملنيويرضى بنصف الدين والأنف راغم»

كتب عمر ﵁: قد آن للحق الذي عندك أن يرجع إلى أهله، ويستغفر الله تعالى من حبسه.

دخل عليّ بالري في مسيري إلى مكة حرسها الله تعالى بعض تجار خوارزم وهو مستبشر يهتز منكباه. فقلت: ما وراءك يا أبا فلان؟

قال: كان لي رقيق لا يزاد لي فيهم على ستمائة، فاتجهت لي فيهم سعة رافعية، بعتهم من سلطاني بألف ومائتين صحاح مجردة نسيئة. فقلت له:

ليتك بعتهم بربع ذلك وبقراضات ناجزا، وكأني بهذه المجردة الصحاح قد أذاقتك الأمرين، وأمانتك حرضا في بعض الخافات، ودفنتك تحت جبل طبرك. فسألت عنه منصرفي من الحجاز، فكان الأمر كما قلت.

جاءت امرأة إلى قاض فقالت: مات زوجي وترك أبويه وولدا ورهطا. فقال القاضي: لأبويه الثكل، ولولده اليتم، ولامرأته الخلف، ولرهطه الوله والقلة. واحملي المال إلينا حتى ترتفع الخصومة بينهم.

ابن أبي أوفى: عنه ﵇: إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار برىء الله تعالى منه ولزمه الشيطان، وروى فإذا جار وكله الله إلى نفسه.

جابر بن عبد الله: عنه ﵇: تنصب يوم القيامة منابر نور، ليجلس عليها من ولي القضاء فعدل في حكمه، فإذا انقضى حساب الخلائق أمر بهم إلى الجنة.

حماس بن الأبرش الكلبي:

رفضت وعطلت الحكومة قبلهفي آخرين وملها رواضها
حتى إذا ما قام ألف بينهابالحق حتى جمعت أرفاضها

قال محمد بن حريث: بلغني أن نصر بن علي أرادوه على

القضاء بالبصرة، واجتمع الناس إليه فكان لا يجيبهم، فلما ألحوا عليه دخل بيته ونام على ظهره، وألقى ملاءته على وجهه، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني لهذا كاره فاقبضني إليك. فقبض.

كتب عبيد بن ثابت مولى بني عبس إلى علي بن ظبيان قاضي بغداد: بلغني أنك تجلس للحكم على باري، وكان من قبلك من القضاة يجلسون على وطاء يتكئون. فكتب إليه: والله أني لأستحي أن يجلس إلي حران مسلمان على باري وأنا على وطاء، ولست أجلس إلا على ما يجلس عليه الخصوم.

أنس، يرفعه: القضاة جسور للناس يمرون على ظهورهم يوم القيامة.

- وعنه: لسان القاضي من جمرتين حتى يصير إلى جنة أو نار.

هشام بن أبي يوسف: لما احتضر أبي جلسنا عند رأسه، فقلنا له: أفي نفسك من هذا الأمر شيء؟ قال: لا والله، إلا شيء واحد، وصل نصراني إدعى مرة على الرشيد، فدعوت به، فجاء ومعه مصلى فجلس عليه، ولم أدع للنصراني بمصلى مثله، فذاك في نفسي.

عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في ثمرة قط.

لقي سفيان الثوري شريكا بعد ما استقضى، فقال: بعد الإسلام والفقه والخير تلي القضاء؟ قال: يا أبا عبد الله، لا بد للناس من قاض. قال: يا أبا عبد الله، لا بد للناس من شرطي. وقال الحسن بن صالح: أي شيخ أفسدوا!.

أبو ذر: قال لي رسول الله ستة أيام: اعقل أبا ذر ما أقول لك، فلما كان اليوم السابع قال: أوصيك بتقوى الله في سريرتك وعلانيتك، وإذا اسأت فاحسن، ولا تسألنّ أحدا وإن سقط سوطك، ولا تؤتمننّ أمانة، ولا تتولينّ يتيما، ولا تقضين بين اثنين.

أراد عثمان بن عفان استقضاء عبد الله بن عمر، فقال: أليس سمعت النبي ﷺ يقول: من استعاذ بالله فقد عاذ بمعاذ؟ قال: بلى، فقال: فاني أعوذ بالله منك أن تستقضيني.

أنس يرفعه: شكت البقاع إلى الله، فقالت: يا رب، يطرح فينا نتن المشركين. فقال: اسكتي، وعزتي وجلالي لو طرح فيك نتن القضاة والولاة كان أنتن وأنتن.

قال حفص بن غياث لرجل كان يسأله مسائل القضاء: لعلك تريد أن تكون قاضيا! لئن يدخل الرجل إصبعه في عينه فيقلعها ويرمي بها خير له من أن يكون قاضيا.

عرض على عبد الله بن وهب القضاء. فقال: لم أكتب هذا العلم لأحشر يوم القيامة في زمرة القضاة. ولكني كتبت هذا العلم لأحشر يوم القيامة في زمرة العلماء.

ابن عباس: أكرموا الشهود، فإن الله يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظلم.

أبو الدرداء يرفعه: إن لشاهد الزور لعلما يعرف به يوم القيامة يبعثه الله عاضا على لسانه يقرضه بأسنانه، يلهث لهثان الكلب في الرعي.

سفيان بن عيينة: كان الناس بالكوفة إذا صلوا الغداة قام رجل منهم فقال: من يريد قرضا؟ فيقرضه.

[شاعر]:

حلفت برب زمزم والمصلىوربّ الحجر والحجر اليماني
للشاعر البحتري، من قصيدة «عناني من صدودك ما عناني»
وبالسبع الطوال ومن تولىتلاوتهنّ والسبع المثاني
للشاعر البحتري، من قصيدة «عناني من صدودك ما عناني»

أعرابي: لا والذي شق خمسا من واحدة. يعني الأصابع من الراحة.

البحتري:

أقسمت بالبيت الحراموحرمة الشهر الأصم

كان بين أسامة وعمرو بن عثمان كلام في ضيعة، فقال عمرو: أتأنف أن تكون مولاي؟ فقال أسامة: والله ما يسرني بولائي من رسول الله نسبك. ثم ارتفعا إلى معاوية، فقام سعيد بن العاص فقعد إلى جانب عمرو وجعل يلقنه الحجة، فقام الحسن فقعد إلى جانب أسامة، فوثب عتبة بن أبي سفيان فصار مع عمرو، فقام الحسين فصار مع أسامة، فقام الوليد بن عقبة فصار مع عمرو، فقام عبد الله بن جعفر وجلس مع أسامة. فقال معاوية: القضية عندي، حضرت رسول الله وقد أقطع هذه الضيعة أسامة. فقال الأمويون. هلا إن كانت هذه القضية عندك بدأت بها قبل التحزب! فقال معاوية: لما رأيتهم كذلك ذكرت يوم

صفين.

جرير:

تعالوا ففاتونا ففي الحكم مقنعإلى الغر من أهل البطاح الأكارم
فاني لأرضي عبد شمس وما قضتوأرضي الطوال البيض من آل هاشم

كان الثوري يقول: الناس كلهم عدول إلا العدول.

مساور الوراق:

شمر قميصك واستعدّ لقائلواحكك جبينك للقضاء بثوم
وتماوتنّ إذا مشيت تخشعاحتى تصيب وديعة ليتيم

كان روح بن زنباع ايسمر مع عبد الملك، فقال له يوما: ما رأيت أحدا أحسن حديثا من أسماء بن خارجة، فحادثه فقال له في آخر الليل: هل من حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، دين عليّ. قال:

كم؟ قال: خمسون ألفا. قال: وفيم استدنتها؟ قال: في كريم صنت له عرضا، وفي لئيم صنت منه عرضي. فأمر بقضائها عنه.

أوصى مطيع بن الأسود إلى الزبير بن العوام، فأبى أن يقبل وقال: في قومك من ترضاه، فقال: إني رأيتك دخلت على عمر بن الخطاب فلما خرجت قال: نعم ولي تركة المرء المسلم. فقبل الزبير وصيته.

عن يوسف بن محمد مولى آل عثمان: بعثني عبد الرحمن بن قطن المخزومي إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير يستسلفه ألف دينار، فدخلت عليه، فأمر ببختية له مري فحلبت في عس، وطرح فيه طبرزذ، فشرب وسقاني، ودعا بالألف فأعطانيه، فلم يلبث عبد الرحمن إلا يسيرا أن بعثتني بالألف إليه، فدخلت به عليه، فحلبت البختية، وسقيت لبنها مع الطبرزد، وقسم الألف نصفين وقال: خذ خمسمائة وأعطه خمسمائة، وقال: إنا قوم لا نعود فيما خرج منا.

تحاكمت إلى إياس امرأتان في كبة، فقال لأحداهما في

السر: على أي شيء كببت غزلك؟ قالت: على كسرة، وقال للأخرى:

على أي شيء كببت غزلك؟ قالت: على خرقة. فنفضت الكبة فإذا هي على كسرة. فسمع بذلك ابن سيرين فقال: ويح له ما أفهمه! ويح له ما أفهمه!.

عن نافع عن ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا ضن الناس بالدنانير والدراهم، وتبايعوا بالعينة، وأخذوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد، أدخل الله عليهم ذلا لا ينزعه منهم حتى يراجعوا دينهم.

شهد مولى للمطلب بن عبد الله بن حنطب عند عمر بن عبد العزيز فسأل عنه مولاه، فقال: هو عدل مع عدلين. يعني ليس بعدل.

الباب الحادي والسبعون الكذب، والزور، والبهتان، والرياء، والنفاق والباطل، والأرجاف، والتنبؤ، وما أشبه ذلك

عبد الله بن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ: إذا كذب العبد كذبة تباعد الملك منه مسيرة ميل من نتن ما جاء به.

- وعنه مرفوعا: إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار. وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا. وعليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة. وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا.

قال رجل للنبي ﷺ: أنا استسرّ بخلال أربع: الزنا،

والسرقة، وشرب الخمر، والكذب، فأيتهن شئت تركت لك يا رسول الله؟ قال: دع الكذب. فلما تولّى همّ بالزنا، فقال: يسألني فإن جحدت نقضته ما جعلت له، وإن أقررت حددت أو رجمت. ثم هم بالسرق.

ثم في شرب الخمر، ففكر في مثل ذلك. فرجع إليه فقال: قد أخذت علي السبيل، قد تركتهن أجمع.

- وعنه ﵇: الكذب مجانب للإيمان.

أعرابي: كفاك موبخا على الكذب علمك بأنك كاذب.

قال الواثق لأحمد بن أبي دؤاد: ذكرك ابن الزيات بكل قبيح.

فقال: الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب عليّ، ونزهني عن قول الحق فيه.

[شاعر]:

قد كنت أنجز دهرا ما وعدت إلىأن أتلف الجود ما جمعت من نشب
فإن أكن صرت في وعدي أخا كذبفنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب

ابن طيفور:

قال العباس بن عبد المطلب لعبد الله: يا بني، أنت أعلم مني. وأنا أفقه منك، إن هذا الرجل يدينك، يعني عمر بن الخطاب، فاحفظ عني ثلاثا: لا تفشينّ له سرا، ولا تغتابنّ عنده أحدا، ولا يطلع منك على كذبة.

وقال رجل لأبي حنيفة ﵀: ما كذبت كذبة قط. قال: أما هذه فواحدة نشهد بها عليك.

في وصية علي ﵁: ولا تحدثن إلا عن ثقة فتكون كذابا.

يقال للكاذب: هو قموص الحنجرة، زلوق اللبد لا يوثق بسيل تلعته.

فيه أثافي الشر: الكذب، والنفاق، والحسد.

هو ذو كذبة بلقاء، للمشهور بالكذب.

كان يقال: راوي الكذب أحد الكاذبين.

- رأس المآثم الكذب، وعمود الكذب البهتان.

- فلان يقول البهت، والزور البحت.

- أمران لا ينفكان من الكذب: كثرة المواعيد، وشدة الاعتذار.

حكيم: إذا كذب الرجل فقد بطل.

الشعبي: كان الرجل يكذب الكذبة فما يستقيلها من نفسه زمنا

طويلا.

رسطاليس: فضل الناطق على الأخرس بالنطق، وزين النطق الصدق، والأخرس والصامت خير من الكاذب.

الكذاب كلما فنيت أحدوثة قمطها من عنده بأخرى، حتى أنه يصدق فلا يصدق.

قال الرشيد للفضل بن الربيع: كذبت. فقال: يا أمير المؤمنين، وجه الكذب لا يقابلك، ولسانه لا يحاورك.

الحسن في قوله تعالى: وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ

: هي والله لكل واصف كذب إلى يوم القيامة. لو لم أدع الكذب تأثما لتركته تكرما.

الأصمعي: قلت لأعرابي معروف بالكذب: أصدقت قط؟

قال: لولا أني أصدق في هذا لقلت لا.

قال رجل لمعاوية حين عقد ليزيد: اعلم أنك لو لم تولّ أمور المسلمين هذا لأضعتها، والأحنف جالس، فقال له معاوية: يا أبا بحر، مالك لا تقول؟ فقال: أخاف الله أن كذبت، وأخافكم أن صدقت.

فقال: جزاك الله عن الطاعة خيرا، فما تقول في بيعة يزيد؟ قال:

أنت أعلم بليله ونهاره، فلا تلقمه الدنيا وأنت منتقل إلى الآخرة. وأمر له بألوف.

فلما خرجا قال له الرجل: أني لأعلم أن شر من خلق الله هذا وابنه، ولكنه قد استوثق من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمع في استخراجها إلا بماء سمعت. فقال: امسك يا هذا، فإن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها.

محمود بن مروان بن أبي الجنوب:

لي حيلة فيمن ينموليس في الكذاب حيله
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
من كان يخلق ما يقولفحيلتي فيه قليله

النبي ﷺ: لعن الله المثلث. فقيل له: من المثلث؟ فقال:

الذي يسعى بصاحبه إلى سلطانه، فيهلك نفسه وصاحبه وسلطانه.

عوقب أعرابي على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما صبرت عنه.

يقال: أكذب من لمعان السراب، ومن رؤيا الكظة، ومن مرآة اللقوة، وسحاب تموز.

كان بفارس محتسب يعرف بجراب الكذب، فكان يقول:

إن منعت من الكذب انشقت مرارتي، وإني لأجد فيه، مع ما يلحقني من عاره، ما لا أجد بالصدق مع ما ينالني من نفعه.

أبو حيان: الكذب شعار خلق، ومورد رنق، وأدب سيء، وعادة فاحشة، وقل من استرسل معه إلا ألفه، وقل من ألفه ألا أتلفه. والصدق ملبس بهي، ومنهل عد، وشعاع منبث، وقل من اعتاده ومرن عليه ألا صحبته السكينة، وأيده التوفيق. وخدمته القلوب بالمحبة، ولحظته النفوس بالمهابة.

ابن السماك: لا أدري أؤجر على ترك الكذب أم لا، لأني أتركه أنفة.

كل شيء شيء، ومصادقة الكذاب لا شيء.

فيلسوف: من عرف من نفسه الكذب لم يصدق الصادق.

يحيى بن خالد البرمكي: رأيت شريب خمر نزع، ولصا أقلع، وصاحب فواحش ارتدع، ولم أر كاذبا رجع.

[شاعر]:

حسب الكذوب من البليةبعض ما يحكى عليه
فمتى سمعت بكذبةمن غيره نسبت إليه

أضاف قادم من سفره قوما، وأقبل يحدثهم، فقال بعضهم:

نحن كما قال الله تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ

النبي ﷺ: سيكون في آخر هذه الأمة أعاجم وألسنة أعراب، يلقى الرجل أخاه فيخبره بغير ما في قلبه.

قال عمر بن عبد العزيز لزهرة بن معبد: لا تفعل شيئا رياء، ولا تتركه حياء.

فضيل: إذا رأيت الرجل محمودا في جيرانه، محببا في أخوانه فاعلم أنه مداهن.

معاذ بن جبل: قال لي النبي ﷺ: يا معاذ، إحذر أن نرى عليك آثار المحسنين وأنت تخلو من ذلك، فتحشر مع المرائين.

الحسن: المنافق يعطيك لسانه، ويمنعك ما في قلبه.

أنس يرفعه: يوتى بابن آدم يوم القيامة يعتل كأنه بذج، وربما قال، كأنه جمل، فيقول له الله: يا ابن آدم أنا خير قسيم. فانظر عملك الذي عملت لي فأنا أجزيك، وانظر عملك الذي عملت لغيري فإنما أجره على من عملت له.

لو أن رجلا عمل عملا من البر فكتمه ثم أحب أن يعلم الناس أنه كتم فهو من أقبح الرياء.

فقد الحسن بعض من يختلف إليه فسأله عنه، فقيل استقضاه الحجاج. فقال أعوذ بالله من خشوع النفاق، من الناس من يتصنع للدنيا ويكمن لفرصة منها كما يكمن الأسد لفريسته. فإذا تمكن منها وثب عليها، يوشك أن يثب الله عليه وثبة يصطلم بها دنياه وآخرته. فلم تمض أيام حتى مات.

زكريا بن أبي موسى مولى بني سليم:

أني امرؤ زقت عليهعداته قول الضلال
وسعت سعاتي الكاشحونبغير ما نزعت سجالي

جمهرة السعايات أقتل من الأساف ومن السم الزعاف.

المأمون: اتقوا خدع الحافين شواربهم فلما يحفون من أديانهم أكثر مما يحفون من شواربهم.

علي ﵁: قال لي رسول الله: أني لا أخاف على

أمتي مؤمنا ولا مشركا.

أما المؤمن فيمنعه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه الله بشركه.

ولكني أخاف عليكم كل منافق.

الجنان عالم اللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون.

كل ورع يحب صاحبه أن يعلمه غير الله فليس من الله.

عبد الله بن السري»

: قلنا لابن المبارك: حدثنا. قال:

ارجعوا فأني لست أحدثكم. فقيل له: إنك لم تحلف. فقال: لو حلفت لكفرت وحدثتكم، ولكن لست أكذب. فكان هذا أحب إلينا من الحديث.

مجاهد: يكتب على ابن آدم كل شيء حتى أنينه في سقمه، وحتى أن الصبي ليبكي فيقول له اسكت اشتري لك كذا ثم لا يفعل تكتب كذبة.

لقمان: إياك والكذب، فانه شهي كلحم العصفور، وبعد قليل يقليه صاحبه.

حذيفة: يرفعه: لا يدخل الجنة قتات.

أبو محمد اليزيدي:

واظنن بكل كاذبما شئت بعد كذبه
للشاعر يحيى بن المبارك اليزيدي، من قصيدة «من يَلَم الدَّهر ألا»

هشام بن عبد الملك في عبد الله بن عمرو المعيطي:

أبلغ أبا وهب إذا ما لقيتهبأنك شر الناس غيبا لصاحب
تبدّي له بشرا إذا ما لقيتهوتلسعه بالغيب لسع العقارب

أصرم بن حميد الطائي:

وكم من فتى يعجب الناظرينله ألسن وله أوجه
ينام إذا ذكر المكرماتوعند الدناءة يستنبه

يقال: هو عبد عين، لمن يرائيك بالتملق إذا شهد، فإذا غاب خالف. قال:

ومنهم كعبد العين أما لقاؤهفيرضي وأما غيبه فظنين

لو قيل لأحدهم لقينا فيلا في كوز فقاع، يندف القطن بالنار، فيترامى شررها في الجو فيصير جمدا لصدق به.

يبدي بادية وفاق عن خافية نفاق.

يقال فلان يتوبل الحديث، ويفلفله، يسعتره. أي يزوقه.

وأنه ليزدهف في حديثه، أي يزيد فيه.

شداد بن أوس رفعه: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء.

الأراجيف ملاقيح الفتن، ومفاتيح المحن.

أراجيف تساقطت ففرقت المنكر عن اجتماعه، وضاق لها الصدر بعد اتساعه.

شأن الأرجاف أن يختلف ناس ويصدق آخرون، غير باحثين عن منبعه، ولا فاحصين عن مطلعه، وأن يقال: صيد سليمان، وقد فتح صيدون، وأن يأفك زيد فيزيد عليه زيدون. صيدون مدينة فتحها سليمان ﵇، وقتل ملكها، وسبى ابنته.

[شاعر]:

وتقول لي قولا أظنك صادقافاجيء من طمع إليك وأذهب
فإذا اجتمعت أنا وأنت لمجلسقالوا مسيلمة وهذا أشعب

فلان يبرز في ظاهر أهل السمت، وهو في باطن أهل السبت.

إذا سمعت العرب حديثا لا أصل له قالوا: حديث خرافة، ومنه قول ابن الزبعري:

أعلل بالمجاعة في حياتيوبعد الموت من عسل وخمر
حياة ثم موت ثم بعثحديث خرافة يا أم عمرو
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «أأترك لذة الصهباء عمدا»

وهو رجل استهوته الجن ثم رجع، وكان يحدث الناس بأعاجيب ينسبها إلى الجن. ثم كثر حتى قيل للأباطيل والترهات الخرافات.

وسمعت العرب يشددون الراء. ويسمون الأباطيل الخرّاريف.

كان أبو حازم يقول: الذي يلقى من لا يتقي الله من تقية الناس أشد مما يلقى من يتقي الله من تقوى الله.

ابن هبيرة: قال لي محمد بن الباغندي يوما: تزعمون أني مراء، وعزمي والله أن أصوم غدا ولا أعلم به أحدا.

بينما عابد يمشي في براز، والغمامة على رأسه تظله، جاء رجل يريد أن يستظل بها، فقدعه وقال: إن قمت معي لم يعلم الناس أنّ الغمامة تظلني.

فقال الرجل: قد علم أني لست ممن تظله الغمامة. فتحولت الغمامة إليه.

فضيل: ما من مضغة أحب إلى الله من اللسان إذا كان صدوقا، ولا مضغة أبغض إلى الله منه إذا كان كذوبا.

ابن مسعود ﵁: أعظم الخطايا اللسان الكذوب.

- وعنه: يكون الرجل مرائيا في حياته وبعد موته. قيل: كيف؟

قال: يحب أن تكثر الناس على جنازته.

عامر بن عبد قيس: الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب. وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان.

الخباز البلدي:

ولعنة الله على كل منله لسانان ووجهان
للشاعر الخباز البلدي، اقرأ القصيدة

الحسن: مالي أراكم أخصب شيء ألسنة وأجدبه قلوبا.

تبا لرجل فطولب بالعلامة، فقال: أنبئكم بما في نفوسكم. قالوا:

فما في نفوسنا؟ قال: أني لست بنبي.

قال عبد الأعلى السلمي القاص يوما: يزعمون أني مراء، وقد كنت أمس والله صائما، وقد صمت اليوم وما أخبرت بذلك أحدا.

للحق دولة وللباطل جولة.

قال أعرابي لرجل: إن فلانا وإن ضحك إليك فان قلبه يضحك منك، وإن أظهر شفقته عليك فإن عقاربه لتسري إليك، فإن لم تتخذه عدوا في علانيتك فلا تجعله صديقا في سريرتك.

تنبأ رجل في أيام المأمون، وكان يقول أنا أحمد النبي، فقال له: أمظلوم أنت فتنصف؟ فقال: ظلمت بضيعتي، فتقدم بإنصافه، ثم قال: ما تقول؟ قال: أنا أحمد النبي، فهل تذمه أنت؟.

[شاعر]:

لا يكذب المرء إلا من مهانتهأو عادة السوء أو من قلة الورع

[شاعر]:

أبا دلف يا أكذب الناس كلهمسواي فإني في مديحك أكذب
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة

[آخر]:

إن النموم أغطى دونه خبريوليس لي حيلة في مفتري الكذب»

الكميت في هشام:

مصيب على الأعواد يوم ركوبهالما قال فيها مخطىء حين ينزل
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «ألا هل عم في رأيه متأمل»
كلام النبيين الهداة كلامهوأفعال أهل الجاهلية يفعل

شريك بن عبد الله القاضي:

صلى وصام لدنيا كان يأملهالقد أصاب فلا صلّى ولا صاما

أنس رفعه: من مشى بالنميمة بين العباد قطع الله له نعلين من نار يغلي منها دماغه، مزرقة عيناه، يدعو بالويل والثبور.

كتب بعض السعاة إلى السفاح: جئت متنصحا وأريد ثوابا.

فوقّع: تقربت إلينا بما باعدك من الله، ولا ثواب لمن آثر عليه وخالف أمره.

الباب الثاني والسبعون الكرم، والجود، واصطناع، الأحرار، وذكر الكرام والأجواد، وأولي المروءات

أنس ﵁: أتى رسول الله ﷺ رجل فسأله، فأعطاه غنما بين جبلين. فرجع إلى قومه فقال: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء رجل لا يخاف الفاقة.

جابر بن عبد الله: ما سئل رسول الله شيئا فقال لا.

وعن محمد بن أبي السري العسقلاني: أنه رأى رسول الله في المنام، فسأله أن يستغفر له، فسكت عنه، فروى له هذا الحديث، فتبسم وقال: اللهم اغفر له.

وعنه ﵊: تجافوا عن ذنب السخي، فإن الله

يأخذ بيده كلما عثر.

وكتب الواقدي إلى المأمون رقعة فيها غلبة الدين عليه، فوقع في ظهرها: أنت رجل فيك خلتان: السخاء، والحياء. فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فقد بلغ بك ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، فأن كنا أصبنا أرادتك فازدد في بسط يدك، وإن كنا لم نصب إرادتك فجنايتك على نفسك. وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي ﷺ قال للزبير: يا زبير إن مفاتيح الرزق بازاء العرش ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثّر كثر له، ومن قلل قلل عليه. قال الواقدي: وكنت أنسيت هذا الحديث، فكانت مذاكرته إياي أعجب إليّ من صلته.

عبد الله بن جدعان:

إني وإن لم ينل مالي مدى خلقيوهاب ما ملكت كفي من المال
لا أحبس المال إلا ريث أنفقهولا يغيرني حال إلى حال

النبي ﷺ: الجواد من أصاب المال من حله، وأنفقه في حقه.

أوحى الله إلى موسى لا تقتل السامري فانه سخي.

أغار قوم طيء، فركب حاتم فرسه وأخذ رمحه ونادى في عشيرته، ولقي القوم فهزمهم وتبعهم. فقال رئيسهم: يا حاتم هب لي رمحك، فرمى به إليه، فاستمر الرجل ولم ينعطف. فقيل لحاتم:

عرضت قومك للاستئصال لو عطف عليك وأنت الرأس! فقال: قد علمت أنه التلف، ولكن ما جواب من يقول هب لي؟.

ابن المبارك: سخاء النفس عما في أيدي الناس أعظم من سخاء النفس بالبذل.

عزم مروان بن أبي الجنوب على الحج، فوصله أحمد بن أبي دؤاد فقال:

حججت بنائل ابن أبي دؤادوزرت البيت والبلد الحراما
وعندي من فواضله بدوريموت الحاسدون بها اغتماما

أبو بكر الصديق ﵁: صنائع المعروف تقي مصارع السوء. وروي مرفوعا عن علي ﵁: الكرم أعطف من الرحم.

- وعنه: الجود حارس الأعراض.

جعفر بن محمد الصادق: إن لله وجوها من خلقه، خلقهم لقضاء حوائج عباده، يرون الجود مجدا، والإفضال مغنما، والله يحب مكارم الأخلاق.

- وعنه: ما أنعم الله على عبد نعمة فلم يحتمل مؤونة الناس إلا عرّض تلك النعمة للزوال.

كان الزهري ﵀ من أسخى الناس، كان يعطي ما عنده حتى لا يبقى له شيء، فيستلف من أصحابه حتى ينزفهم، ويستلف من عبيده ويقول لأحدهم: يا فلان أسلفني وأضعف لك ذلك.

وإن جاءه سائل وما عنده شيء تغير وجهه وقال: يا فلان أبشر فسوف يأتي الله بخير.

وهب: اتخذوا اليد عند المساكين، فان لهم يوم القيامة دولة.

مر محمد بن واسع بأسود عند حائط يحفظه، وبين يديه كلب يأكل لقمة ويطعمه لقمة، فقال له: إنك تضر بنفسك، فقال: يا شيخ، عينه بحذاء عيني استحي أن آكل ولا أطعمه. فاستحسن منه ذلك، فاشتراه واشترى الحائط، وأعتقه ووهب له الحائط. فقال: إن كان لي فهو سبيل الله. فاستعظم ذلك منه، فقال: يجود هو وأبخل أنا؟ لا كان هذا أبدا.

أبو يعقوب الخريمي:

زاد معروفك عندي عظماأنه عندك مستور صغير
تتناساه كأن لم تأتهوهو عند الناس مشهور كبير
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة

لما غسل علي بن الحسين بن علي رأوا على ظهره مجولا فلم يدروا ما هو، فقال مولى له: كان يحمل على ظهره إلى أهل البيوتات المستورين الطعام، فأقول له: دعني أكفك، فيقول: لا أحب أن يتولى ذلك غيري.

كتب عبد الله بن الحسن العلوي والي الحرمين إلى المأمون يستعطفه على أهل الحرم فيما أصابهم من اجتياح السيول والحطمة فوجه إليهم بأموال كثيرة، وكتب: وصلت شكيتك لأهل حرم الله إلى أمير المؤمنين فبكاهم بعين رحمته، وأنجدهم بسيب نعمته، وهو متبع ما أسلفه إليهم بما يسلفه عليهم عاجلا أو آجلا، والسلام.

قال أبو السمط مروان بن أبي الجنوب الشاعر: أمر لي المتوكل بمائة وعشرين ألفا، وخمسين ثوبا، وثلاثة من الظهر، فقلت أبياتا في شكره. فلما بلغت قولي:

فأمسك ندى كفيك عني ولا تزدفقد خفت أن أطغى وأن اتجبرا
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

قال: والله لا أمسك حتى أغرقك بجودي، فأمر لي بضياع تقوم بمائة ألف درهم.

أحمد بن سليمان بن وهب:

ضحوك لسؤالهقطوب إذا لم يسل
للشاعر ابن وهب، اقرأ القصيدة
كأن نعم نحلةتمجّ بفيه العسل
للشاعر ابن وهب، اقرأ القصيدة

الجاحظ: مررت بحجام يحجم حجاما أيام قتل المخلوع وهو يقول: سقط والله المأمون من عيني منذ قتل أخاه. فقلت: هلك والله المأمون إذ سقط من عين مثلك. فرفع الخبر إلى المأمون فوجه إليه بدرة وقال: إن رأيت أن ترضى عني فعلت. فقال: قد فعلت.

قالوا: ما بلغ أحد من ولد خالد بن برمك مبلغه في رأيه وجوده وبأسه ونزاهته. وكان يحيى بن خالد يقول: ما أنا إلا شرارة من نار أبي العباس.

قيل لداود الطائي: أي الناس أسخى ؟ فذكر خالد بن برمك فقيل: قد وصل الفضل بن يحيى منذ نزل النهروان إلى أن دخل خرامان بثمانين ألف ألف درهم. قال: ما بلغ ذاك يوما من أيام خالد.

قيل للعباس: ما المروءة؟ قال: ترك اللذة، قيل: فما اللذة؟ قال: ترك المروءة.

وقف أعرابي على محمد بن معمر وكان سخيا فسأله، فخلع خاتمه وأعطاه وقال: لا تخدعن عن هذا الفص فانه قام عليّ بمائة دينار.

فهشم الأعرابي الخاتم وقلع فصه وقال: دونكه، فالفضة تكفيني أياما.

فقال: هذا والله أجود مني.

زرعة التغلبي:

ذريني تجد كفي بمالي أننيسأصبح لا أسطيع جودا ولا بخلا
إذا وضعوا فوق الضريح جنادلاعليّ وخليت النجيبة والرحلا

أبو العيناء: تذاكروا السخاء فاتفقوا على آل المهلب في الدولة المروانية، وعلى البرامكة في الدولة العباسية. ثم اتفقوا على أن أحمد بن أبي دؤاد أسخى منهم جميعا وأفضل.

ابن سيرين: قدم رجل من أهل المدينة بسكر فكسد عليه، فاشتراه منه عبد الله بن جعفر وأنهبه الناس.

بهرام بن هرمز: المروءة اسم جامع للمحاسن كلها.

النجاشي: لا جود مع تبذير، ولا بخل مع اقتصاد.

حسان بن تبع: العرف حصن النعم.

مر يزيد بن المهلب عند خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز بأعرابية، فذبحت له عنزا، فقال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟

قال: مائة دينار، قال: ادفعها إليها، فقال: هذه يرضيها اليسير ولا تعرفك. قال: إن كانت ترضى باليسير فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفنني فأنا أعرف نفسي.

الكريم يكرم وأن افتقر، كالأسد يهاب وإن كان رابضا. واللئيم يهان وإن أيسر، كالكلب يخسأ وإن طوق وحلي.

بعض العرب:

أبيت خميص البطن غرثان طاوياوأوثر بالزاد الرفيق على نفسي
وامنحه فرشي وأفترش الثرىوأجعل قرّ الليل من دونه لبسي
حذار أحاديث المحافل في غدإذا ضمني يوما إلى صدره رمسي
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أبيت خميص البطن غرثان جائعا»

عظم على طيء موت حاتم فادعى أخوه أن يبلغه، فقالت أمه. هيهات، فشتان ما بين خلقيكما، وضعته فبقي سبعة أيام لا يرضع، حتى ألقمت أحد ثدبي طفلا من الجيران، وكنت أنت راضعا أحدهما وآخذا الآخر بيدك، فأنّى لك؟.

أبو العباس السفاح: إني لأعجب من إنسان يفرحه إنسان فيمكنه أن يكافئه ولا يكافئه على ما أدخل عليه من السرور، أو بجعل ثوابه تسويفا وعدة. فكان لا يصدر عن السفاح أحد ممن يسره بمدح أو غيره إلا بحباء. ولم تر هذه الفضيلة في عربي ولا عجمي غيره.

[شاعر]:

يقول في العسر إن أيسرت ثانيةأقصرت عن بعض ما أهدي وما أهب
حتى إذا عاد أيام اليسار لهرأيت أمواله في الناس تنتهب

سئل إسحاق الموصلي عن المخلوع فقال: ما كان أعجب أمره كله، فأما المتبذل فما كان يبالي أين قعد مع جلسائه، وكان أعطاهم للذهب والفضة، أراد سليمان بن أبي جعفر الإنصارف ليلة فقال له: الماء

أحب إليك أم الظهر؟ فقال: الماء ألين عليّ. قال: أوقروا له زورقه ذهبا، وأمر لي بألف ألف درهم.

كان هشام بن حسان إذا ذكر يزيد بن المهلب يقول: أن كادت السفن لتجري في جوده.

شكا سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان إلى سليمان ابن عبد الملك موسى شهوات وقال: قد هجاني. فاستحضره وقال:

أتهجو سعيدا؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنا أخبرك الخبر، عشقت جارية مدنية فأتيت سعيدا فقلت له: أحب هذه الجارية، وإن مولاتها قد وقفت من ثمنها على مائتي دينار، فقال لي: بورك فيك. فقال سليمان: ليس هذا موضع بورك فيك. فأتيت سعيد بن خالد، فقال: يا جارية، هات مطرفا فأتت بمطرف خز، فصر لي فيه في كل زاوية من زواياه مائتي دينار. فخرجت وأنا أقول:

أبا خالد أعني سعيد بن خالدأخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
ولكنني أعني ابن عائشة الذيأبو أبويه خالد بن أسيد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندىفإن مات لم يرض الندى بعقيد
للشاعر موسى شهوات، اقرأ القصيدة
ذروه ذروه أنكم قد رقدتموما هو عن أحسابكم برقود

أم سعيد العثماني بنت سعيد بن العاص فلذلك قال: ابن بنت سعيد. وأم سعيد بن خالد عائشة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية أخت طلحة الطلحات فقال سليمان: قل ما شئت. ولده حتى الساعة يعرفون بني عقيد الندى.

كان يقال للفضل بن يحيى حاتم الإسلام وخاتم الأجواد. وكان يقال: حدث عن البحر ولا حرج وعن الفضل ولا حرج.

أكثم بن صيفي: عليكم بالمنائح الكريمة فإنها مدارج الشرف.

لا تغفل مروءتك وإن قرع الدهر مروتك.

كان يقال: من جاد بماله جاد بنفسه، وذلك أنه جاد بما لا قوام لنفسه إلا به.

وقف سائل على المطلب بن حنطب، فأخرج كيسا فيه

خمسمائة درهم فدفعه إليه، فبكى. فقال: ما يبكيك؟ استقللت؟ قال:

لا، ولكني أنفس على التراب أن يأكل مثلك.

المدائني: إنما سمي طلحة بن عبيد الله الخزاعي طلحة الطلحات لأنه اشترى مائة غلام وأعتقهم وزوجهم، فكل مولود له سماه طلحة.

قدم نهيك بن مالك القشيري الملقب بمنهب الورق مكة بعير عليها طعام ومتاع فأنهبه. وقد أنهب ماله بعكاظ ثلاث مرات.

فعاتبه خاله فقال:

يا خال ذرني ومالي ما فعلت بهوخذ نصيبك منه إنني مودي
إن نهيكا أبى إلا خلائقهحتى تبيد جبال الحرة السود
فلن أطيعك إلا أن تخلدنيفانظر بكيدك هل تستطيع تخليدي
الحمد لا يشترى إلا له ثمنولن أعيش بمال غير محمود

ماله معرّس الحقوق:

كان محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة سيد أهل الكوفة، وكان على أذربيجان في أيام ابن الزبير، وهو من الأسخياء الكرام حمل في يوم واحد على ألف قارح.

وسمعت الأمير الشريف ذا المناقب عليّ بن عيسى بن حمزة بن وهاس الحسنى أدام الله تأييده يقول: رأيت أمير مكة قاسم بن أبي هاشم حمل في غداة واحدة على مائة وعشرين من العراب.

محمد بن عمران التيمي: ما شيء أشد حملا من المروءة.

ثم قال: المروءة أن لا تعمل شيئا في السر تستحي منه في العلانية.

كان جعفر بن محمد يقول: اللهم ارزقني مواساة من قترت عليه رزقك بما وسعت على من فضلت.

قيل لأنوشروان: ما الجود الذي يسع الناس كلهم؛ قال: إرادة الخير لجميعهم، وبسط الوجه لهم.

له نفس فيحاء لا تضيق بالبذل، وأذن صماء لا تصيخ إلى العذل.

بعض العرب: يا بني، لا تزهدنّ في معروف، فإن الدهر ذو صروف، كم راغب كان مرغوبا إليه، وطالب كان مطلوبا ما لديه، وكن كما قال أخو بني الديل:

وعد من الرحمن فضلا ونعمةعليك إذا ما جاء للخير طالب
ولا تمنعن ذا حاجة جاء راغبافإنك لا تدري متى أنت راغب

لا يترك قضاء حقوق الكرام وإن أخذ الإفلاس منه بالكظم.

حظ نفسه من نعمته حظ ناره من وجنته.

يحيى البرمكي: أعط من الدنيا وهي مقبلة، فإن ذلك لا ينقصك منها شيئا. فكان الحسن بن سهل يتعجب من ذلك ويقول: لله دره! ما أطبعه على الكرم وأعلمه بالدنيا!.

- وقد أمر يحيى من نظمه فقال:

لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلةفليس ينقصها التبذير والسرف
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة»
فإن تولت فأخرى أن تجود بهافالشكر منها إذا ما أدبرت خلف

أحمد بن إبراهيم العبرتاني:

لا تكثري في الجود لائمتيوإذا بخلت فأكثري لومي
كفي فلست بحامل أبداما عشت هم غد على يومي

زهير:

الناس فوجان في معروفه شرعفصادر مرتو أو قارب يرد

علي ﵁: كن سمحا ولا تكن مبذرا، وكن مقدرا ولا تكن مقترا.

وعنه ﵁: لا تستح من إعطاء القليل فإن الحرمان أقل منه.

قيل للأحنف: ما الإنسانية؟ قال: التواضع عند الرفعة،

والعفو عند القدرة. والعطاء بغير منة.

لقي سليمان بن المغيرة شعبة، فشكا إليه الحاجة، وكان راكب حمار، فقال: والله ما أملك من الدنيا إلا هذا الحمار. فنزل عنه ودفعه إليه.

الشافعي رحمة الله عليه قال لابنه: والله لو علمت أن الماء البارد يثلم مروءتي ما شربته إلا حارا حتى أفارق الدنيا.

جعفر بن محمد: نظرت في المعروف فوجدته لا يتم إلا بثلاث: تعجيله، وستره، وتصغيره. إنك إذا عجلته هنأته، وإذا سترته تممته، وإذا صغرته عظمته.

دخل أعرابي على داود بن يزيد وهو بالسند، فقال: أيها الأمير، تأهب لمديحي. فلبس سواده وتقلد سيفه وخرج، فقال: يا أعرابي، لقد أخذت أهبتي، فو الله لئن أحسنت لأحسنن إليك، ولئن أسأت فلأمثّلنّ بك. فقال:

فتى تهرب الأموال من جود كفهكما يهرب الشيطان من ليلة القدر
له همم لا منتهى لكبارهاوهمته الصغرى أجل من الدهر
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
وراحته لو أن معشار عشرهاعلى البر كان البر أندى من البحر

فقال: أحسنت، فاحتكم إن شئت، أو فوض الحكم إلينا قال: بل احتكم. فاحتكم لكل بيت ألف درهم. فقال داود: لو فوضت الحكم إلينا لكان خيرا لك. فقال الأعرابي: لم يكن عند الأمير ما يسعه حكمه. فقال: أنت في هذا أشعر منك في شعرك. وأمر له مكان كل ألف بأربعة آلاف.

كان يقال: لو سقط المعروف ما سقط إلا متكئا.

[شاعر]:

ذهاب المال في حمد وأجرذهاب لا يقال له ذهاب

أبو داود بن جرير:

الجود أخشن مسا يا بني مطرمن أن يبزكموه كف مستلب
ما أعلم الناس أن الجود مدفعةللذم لكنه يأتي على النشب
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «الجود أخشن مسا يابني مطر»

سئل أعرابي عن المروءة فقال: لا يمر بك أحد إلا ناله رفدك، ولا تمر بأحد إلا رفعت نفسك عن رفده.

في الحديث المرفوع: أفضل الصدقة جهد المقل.

قال الرشيد لجعفر بن يحيى في سفر له إلى الرقة: أعدل بنا

عن غبار العسكر. فمالا عنه، فأصاب الرشيد جوع شديد، فعدل إلى خيمة أعرابي فاستطعم، فأتاه بكسيرات خبز يابس، فقال جعفر: قد تبذل الأعرابي فيما قدم. فقال الأعرابي: مهلا ويحك! فإن الجود بذل الموجود. أما سمعت قول الشاعر:

وما ذاك من بخل ولا من ضراعةيلام على معروفه وهو محسن
ألم تر أن المرء من ضيق عيشهولكن كما يزمر له الدهر يزفن

فقال الرشيد: صدق الأعرابي وأحسن. ثم أمر له بعشرة آلاف درهم.

خرج الوليد بن يزيد بن عبد الملك متصيدا، فانفرد مع الحسين ابن عبيد الكلابي، وجاع فقدم إليه نبطى خبز شعير وكراثا وزيتا رثيثا. فقال الحسين:

إن من يطعم شيئا مع الزيتبخبز الشعير والكراث
لحقيق بلطمة أو بثنتينلقبح الصنيع أو بثلاث

فقال الوليد: مه، قبحك الله! فإن الجود بذل المجهود، هلا قلت:

لحقيق ببدرة أو بثنتينلحسن الصنيع أو بثلاث

وأمر له بثلاث بدر.

فيلسوف: آفة الجود الخطأ بالمواضع.

أنوشروان: اصطناع السفلة خطيئة كبيرة، وندم في العواقب.

قرىء على شيخ شامي مآثر غطفان، فقال: ذهبت المكارم إلا من الكتب.

محمد بن عمران التيمي: إنّا والله لا نجمد عند الحق، ولا نذوب عند الباطل.

كان عبد العزيز بن مروان: يعطي الناس صنوف العطايا، فقام مصري فقال: أصلح الله الأمير، وجدنا لزهير بيتا في وصف النعمان واعطائه ضربا من العطايا ما ذكر لغيره، وأنشده:

فأين الذي قد كان يعطيهم القرىبغلاتهن والحسان الغواليا

فتبسم عبد العزيز، وأمر له بثلاث قريات.

[شاعر]:

ومعشر صيد ذوي تجلةترى عليهم للندى أدلة

غيره:

فليت عن العلى وربأت فيهافلم أر كالصنائع في الكرام

كسرى: اجتماغ المال عند الأسخياء أحد الخصبين، واجتماعه عند البخلاء أحد الجدبين.

أعرابي: لوقوع فلان في ضحضاح معروفه لغرق.

بعض السلف: الأيدي ثلاث: يد بيضاء وهي الابتداء بالمعروف، ويد خضراء وهي المكافأة، ويد سوداء وهي المن.

كتب كلثوم بن عمرو إلى كريم رقعة في آخرها:

إذا تكرهت أن تعطي القليل ولمتقدر على سعة لم يظهر الجود
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «ظل اليسار على العباس ممدود»
بثّ النوال ولا يمنعك قلتهفكل ما سد فقرا فهو محمود

نشاطره ماله، حتى بعث إليه نصف خاتمه وفرد نعليه.

باع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضا له بثمانين ألفا، فقيل له: واتخذت لولدك من هذا المال ذخرا، قال: بل أجعله ذخرا لي عند الله، واجعل الله ذخرا لولدي. وقسمه بين ذوي الحاجة.

استحمل رجل معن بن زائدة، فقال: يا غلام، أعطه بعيرا وبرذونا وفرسا وبغلا وجارية، ولو وجدنا مركوبا غير هذا لأعطيناك.

يحيى بن خالد: ما سقط غبار موكبي على لحية أحد إلا أوجبت حقه.

الحسن: لا يرد الأمراء إلا مراء أو أحمق.

أعرابي: إذا أوقدوا شبوا، وإذا اصطنعوا ربوا.

بعض السلف: صاحب المعروف لا يقع، وإن وقع وجد متكئا.

كان خالد بن عبد الله يدعو بالبدر ويقول: إنما هذه الأموال ودائع لا بد من تفريقها. فقال له أسد بن عبد الله. وقد وفد عليه من خراسان: هدأة أيها الأمير، إن الودائع إنما تجمع ولا تفرق. قال:

ويحك! إنها ودائع للمكارم، وأيدينا وكلاؤها، فإذا أتانا المملق فأغنيناه، والظمآن فأرويناه، فقد أدينا فيها الأمانة.

مالك بن دينار: لو كنت شاعرا لرثيت المروءة.

المهلب: العجب لمن يشتري المماليك بماله كيف لا يشتري الأحرار بفعاله؟.

أبو دلف العجلي:

إن المكارم كلها حسنوالجود أحسن ذلك الحسن
كم عارف بي لست أعرفهومخبر عني ولم يرني

نزل بأبي البختري وهب بن وهب القرشي ضيف، فسارع إلى إنزاله عبيده وخدمه، وخدموه أحسن خدمة، وفعل به هو كل جميل.

فلما هم بالرحيل لم يقربه أحد منهم وتحاموه، فأنكر ذلك، فقالوا: نحن إنما نعين النازل على الإقامة ولا نعينه على الرحيل. فبلغ ذلك أحد القرشيين فقال: لفعل هؤلاء العبيد أحسن من رفد سيدهم.

الأحنف: ما شاتمت منذ كنت رجلا، ولا زحمت ركبتاي ركبتيه، وإذا لم أصل مجتدي حتى ينتح جبينه عرقا كما ينتح الحميت فو الله ما وصلته.

استسرف الحسن والحسين عبد الله بن جعفر في الجود، فقال: بأبي أنتما وأمي، إن الله عودني أن يفضل عليّ، وعودته أن أفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة فينقطع مني.

الأصمعي: اجتمع الناس في جامع البصرة للصلح بين أحياء، فبعثت وأنا غلام إلى عبد الله بن عبد الرحمن القعقاعي، فوجدته في شلمة يخلط بزرا لعنز، فأخبرته، فأمهل حتى أكلت العنز، ثم غسل الصحفة وأني بتمر وزيت، فدعاني، فقذرته، فأكل وغسل يده بطين ملقى في الدار، ثم دعا بالماء فشرب ومسح فضله على وجهه. ثم قال:

الحمد لله، ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام، متى تؤدي شكر هذه النعم؟ ثم أتى المسجد فصلى ركعتين، ومشى إلى القوم، فما بقيت حبوة إلا حلت أعظاما له. ثم جلس فتحمل ما كان بين الأحياء، فلم أر

رجلا أحقر أولا وأجمل آخرا منه.

وفد حاتم وأوس بن حارثة على عمرو بن هند: فقال لأوس: أأنت أفضل أم حاتم؟ فقال: أبيت اللعن، لو ملكني حاتم وولدي ولحمتي لوهبنا في غداة واحدة. ثم دعا حاتما فقال: أنت أفضل أم أوس؟ فقال: أبيت اللعن، إنما ذكرت بأوس، ولأحد ولده أفضل مني.

ويحكى أن النعمان بن المنذر وفدت عليه الوفود وفيهم أوس، فقال: احضروا غدا، فأني ملبس هذه الحلة أكرمكم. فتخلف أوس وقال: إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء أن لا أكون حاضرا، وإن كنت المراد فسأطلب. فلما ير الملك أوسا قال: قولوا له احضر آمنا ما خفت.

فلما لبس الحلة حسد، فقيل للحطيئة: أهجه ولك ثلاثمائة ناقة.

فقال: أأهجو من لا أرى في بيتي أثاثا ولا مالا إلا منه ثم قال:

كيف الهجاء وما تنفك صالحةمن آل لام بظهر الغيب تأتيني

فقال بشر أنا أهجوه لكم، فأخذ الإبل. فأغار عليها أوس فاكتسحها وطلبه.

فجعل لا يستجير بحي من أحياء العرب إلا قالوا: قد أجرناك من الجن والأنس إلا من أوس. وكان قد ذكر أمه في هجائه، وأتي به أسيرا، فاستشارها فقالت: أرى أن ترد عليه ماله وأنا أعطيه مثله، فأنه لا يمحو الهجاء إلا مدحه. ففعل، فقال: لا جرم والله، لا مدحت أحدا غيرك ما عشت. ثم مدحه فقال:

إلى أوس بن حارثة بن لامليقضي حاجتي فيمن قضاها
فما وطأ الحصى مثل ابن سعديولا لبس النعال ولا احتذاها

وفدت ليلى الأخيلية على الحجاج فقالت فيه:

إذا ورد الحجاج أرضا مريضةتتبع أقصى دائها فشفاها
شقاها من الداء العقام الذي بهاغلام إذا هز القناة سقاها

فقال: لا تقولي غلام، قولي همام. يا غلام أعطها خمس مائة.

فقالت: أيها الأمير اجعلها أدما. فقيل: إنما أمر لك بشاء. فقالت:

الأمير أكرم من ذاك. فجعلها إبلا إناثا.

إذا رغبت في المكارم فاجتنب المحارم.

[شاعر]:

وسمت امرء بالعرف ثم اصطنعتهومن أكمل المعروف رب الصنائع

أبو الفياض الطبري:

والعز ضيف لا يراه بربعهمن لا يرى بذل التلاد تلادا
والجود أعلى كعب كعب قبلنافمضي جوادا يوم مات جودا

آخر:

لا تضع المعروف في ساقطلذاك صنع ساقط ضالع
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «لا تضع المعروف في ساقط»
وضعه في حر كريم يكنعرفك مسكا عرفه ضائع
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «لا تضع المعروف في ساقط»

بعضهم: كنا عند سعيد بن أبي عروبة»

في بيته، وفيه

حصير، وقفة فيها خبز، وجرة، إذ دخل رجل فمر إلى القفة فأكل، ثم شرب من الجرة، ثم خرج. فجعلنا نلتفت إليه. فقال سعيد: أي شيء تنظرون؟ فو الله ما أدري من هو، ولكن كذلك أدركنا.

الجود والشجاعة ينبعان من عين واحدة وهي قوة النفس وبعد الهمة. وكانوا يقولون: لا يكون الشجاع إلا جوادا. حتى نقض ذلك عبد الله بن الزبير، فإنه كان شجاعا وكان يبخل. قال أبو تمام.

أيقنت أن من السماح شجاعةوعلمت أن من الشجاعة جودا

علي ﵁: السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمم.

أبو الرميح حبيب بن شوذب الأسدي:

فك السري عن الندى أغلالهفجرى وكان مكبلا مغلولا
وتعاقدا العقد الوثيق وأشهدامن كل قوم مسلمين عدولا
ووفي الندى لك بالذي عاقدتهووفي السري فما يريد بديلا

- وله في الحكم بن المطلب المخزومي:

أنت أنف الجود إن فارقتهعطس الجود بأنف مصطلم
أنت أنف الجود تنمى صاعداللمعالي وابن عرنين الكرم

بكر بن صرذ:

لجواد من بني مطرأتلفت كفاه ما صنعا
كلما عدنا لنائلهافتررنا جوده جذعا

بشر بن مسعود البكري:

بحر إذا حلت الوراد ساحتهلم تثنهم علل منه عن العلل

وأحسن منه قول أبي تمام في مديح كعب:

هو البحر من أي النواحي أتيتهفلجته المعروف والجود ساحله
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «هو البحر من أي النواحي أتيته»
كريم إذا ما جئت للعرف سائلاحباك بما تحوي عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير نفسهلجاد بها فليتق الله سائله
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

محمد البجلي:

وله مواهب كلما نسبتفينا إليه زانها النسب
ومن المواهب ما يكدرهويشينه قدر الذي يهب

أبو الخطاب الهذلي:

الجود طبع وما يستطيعه أحدإلا امرؤ أبواه الدين والكرم

معن بن زائدة:

دعيني أنهب الأموال حتىأعف الأكرمين عن اللئام

القضم البكائي:

وتندى البطاح البيض من جود خالدويخصبن حتى نبتهن عميم

أتى قيس بن جفاف البرجمي حاتما يسأله في حمالة وقال:

حملت دماء للبواجم جمةفجئتك لما أسلمتني البراجم
وقالوا سفاها لم حملت دماءنافقلت لهم يحمي الحمالة حاتم
متى آته فيها يقل لي مرحباوأهلا وسهلا أخطأتك الأشائم
فيحملها عني وإن شئت زادنيزيادة من حيزت إليه المكارم
يعيش الندى ما عاش حاتم طيءوإن مات قامت للسخاء مآتم

بعضهم:

وأني امرؤ لا تستقر دراهميعلى الكف إلا عابرات سبيل

ابن الرومي:

العرف غيث وهو منك مؤملوالبشر برق وهو منك مشيم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لأمورك التكميل والتتميم»
ألقحت أمّ الجود بعد حيالهاونتجت بنت المجد وهي عقيم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لأمورك التكميل والتتميم»

حمل نصر بن أحمد إبريق ذهب رفيع ونقش عليه بيتين

للمرادي:

طالب الدنيا جميعاطالب ما ليس يوجد
إنما الدنيا عروسزوجها نصر بن أحمد

فأبصره نصر فقال: لمن البيتان؟ قالوا: لفلان. فأمر بحمل الإبريق إليه وقال: هو أولى به مني.

سأل يزيد بن معاوية الأحنف عن المروءة، فقال: التقى والاحتمال، ثم أطرق هنيئة فقال:

وإذا جميل الوجه لميأت الجميل فما جميل
ما خير أخلاق الفتىإلا تقاه واحتماله

فقال يزيد: أحسنت يا أبا بحر، وافق البم زيرا. فقال الأحنف:

هلا قلت وافق المعنى تفسيرا.

أبو النيار الراجز:

إذا نزل الفضل بن يحيى ببلدةرأيت بها عشب السماحة ينبت
للشاعر أبو التيار الراجز، اقرأ القصيدة
وليس بسعال إذا سيل حاجةولا بمكب في ثرى الأرض ينكت
للشاعر أبو التيار الراجز، اقرأ القصيدة

قال خالد بن يزيد بن معاوية وكان جوادا: من جاد بماله فقد جاد بنفسه، لأنه جاد بما لا قوام لنفسه إلا به.

أضاق بشير بن عبد الله المدني فخرج إلى العباس بن الوليد ابن عبد الملك وهو بحمص فأعطاه مالا كثيرا وأغناه. ثم كتب إليه صديقه عمران بن أبي فروة يجزع من فراقه، ويلوم نفسه على ترك مواساته إياه بماله، فأهدى العباس لعمران ثيابا ومالا، وقال لبشير: إن لعمران علينا ذماما بعودتك، ولائمته نفسه في البخل عنك.

دخل طلحة بن عبد الله بن عوف سوق الظهر يوما، فوافق فيه الفرزدق فقال: يا أبا فراس: اختر عشرا من الإبل، ففعل. فقال: ضم إليها مثلها، ففعل. فلم يزل يقول ذلك حتى بلغت مائة، فقال: هي لك، فقال:

يا طلح أنت أخو الندى وعقيدهإن الندى إن مات طلحة ماتا
إن الندى ألقى إليك رحالهفبحيث بت من المنازل باتا

وقدم الفرزدق المدينة، فتلقاه من نعى إليه طلحة، فقال:

بفيك التراب والحجر.

ودخل من رأس لشنية يولول ويقول: يا أهل المدينة، أنتم أذل قوم في الأرض. قالوا: وما ذاك؟ قال: غلبكم الموت على طلحة.

وروي: كيف تركتم طلحة يموت.

قالت امرأة طلحة له: ما رأيت الأم من أخوانك! أراهم إذا أيسرت لزموك. وإذا أعسرت تركوك. قال: هذا والله من كرمهم. يأتون في حال القوة، ويتركون في حال الضعف بنا عنهم.

وخرج طلحة ومع غلامه سبعة آلاف درهم، فقال له أعرابي:

أعن على الدهر. فقال لغلامه: أنثرها في حجر الأعرابي. فذهب يقلها فعجز عنها وبكى. فقال: لعلك استقلتها. قال: لا والله، ولكن تفكرت فيما تأكل الأرض من كرمك فبكيت.

قدم زياد الأعجم على عبد الله بن الحشرج بنيسابور، فأنزله وألطفه، وبعث إليه بألف دينار فقال:

إن السماحة والمروءة والندىفي قبة ضربت على ابن الحشرج
للشاعر زياد الأعجم، اقرأ القصيدة

فقال: زدني، فقال: كل شيء وثمنه.

قدم أمية على عبد الله بن جدعان، فقال له: أمر ما أتى بك. قال: نعم، غرماء كلاب قد نبحتني ونهشتني. قال: قدمت عليّ وأنا عليل من حقوق قد لزمت لا تدفع، فأنظرني حتى نجم مالي، وقد

ضمنت دينك، فأنظره أياما، ثم أتاه فقال:

أتترك حاجتي أم قد كفانيحياؤك إن شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرملك الحسب المهذب والسّناء
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»
كريم لا يغيره صباحعن الخلق الكريم ولا مساء
يباري الريح مكرمة وجوداإذا ما الكلب أحجره الشتاء
فيوم منك خير من أناستروح عليهم إبل وشاء
إذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرضه الثناء
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «أأذكر حاجتي أم قد كفاني»
وأرضك أرض مكرمة بنتهابنو تيم وأنت لها سماء

فقضى دينه. وكانت عنده قينتان، فقال: اختر أحديهما. فأخذها ومر بمجلس قريش فلاموه، وقالوا: أخذتها وهي أنسه، فلو رددتها كان أوفر لحظك عنده. فتذمم وردها. فقال: لعل قريشا لاموك؟ قال:

والله يا أبا زهير ما أخطأت، وأنشده:

عطاؤك زين لامرىء إن حبوتهببذل وما كل العطاء يزين
وليس بشين لامرىء بذل وجههإليك كما بعض السؤال يشين

فقال: خذ بأيديهما. فخرج وهو يقول:

ومالي لا أحييه وعنديمواهب يطّلعن من النجاد
لأبيض من بني تيم بن كعبوهم كالمشرفيات الحداد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «وما لي لا أحييه وعندي»
له داع بمكة مشمعلوآخر فوق ذورته ينادي
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «وما لي لا أحييه وعندي»
إلى ردح من الشيزي ملاءلباب البر يلبك بالشهاد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «وما لي لا أحييه وعندي»
لكل قبيلة هاد ورأسوأنت الرأس يقدم كل هادي
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «وما لي لا أحييه وعندي»

احتضر الحكم بن المطلب، وكان من الأسخياء، فأصابته غشية. فقيل: اللهم هون عليه فإنه كان وكان. فأفاق فقال: إن ملك الموت يقول: إني بكل سخي رفيق.

وفد أبو عطاء السندي على نصر بن سيار بخراسان مع رفيقين له. فأنزله وأحسن إليه، وقال: ما عندك يا أبا عطاء؟ قال: وما عسى أن أقول وأنت أشعر العرب؟ غير أني قلت بيتين، قال: هاتهما فقال:

يا طالب الجود إما كنت تطلبهفاطلب على نأيه نصر بن سيار
الواهب الخيل تعدو في أعنتهامع القيان وفيها ألف دينار

فأعطاه ألف دينار ووصائف ووصفاء، وحمله وكساه. فقسم ذلك بين رفيقيه لم يأخذ منه شيئا. فبلغه ما فعل فقال: ماله قاتله الله من سندي!؟

ثم أمر له بمثله.

كان المتوكل إذا ركب حملت معه الدراهم والدنانير مخلوطة، فلا يدنو منه أحد إلا قال: يا غلام اضرب يدك أحث له. وكان يسقي بعرفات الأسوقة والجلاب وأنواع الشراب.

كان لعثمان على طلحة ﵄ خمسون ألفا.

فخرج عثمان إلى المسجد فقال له طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه. فقال:

هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك.

خرج الحسنان، وعبد الله بن جعفر، وأبو حبة الأنصاري من مكة إلى المدينة، فأصابتهم السماء، فلجأوا إلى خباء أعرابي، فأقاموا عنده ثلاثا حتى سكت السماء، وذبح لهم، فلما ارتحلوا قال له عبد الله بن جعفر: إن قدمت المدينة فسل عنا.

فاحتاج الأعرابي بعد سنين، فقالت له امرأته: لو أتيت المدينة فلقيت أولئك الفتيان، فقال: قد أنسيت أسماءهم، قالت: سل عن ابن الطيار. وفاه. فقال: الحق سيدنا الحسن، فلقيه فأمر له بمائة ناقة بفحولتها ورعاتها، ثم أتى الحسين فقال: كفانا أبو محمد مؤونة الإبل.

فأمر له بمائة شاة. ثم أتى عبد الله فقال: كفاني أخواي الإبل والشاء فأمر له بمائة ألف درهم. ثم أتى أبا حية فقال: والله ما عندي مثل ما أعطوك، ولكن جئني بإبلك، فأوقرها له تمرا. فلم يزل اليسار في أعقاب الأعرابي.

أراد ابن عامر أن يكتب لرجل خمسين ألفا، فجرى القلم بخمس مائة ألف. فراجعه الخازن، فقال: أنفذه فوالله لانفاذه أحسن، وإن جرح المال أحسن من الاعتذار. فاستسرفه، فقال: إذا أراد الله بعبد خيرا حرف القلم عن مجرى إرادة كاتبه إلى إرادته، وأنا أردت شيئا وأراد

الجواد الكريم أن يعطي لعبده عشرة أضعافه، فكانت إرادة الله الغالبة، وأمره النافذ.

وقف أعرابي على ابن عامر فقال: يا قمر البصرة وشمس الحجاز ويا ابن ذروة العرب، وترب بطحاء مكة، نزعت بي الحاجة، وأكدت بي الآمال إلا بفنائك، فامنحني بقدر الطاقة والوسع، لا بقدر المحتد والشرف والهمة. فأمر له بعشرة آلاف. فقال: ماذا؟ تمرة أو رطبة أو بسرة؟ قيل: بل دراهم. فصعق. ثم قال: رب إن ابن عامر يجاودك، فهب له ذنبه في مجاودتك.

وتعشى الناس عند سعيد بن العاص، فلما خرجوا بقي فتى من الشام قاعدا. فقال له سعيد: ألك حاجة؟ وأطفأ الشمعة كراهة أن يحصر الفتى عن حاجة، فذكر أن أباه مات وترك دينا وعيالا، وسأله أن يكتب له إلى أهل دمشق ليقوموا بإصلاح بعض شأنه. فأعطاه عشرة آلاف دينار، وقال: لا تقاس الذل على أبوابهم، قال بعض القرشيين. لإطفاؤه الشمعة أكثر من عشرة آلاف.

قال المأمون لمحمد بن عباد: بلغني أن بك سرفا. قال:

يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظن بالمعبود. فأمر له بمائة ألف، وقال: أما مادتك، والله مادتي، فأنفق ولا تبخل.

سمع المأمون قول عمارة بن عقيل:

أأترك أن قلّت دراهم خالدزيارته إني إذا للئيم
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

فقال: أو قلت دراهم خالد ؟ احملوا إليه مائتي ألف درهم، فعشرها خالد لعمارة. وقال: هذا مطر من سحابة.

الباب الثالث والسبعون اللؤم، والشح، وذكر اللئام، والشحاح وما جاء في ذمهم والنداء على سوء طريقتهم

عبد الله بن عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ: إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم.

أبو هريرة ﵁: قتل رجل على عهد رسول الله، فبكت باكية فقالت: واشهيدها! فقال ﵇: وما يدريك؟ لعله كان يتكلم بما لا يعنيه. ويبخل بما لا يملك.

ومر علي ﵁ على مزبلة فقال: هذا ما بخل به الباخلون.

- وعنه: البخل جامع لمساوىء العيوب، وهو زمام يقاد به إلى كل سوء.

أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز: أنت للبخل، لو كان قميصا ما لبسته. أو كان طريقا ما سلكته.

عبد الملك: يا بني مروان، لا تبلخوا إذا سئلتم، ولا تلحفوا إذا سألتم، فإنه من ضيّق الله عليه.

كان عمرو بن حفص بن سالم لا يسأله أحد من أهله حاجة إلا قال لا.

فقال له عمرو بن عبيد: أقلل من قول لا، فإنه ليس في الجنة لا.

كان خالد بن صفوان إذا حصل في يده درهم قال: يا عياركم

تعير ؟ وكم تطوف وتطير؟ لأطيلن ضجعتك. ثم يطرحه في الصندوق ويقفل عليه.

أبو عون الأنباري:

لحاتم في بخله فطنةأدق حسا من خطا النمل
فحاتم الجود أخو طيءوكان هذا حاتم البخل

علي بن هشام بن فرخسرو:

هبيني جمعت المال ثم خزنتهفحانت وفاتي لا أزاد به عمرا
إذا اختزن المال البخيل فإنهسيورثه خصما ويحتقب الوزرا

كان أحيحة بن الجلاح يبخل، فإذا هبت الصبا أطلع من أطمه فنفر إلى ناحية هبوبها ثم يصيح: هبي هبوبك، فقد أعددت لك ثلاثمائة وستين صاعا من عجوة، أدفع إلى الوليد منها خمس تمرات،

فيرد عليّ ثلاثا، وبعد جهد ما يلوك منها ثنتين.

استأذن جحظة على صديق له مبخل، فقيل: هو محموم، فقال: كلوا بين يديه حتى يعرق.

قيل لأبي عمرو الأعرج، وقد خرج إلى مكة مع نوفل بن عمارة المخزومي، كيف صحبته؟ قال: امرأتي طالق إن لم يكن ظن بظني أنه قد ضربت عنقي، لأنه كان يمكث ثلاثة أيام لا يدخله شيء.

سأل المأمون اليزيدي عن ابنه العباس فقال: رأيته وقد ناوله الغلام اشنانا ليغسل يده، فاستكثره فرد بعضه في الأشناندانة ولم يلقه في الطست، فعلمت أنه بخيل لا يصلح للملك.

عمل سهل بن هارون كتابا في مدح البخل أهداه إلى الحسن ابن سهل، فوقع على ظهره: قد جعلنا ثوابك عليه ما أمرت به فيه.

ابن أبي فنن:

ذريني واتلافي التلاد فإننيأحب من الأخلاق ما هو أجمل
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
فأحمد ناريّ التي جرتّ القرىوأحمد زاديّ القريب المعجل
وإن أحقّ الناس باللوم شاعريلوم على البخل الرجال ويبخل
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

لما مات الأصمعي اشتروا من ماله جزورا فنحروها عنه فقال العتبي: والله لو عاش لما أراد الحياة بما نقصوه من ماله، ولو بذلت له الجنة بدرهم ما رضي أو تستنقص شيئا.

قيل لجعفر بن محمد: إن أبا جعفر المنصور لا يلبس منذ استخلف إلا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب. قال: لم يا ويحه، مع ما مكن الله من السلطان وجبي إليه من الأموال؟ فقيل: بخلا وجمعا للمال. فقال: الحمد لله الذي حرمه من دنياه ما ترك له دينه.

قال أعرابي لنازل به: نزلت بواد غير ممطور، برجل بك غير مسرور، فأقم بعدم، أو ارحل بندم.

سمع شامي خفق نعل داخل عليه، وبين يديه فراريج مشوية،

فغطاها بذيله، وأدخل رأسه في جربّانه، وقال: انتظرني على الباب حتى أفرغ من بخوري.

قيل لجمين: أتغديت عند فلان؟ قال: لا، ولكن مررت ببابه وهو يتغدى، قيل: كيف علمت؟ قال: مررت بغلمانه وبأيديهم قسي البنادق يرمون الطير في الهواء.

لما قال أبو العتاهية:

سافر بطرفك حيث شئت فلا ترى إلا بخيلا قيل له: بخلت الناس كلهم. قال: كذبوني بواحد.

الحمدوني:

رأيت أبا زرارة قال يومالحاجبه وفي يده الحسام
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
حلال الله من أهل ومالعليه وهو ما يحوي حرام
لئن حضر الخوان ولاح شخصلاختطفن رأسك والسّلام
فقال سوى أبيك فذاك شيخبغيض ليس يردعه الكلام
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
فقال وقام من حنق إليهبقد لم يزد فيه القيام
أبي وأبو أبي والكلب عنديبمنزلة إذا حضر الطعام
وقال له أبن لي يا ابن كلبعلى خبزي أصادر أو أخام
إذا حضر الطعام فلا حقوقعليّ لوالديّ ولا ذمام
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة
فما في الأرض أقبح من خوانعليه الخبز يحضره الزحام
للشاعر الحَمدَوي، اقرأ القصيدة

قيل لبخيل: من أشجع الناس؟ قال: من يسمع وقع أضراس الناس على طعامه فلا تنشق مرارته.

أعرابي: فصح الألسنة يرد السائل جذم الأكف عن النائل.

كتب أنوشروان إلى ابنه هرمز: لا تعد الشحيح أمينا، ولا الكذاب حرا، فإنه لا عفة مع الشح، ولا مروءة مع الكذب.

كان متكوبا على خوان كسرى: اتق الشح، فإنه أدنس شعار، وأوحش دثار.

أمر عبد الله بن الزبير لأبي جهم العدوي بألف درهم، فدعا له وشكر. فقال له: بلغني أن معاوية أمر لك بمائة ألف فتسخّفتها وشكوته، وقد شكرتني. فقال أبو الجهم، بأبي أنت! اسأل الله أن يديم لنا بقاءك، فإني أخاف أن فقدناك أن يمسخ الناس قردة وخنازير. كان ذاك من معاوية قليلا، وهذا منك كثير. فأطرق عبد الله ولم ينطق.

[شاعر]:

كفاك لم يخلقا للندىولا كان بخلهما بدعة
فكف عن الخير مقبوضةكما نقصت مائة سبعة
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
وكف ثلاثة آلافهاوتسع مئيها لها شرعة
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

دخل هشام بن عبد الملك بستانا له، فأكل أصحابه من ثمارها، وقالوا: بارك الله لك فيها. فقال: كيف يبارك فيها وأنتم تأكلونها.

كان يقال: الجواد يأكل ماله، والبخيل يأكله ماله.

ثواب الجود خلف، وثواب البخل تلف.

ما هو إلا سمرة، لا ظل ولا ثمرة.

لو سئل نفاثة سواك ما أعطى.

فلان لا ينطق أبدا بنعم فوه، ولا ينطلق بنعم على من يعفوه. لو بدل الله قمله غنما، ما طمع الجار منه في صوفه.

قيل لجمين: أما يكسوك محمد بن يحيى؟ قال: لو كان له بيت مملوء إبرا، وجاءه يعقوب ومعه الأنبياء شفعاء، والملائكة ضمناء، يستعير منه إبرة، ليخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبر، ما أعاره إياها. فنظمه من قال:

لو أن دارك أنبتت لك واحتشتإبرا يضيق بها فناء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرةليخيط قدّ قميصه لم تفعل

العيوب كلها مجموعة في مسك بخيل، مصبوبة على هامة الشحيح.

شر ما في الكريم أن يمنعك جداه، وخير ما في اللئيم أن يكف عنك أذاه.

نزل ابن أحمر الشاعر على عمارة بن مسروق، فقيل له:

على من نزلت؟ قال على أبي الخصيب والخبز من عندي. قيل: وكيف؟

قال: لأن خبزه مكتوب عليه: لا حافظ إلا الله، وهو في ثني الوسادة، وهو متكىء عليه.

بدر الموصلي:

لذبح عمران على ردةوحمله حولا على روق
أيسر من إنفاقه درهماعلى أبيه وهو في السوق

الحجاج بن علاط البهزي:

بخيل يرى في الجود عارا وإنمايرى المرء عارا أن يضن ويبخلا
إذا المرء أثرى ثم لم يرج نفعهصديق فلاقته المنية أولا

المنذر بن صخر الأسدي:

إذا المجلس العبدي يوما تقابلوارأى كلهم وجها لئيما يقابله
وإن سيل أي الناس الأم والداأشار إلى العبدي من أنت سائله

مالك بن سوار الطائي:

ثوى اللؤم في العجلان يوما وليلةوفي دار مروان ثوى آخر الدهر
ولما أتى مروان ألقى رحالهوقال رضينا بالمقام إلى المحشر

دعبل: كنا عند سهل بن هارون فلم نبرح حتى كاد يموت من الجوع. فقال: ويحك يا غلام غدنا. فأتى بقصعة فيها ديك مطبوخ، فسمى ثم قال: أين الرأس؟ قال: رميت به. فقال: والله أني لامقت من يرمي برجليه فكيف برأسه، ولو لم أكره مما صنعت إلّا الطيرة والفأل لكرهته، الرأس رئيس الأعضاء، ومنه يصدح الديك. ولولا صوته ما أريد، وفيه فرقه الذي يتبرك فيه. وعينه التي يضرب بها المثل فيقال:

شراب كعين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم تر عظما أهش تحت الأسنان من عظم رأسه. وهلا إذ ظننت أنني لا آكله ظننت أن العيال يأكلونه، وإن كان قد بلغ من نبلك أنك لا تأكله فإن عندنا من يأكله. أما علمت أنه خير من طرف الجناح ومن رأس العنق. أنظر لي أين هو؟ قال:

والله ما أدري أين رميت به. قال: لكني والله أدري، رميت به في بطنك فالله حسيبك.

أنشد الجاحظ لأبي الشمقمق:

ممن تعلمت هذاأن لا تجود بشيء
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «لما سألتك شيئا»
أما مررت بعبدلعبد حاتم طيء
للشاعر أبو الشمقمق، من قصيدة «لما سألتك شيئا»

سأل أعرابي قوما، فرق له أحدهم فضمه إليه، وأجرى عليه أياما ثم قطع. فقال:

نسرى فلما حاسب المرء نفسهرأى أنه لا يستقيم له السرو

بعضهم:

إن هذا الفتى يصون رغيفاما إليه لناظر من سبيل
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
هو في رقعتين من أدم الطائففي سلتين في منديل
في جراب في مخدع جوف صندوقله عند خازن مغلول
وعلى السلتين قفلان مفتاحاهما في جوار ميكائيل
ختمت كل سلة برصاصوسيور تقد من جلد فيل
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة

الصاحب: جئت في اللؤم بنادر، لم تهتد إليه فطنة مادر.

الحسن: ما لقيت أمة من الشح ما لقيت هذه الأمة، حتى أن أحدهم ليكسر عظام أخيه عظما عظما، هات درهما، هات درهما. فهذا عاض عليه، وهذا ملح عليه.

إذا سألت لئيما فغافصه، ولا تدعه يفكر، فأنه كلما تفكر ازداد بعدا.

ربعي الهمداني:

جمعت صنوف المال من كل وجهةوما نلتها إلا بكف كريم
وإني أرجيّ أن أموت وتنقضيحياتي وما عندي يد للئيم

أحمد بن عبد الصمد الرقاشي:

أقاموا الديدبان على بفاعوقالوا لا تنم للديدبان
فإن أبصرت شخصا من بعيدفصفق بالبنان على البنان
تراهم خشية الأضياف خرسايقيمون الصلاة بلا آذان
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

قال تميم بن مر لولده: يا بني امنعوا، فلئن تكونوا مباخلين مسؤولين خير من أن تكونوا أجاويد سائلين.

- من الناس من يبخل بالطعام وهو جواد بغيره وبالعكس، قال:

أبو دلف يضيّع ألف ألفويضرب بالحسام على الرغيف
أبو دلف لمطبخه قتارولكن دونه سل السيوف

وكان الأمين على فرط سخائه بخيلا بالطعام جدا.

معن بن زائدة في أخيه مزيد:

لا تسألن أبا داود خلعتهعدل على مزيد في الخبز واللبن

الباب الرابع والسبعون الألوان، والنقوش، والوشم، والتصاوير، وذكر الخضاب وما أشبه ذلك

النبي ﷺ: البياض نصف الحسن. وكان رسول الله أبيض أزهر. والخلص من ولد إسماعيل بيض.

قال حسان:

بيض الوجوه كريمة أحسابهمشم الأنوف من الطراز الأول
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

وعنه ﵇: إن الله خلق الجنة بيضاء وإن أحب الثياب إلى الله البيض، فليلبسها أحياؤكم، وكفنوا فيها موتاكم.

- وعنه: ابرقوا فان دم عفراء أزكى عند الله من دم سوداوين.

وعنه: جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، اتخذت غنما رجوت نسلها ورسلها، وإني لا أراها تنمى. فقال: ما ألوانها؟ قالت:

سود. قال عفري.

عن ابن عمر: أنه بعث رجلا يشتري له أضحية، فقال: اشتره كبشا أملح.

وروى أن الكبش الذي فدي به إسماعيل كان أبيض أعين أقرن، وكنا نتحرى تلك الصفة في أضاحينا.

قالوا: الصفرة أشكل، والحمرة أجمل، والخضرة أنبل السواد أهول، والبياض أفضل.

بعض أولاد الرشيد: لو لم يكن من عيب الأسود، إلا أنه لا يرى أثر الضرب في بدنه، وإن أوجعه كما يراه الأبيض فيروعه فلا يعاود الذنب، وأنه لا يتبين في وجهه ما يتبين في وجه الأبيض من حمرة الخجل وصفرة الوجل لكفى به.

هشام بن عمار: حلق الأسود كلونه.

رأى عبادة سوداء عليها وقاية حمراء فقال: كأنها فحمة في رأسها نار.

نظر الجماز إلى سوداء عليها معصفرات فقال: كأنها بعرة عليها رعاف.

الحيقطان»

لئن كنت جعد الرأس واللون فاحمفإني لسبط الكف والعرض أزهر
وإنّ سواد اللون ليس بضائريإذا كنت يوم الروع بالسيف أخطر

قال نصيب لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، كبرت سني، ورق عظمي وبليت ببنيات نفضت عليهن من لوني فكسدن. فرق له ووصله.

دخل إبراهيم بن المهدي على المأمون، فقال: إنك يا عم الخليفة الأسود. فتمثل ببيتي نصيب:

أشعار عبد بني الحسحاس قمن لهيوم الفخار مقام الأصل والورق
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة
إن كنت عبدا فنفسي حرة كرماأو أسود اللون إني أبيض الخلق
للشاعر سحيم، اقرأ القصيدة

فقال: يا عم، أخرجك الهزل إلى الجد. ثم أنشد:

ليس يزري السواد بالرجل الشهمولا بالفتى الأريب الأديب
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
إن يكن للسواد منك نصيبفبياض الأخلاق منك نصيبي
للشاعر الأمين العباسي، من قصيدة «ليس يزري السواد بالرجل الشهم»

ذكر السودان عند المنصور، وقيل إن لهن خطوة. فقال: ما قربت سوداء مخافة أن الحق برسول الله السواد.

كاتب: وصل كتابك فأستلمته استلام الحجر الأسود. وتمتعت منه بالعيش الأخضر. وجمعت يدي منه على الكبريت الأحمر، والبازي الأشهب، وملك بني الأصفر.

مدح ابن أبي فنن المعتز بقصيدته التي أولها:

أجد بكاء حين جد التفرقوأرّقه طيف الخيال المؤرق

فقال المعتز: هذا الشاعر الأدلم، فقال ابن أبي فنن: لا يضره سواده مع بيض أياديك.

اللجام:

ويبرز للرائين وجها كأنهكساه إهابا من قشور الخنافس

كشاجم في كتب سود الجلود:

كسيت من أديمها الحلك الجونغشاء أحسن به من غشاء
مشبها صبغة الشباب ولمّاتالعذارى ولبسة الخطباء

وجه الناصبي يوصف بالسواد والظلمة، ويشبه به كل حالك.

قال أبو بكر الخوارزمي:

رب ليل كطلعة الناصبيذي نجوم كحجة الشيعي

كان إبراهيم بن المهدي أسود، وأبوه المهدي وأمه شكلة أبيضين. وكان أسامة شديد السواد مثل القار، وزيد أبيض مثل القطن، وقد مر بهما مجزز المدلجي. وهما في قطيفة وقد غطيا وجهيهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض.

قالوا: كل شيء من الحيوان أسود جلده أو صوفه أو شعره أو وبره كان أقوى لبدنه.

أهدي إلى مروان غلام أسود، فأمر عبد الحميد أن يكتب فيه ويذمه ويوجز، فكتب: لو وجدت لونا شرا من السواد، وعددا أقل من الواحد لأهديته، والسّلام.

تزوج أعشى سليم دنانير الزنجية، فرآها يوما تخضب يدها وتكتحل فقال:

تخضب كفا قطعت من زندهافتخضب الحناء من مسودها
وكأنها والكحل في مرودهاتكحل عينيها ببعض جلدها

فقالت:

وأقبح من لوني سواد عجانهعلى بشر كالقلب أو هو أنصع

فسمي أسود العجان، وصاح به الصبيان فطلقها.

قال أبو يوسف القاضي لابن نهيك: ما تقول في السواد؟

قال: النور في السواد. أراد أن نور العين في سوادها.

نظر ابن أبي عتيق إلى سوداء فقال: لو اقتسمتها الغواني خيلانا لحظين بها.

ابن الخطاب النصراني:

قالوا تعشقتها سوداء قلت لهملون الغوالي ولون المسك والعود
إني امرؤ ليس شأن البيض مرتفعاعندي ولو خلت الدنيا من السود

قيل لمدني: كيف رغبتكم في السواد؟ قال: لو وجدنا بيضاء لسودناها. وكان أبو حازم المدني الأعرج ينشد:

من يك معجبا ببنات كسرىفإني معجب ببنات حام

قيل للأصمعي أي الناس أخف أرواحا؟ قال: الذين أعرقت فيهم السودان.

تفاخرت حبشية ورومية، فقالت الحبشية: بندقة مسك وغرارة فمح. فقالت الرومية: حبة كافور وعدل فحم.

وفد على عبد الملك عرار بن عمرو بن شاس بكتاب الحجاج

ورأس ابن الأشعث، فرأى رجلا عالي الجسم أدلم، فيسأله فيروقه كلامه، وينظر إليه فتقتحمه عينه وتعلو عن سواده، فتمثل بقول عمرو:

وإن عرارا أن يكن غير واضحفإني أحب الجون ذا المنكب العمم

فضحك، فقال له: ما أضحكك؟ قال: أنا والله عرار يا أمير المؤمنين من بين أعرى وقل. فأعجب بذلك واستعجب، وأقعده معه وقدمه وكان سميره حتى رجع.

[شاعر]:

أحب لحبها السودان حتىأحب لحبها سود الكلاب

بعضهم:

أشبهك المسك وأشبهتهقائمة في لونه قاعده
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أشبهك المسك وأشبهته»
لا شك إذ لونكما واحدأنكما من طينة واحدة
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أشبهك المسك وأشبهته»

آخر:

كأنما قد قمص من ليط جعلكأنما وجهك ظل من حجر

السواد معصفر الرجال.

المتنبي:

إنما الجلد ملبس وابيضاض النفسخير من ابيياض القباء

النبي ﷺ: الحمرة من زينة الشيطان، والشيطان يحب الحمرة.

عبد الله بن عمر: هبطنا مع رسول الله من ثنية، فالتفت وعليّ ريطة مضرجة بالعصفر، فقال: ما هذه الريطة عليك؟ ويروى: لو أن ثوبك هذا كان في تنور أهلك أو تحت قدر أهلك كان خيرا لك. فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورا لهم فقذفتها فيه. ثم أتيته من الغد فقال: يا عبد الله، ما فعلت الريطة؟ فأخبرته، فقال: أفلا كسوتها أهلك؟ فإنه لا بأس بها للنساء.

رافع بن خديج: خرجنا مع رسول الله في سفر، فرأى على

رحالنا أكيسه فيها خيوط عهن أحمر، فقال: ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم؟ فقمنا سراعا حتى نفر بعض إبلنا، فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها.

عمران بن الحصين: قال رسول الله: لا أركب الأرجوان، ولا ألبس العصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير.

هلال بن عامر عن أبيه: رأيت النبي ﷺ يخطب على بغلة وعليه برد أحمر، وعلي أمامه يعبر عنه.

وعن البراء: رأيته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه. إبراهيم ابن المهدي:

بدر إذا لبس البياض تخالهكالياسمين منضدا في المجلس
وإذا بدا في صفرة فكأنهنسرين بستان كريم المغرس
وإذا بدا في صفرة مع خضرةشبهته في الحسن طاقة نرجس

اسلم مولى عمر: رأى عمر على طلحة ثوبا مصبوغا وهو محرم،

فقال: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة،؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنما هو مدر، فقال: إنكم أيها الرهط أئمة تقتدي بكم الناس، ولو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال إن طلحة كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام.

وروي: رأى عليه ثوبين ممشقين من المشق وهو المغرة، والممصّرة نحوه.

وفي حديث عيسى ﵇ ينزل بين ممصرتين.

قال معاوية لصحار بن عباس العبدي: يا أزرق! قال:

البازي أزرق! قال: يا أحمر! قال: الذهب أحمر.

بشار:

هجان عليها حمرة في بياضهاتروق بها العينين والحسن أحمر
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وشاب المعذر»

القنائي: جمال كل مجلس أن يكون سقفه وبساطه أحمر.

أبو رمثة: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ، فرأيته عليه بردان أخضران.

الصنوبري:

أتت في لباس لها أخضركما لبس الورق الجلنارة
فقلت لها ما اسم هذا اللباسفأدت جوابا لطيف العبارة
شققنا مرائر قوم بهفنحن نسميه شق المرارة
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

النبي ﷺ: تزوجوا الزرق فان فيها يمنا.

قيل لحكيم: ما لفلان يختضب؟ قال: يخاف أن يؤخذ بأفعال المشايخ فلا توجد عنده فيفتضح.

عقبة بن عامر: عنه ﵇: عليكم بالحناء فإنه خضاب الإسلام، أنه يصفي البصر، ويذهب بالصداع، ويزيد في الباه. وإياكم

والسواد، فإنه من سوّد سوّد الله وجهه يوم القيامة.

يقال: فلان يسود وجه النذير. إذا اختضب.

عنه ﵇: عليكم بالخضاب، فإنه أهيب لعدوكم، وأعجب لنسائكم.

كان عبد الرحمن بن الأسود أبيض اللحية والرأس، فغدا ذات يوم وقد حمرهما. فقال: إن أمي عائشة أرسلت إلي البارحة جاريتها فأقسمت علي لأصبغن، وأخبرتني أن أبابكر كان يصبغ.

قال محمد بن الحسن: لا نرى بأسا بالخضاب بالوسمة والحناء والصفرة، وإن تركه أبيض لا بأس، كل ذلك حسن.

سئل علي ﵁ عن قوله ﵇: غيروا النسيب ولا تشبهوا باليهود. فقال: إنما قال ذلك والدين في قل. فأما وقد اتسع نطاق الإسلام فكل امرىء وما اختار.

وقال العلماء: يميز بين قتلى المسلمين والكفار بالخضاب، فإن الكفار لا يختضبون.

قيس بن أبي حازم: كان يخرج إلينا أبوبكر وكأن لحيته ضرام عرفج.

وعن أبي عامر الأنصاري. رأيت أبا بكر الصديق يغير بالحناء والكتم، ورأيت عمر لا يغير بشيء، وقال: سمعت رسول الله يقول:

من شاب في الإسلام فله نور يوم القيامة. فلا أحب أن أغير نوري.

وروى أبو ذر: إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم.

وعن عبد الله بن أبي أوفى»

: أن رسول الله سئل فقال: لو استقبلتم الشيب بالتواضع كان خيرا لكم.

وعن عقبة بن عامر صاحب رسول الله ﷺ أنه كان يختضب ويقول:

نسوّد أعلاها وتبقى أصولهاوليس إلى رد الشباب سبيل

أدهم بن محرز الباهلي.

لما رأيت الشيب جد بمفرقيتفتيت فابتعت الشباب بدرهم

وفد عبد المطلب بن هاشم على سيف بن ذي يزن، فقال له: لو خضبت شعرك. فلما ورد مكة اختضب. فقالت له امرأته نتيلة:

ما أحسن هذا الخضاب لو دام! فقال:

فلو دام لي هذا الخضاب حمدتهوكان بديلا من خليل قد انصرم
تمتعت منه والحياة قصيرةولا بد من موت نتيلة أو هرم
للشاعر عبد المطّلب بن هاشم، اقرأ القصيدة
لموت جهير عاجل لا شوى لهأحب إلينا من مقالكم حكم

أي هو حكم لسنه من قوله:

لا يغبط المرء أن يقال لهأضحى فلان لسنه حكما

أسماء بن خارجة قال لجاريته اخضبيني. قالت: حتى متى أرقعك؟ فقال:

عيرتني خلقا أبليت جدتهوهل رأيت جديدا لم يعد خلقا
للشاعر مالك بن أسماء الفزاري، اقرأ القصيدة

فاعتذرت إليه، وآلت أن لا تعود لمثلها.

محمود الوراق:

يا خاضب الشيب الذيفي كل ثالثة يعود
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا خاضب الشيب الذي»
إن الخضاب إذا نضافكأنه شيب جديد
فدع المشيب وما يريدفلن يعود كما تريد

قيل لعلي ﵁: لو غيرت شيبك يا أمير المؤمنين.

فقال: الخضاب زينة، ونحن في قوم في مصيبة. يريد برسول الله ﷺ.

سئل الحسن عن الخضاب فقال: هو جزع قبيح.

أعرابي:

ما بال شيخ قد تخدد لحمهونضا ثلاث عمائم ألوانا
سوداء داجية وسحق مفوفوأجدّ أخرى بعد ذاك هجانا

الجماز في صفة سوداء: إذا كشرت فكأنها نخامة على لبد أسود.

ابن الرومي:

أكسبها الحب أنها صبغتصبغة حب القلوب والحدق
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «تبارك الله خالق الكرم البارع»

بعضهم:

نقشت كفها الخواضب نقشاأنا منه على فؤادي أخشى
عجب من بنانها وهي ماءوعليها النقوش لا يتفشى

عبد الله بن عمر: أتى رسول الله فاطمة فوجد على بابها سترا موشى، فلم يدخل. فجاءها علي فرآها مهتمة فجاء رسول الله فذكر له، فقال: وما أنا والدنيا! وما أنا والرقم.

أبو طلحة الأنصاري: سمعت رسول الله يقول: لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تمثال.

أبو هريرة: قال رسول الله: أتاني جبرائيل فقال لي: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل.

جابر: أمر رسول الله عمر يوم الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها. فلم يدخلها رسول الله حتى محيت كل صورة فيها.

عائشة ﵂: قدم رسول الله من غزوة تبوك، وفي سهوتي ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لي، فقال:

ما هذا؟ قلت: بناتي.

- ورأى بينهن فرسا له جناحان، فقال: ما هذا أرى وسطهن؟ قلت:

فرس. قال: وما هذا الذي عليه؟ قلت: جناحان. قال: فرس له جناحان؟ قلت: فما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ فضحك حتى بدت نواجذه.

ابن أبي محمد اليزيدي:

إذا ظلم الشيب رأس الفتىفنازله وهو غض الشباب
للشاعر أحمد بن محمد اليزيدي، من قصيدة «اذا ظلم الشيب رأس الفتى»
فأحسن حالاته سترهليترك أحبابه في ارتياب
للشاعر أحمد بن محمد اليزيدي، من قصيدة «اذا ظلم الشيب رأس الفتى»
فإن طال عمر فترك الخضابأولى به لانقضاء التصابي

رشيد بن رميض العنزي:

لقد زرقت عيناك يا ابن معكبركما كل ضبي من اللؤم أزرق
وللؤم فيكم آية يهتدى بهاكما لاح مشهور من الخيل أبلق

أبو الشبل كان مشتهرا بالسودان:

مشبهات الشباب والمسك تفديكننفسي من نائبات الخطوب
كيف يهوى الفتى الأريب وصالالبيض والبيض مشبهات المشيب

اليعقوبي:

وزع المشيب شراستي وعراميوسرى الجنون بمسبل سجام
وصبغت ما صبغ الزمان فلم يدمصبغي ودامت صبغة الأيام

محمود الوراق:

جاد السواد بنفسهوفشا بعارضك البياض
فعلام تركب لذةفيها لعارضك اعتراض

يزيد بن الحكم:

فما منك الشباب ولست منهإذا سألتك لحيتك الخضابا
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «ألا لا مرحبا بفراق ليلى»

يعقوب بن رافع»

أحب النساء الصغر من حب تكتمومن حبها أحببت من كان أسودا
فجئني بمثل المسك أطيب نكهةوجئني بمثل الليل أطيب مرقدا
للشاعر أبو المعافى المزني، من قصيدة «أحب النساء الصفر من اجل تكتم»

بعضهم: لقيت راهبا عليه سواد فقلت له فيه، فقال: ما تلبس العرب إذا مات لهم ميت؟ قلت: السواد، قال: فأنا في حداد الذنوب.

دعبل

أبوهم أسمر في لونهوالقوم في ألوانهم شقرة
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إن بني طوق لأعجوبة»
أظنه حين أتى أمهمصب على نطفته مغرة

الأحنف: السؤدد مع السواد. أي إنما يكون سيدا من اتته السيادة في شبابة، وسواد شعره. وقيل: مع السواد الأعظم وتسليمهم له بالسيادة.

سئل عمر الجوزي عن امرأته فقال: هي كباقة نرجس،

رأسها أبيض، ووجها أصفر، ورجلها خضراء.

تم الجزء الثالث بمشيئة الله وتوفيقه، ويتلوه في الرابع باب اللباس والحلي من الأسورة والخلاخيل والخواتم، وذكر البسط، والمفارش والوسائد، وما جانس ذلك.

والحمد لله رب العالمين وهو حسبنا ونعم الوكيل

النص من طبعة مؤسسة الأعلمي ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.