من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
أخبار مالك وصاحبته جنوب
هو مالك بن الحرث بن الصمصامة بن أخرش الجعدي من بني أخرش أخو ذي الرمة قال في الأنساب هم أكبر فخذ من قحطان ولم يعقب أخو ذي الرمة غيره وغير مسعود وهمام وهم قبائل معروفة.
وكان مالك شجاعاً جلداً نجدة ولكنه مات بالعشق على نحو ثمان وعشرين من عمره.
وجنوب هي بنت قيس بن أصبغ بن محصن بن أخرش الجعدي، علقها شابين وسبب ذلك أنه جاء يوماً إلى أخيها الأصبغ يسترفقه إلى حي من كنانة لحاجة عرضت لمالك عندهم لما بينهم من الصحبة والقرابة فرأى جنوب وقد ألقت ما عليها خلاسب أخضر شفاف فرآها على بغتة فوقعت من قلبه فعاد وقد تمكن حبها منه فأفضى بذلك إلى رجل من أصحابه فوشى به إلى أخيها، وكان معروفاً بالشجاعة فحلف ليقتلنه إن تيقن ذلك فمضها يوماً مجلس وقد قبلت جنوب فلم يستطع أن يكلمها وأخذته رعدة فضمه شخص إلى صدره، وفطن الأصبغ فقام خجلاً وبقي مالك مغشياً عليه، فلما أفاق أنشد:
خليلي إن حانت وفاتي فادفنابرابية بين المقابر فالنفر
لكيما تقول العبدلية كلمارأت جدثي سقيت يا قبر من قبر
وفي النزهة فادفنا عظامي ما بين الربية فالنفر. قال والربية طريق بين نجد وتهامة تسلكه العرب، والنفر تربة مشهورة. وهذه الرواية أصح وأنسب بالمعنى، وفيها بدل سقيت حييت ثم إن العرب نجعوا نجعة وسيمة يعني مكاناً أمطر وأعشب سابقاً، فوقف مالك يتصفح الظعن متخفياً حتى مرت جنوب فأخذ بطام بعيرها وأنشد:
رأيتك إن أزمعتم اليوم نيةوغالك مصطاف الحمى ومرابعه
أترعين ما استودعت أم أنت كالذيإذا ما نأى هانت عليه ودائعه
فبكت ثم قالت أرعى والله ولا تهون عندي ودائعه فأطلقها ومضى في نشيده يقول:
ألا إن ورداً دونه قلة الحمىمني النفس لو كانت تنال شرائعه
فلا أنا فيما صدني عنه طامعولا ارتجى وصل الذي هو قاطعه
وكيف ومن دون الورد عوائقوأجنح حال ما أحب ومانعه
ثم انصرف فبات ليلة قلقاً، فلما أصبح ركب وضرب الفضاء لينزه نفسه فبينما هو على ماء يستريح إذ سمع شخصاً يشتكي إلى شخص ثقل رأسة وقلة سمعه فقال له منذ كم أصابك قال من أمس، فقال هذا من الهواء الذي كان بارحة أمس فإنه جنوب وهواء الجنوب ضار.
فلما طرق الكلام رأسه قال أي والله ولا أضر من هواها أجد وسقط كالمصروع فجاؤوا إليه واحتملوه بعد أن قارب الفراق، ثم مضوا به إلى الحي فقام ليلتين ثم قضى.
وفي النزهة أنهم دعوا له طبيباً فلما أبصره أنكر حاله فدعا بشراب وسقاه، فلما تمكن منه أنشد:
خليلي إن العبدلية أزمعتعلى الصد والهجران فاستدينا عنسي
فلا صبر لي بعد الفراق على الجفاولا راحة إلا التوسد في رمسي
فصبر محب عن حبيب يحبهنحال وهل جسم يعيش بلا نفس
ثم شهق شهقة خرجت نفسه، قلت وهذه الأبيات قد ثقلتها من جزء لطيف سماه صاحبه جلاء الأذهان في منتخب شعر قتلى الحسان.
وفي النزهة نقله عن ذي الرمة، ورواه بلفظ أن المنقرية يعني مية، وفي لطائف الفوائد وظرائف الشوارد لابن عبد ربه، أن مالكاً هذا لما قضى اتصل نعيه بجنوب وقد قدم إليها لبن، فلما امتصته ووقع الكلام في أذنها اضطربت خفيفاً، ثم اضطجعت فإذا هي ميتة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع