من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
أخبار كثير عزة
هو أبو صخر كثير بن عبد الرحمن بن الأسود الشهير بأبي جمعة قد أوصله الكلبي في جمهرة النسب إلى ماء السماء بن حارثة بن ثعلبة المشهور أحد أولاد الأزد ومن أجداده عمرو بن ربيعة الذي دعا العرب عن دين إبراهيم إلى عبادة الأصنام واقترح السوائب والبحيرة فرآه رسول الله ﷺ ليلة المعراج يجر قصبه في النار وهو من خزاعة سموا بذلك لانقطاعهم عن الأزد أيام سيل العرم وجاؤا إلى الشام وهو صاحب عز بنت جميل ابن حفص بن اياس بن عبد العزى يتصل نسبها إلى عبد مناف علقها جارية قد كعبت نهودها بدليل قوله:
نظرت إليها نظرة وهي عاتقعلى حين إن شبت وبان نهودها
نظرت إليها نظرة ما يسرنيبها حمر انعام البلاد وسودها
وكان سبب دخول الهوى بينهما أن كثيراً مر بغنم له ترد الماء على نسوة من ضمرة بوادي الخبت فأرسلن له عزة بدريهمات تشتري بها كبشاً لهن منه فنظرها نظرة متأمل فداخله منها ما كان، فرد الدراهم وأعطاها الكبش، وقال إن رجعت أخذت حقي. فلما عاد سألته ذلك فقال لا أقتضي إلا من عزة فقلن له ليس فيها كفاءة فاختر إحدانا، فأبى وأنشد البيتين، فجعلن يبرزنها له كارهة ثم داخلها ما داخله وأنه خرج يوماً ومعه اداوة ماء فجفت من الحر ورفعت له نار فأمها وإذا بعجوز فناشدته من الرجل فقال صاحب عزه فقالت له أنت القائل:
إذا ما أتينا خلة كي تزيلناأبين وقلن الحاجبية أول
سنوليك عرفاً إن أردت وصالناونحن لتلك الحاجبية أوصل
هلا قلت كما قال جميل
يا رب عارضة علينا وصلهابالجد تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالقول بعد تأملحبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي كقدر قلامةفضلاً لغيرك ما أتتك رسائلي
والله لأسقينك شيئاً فتركها وانصرف ولما اشتدت حالته أنشد:
يزهدني في حب مية معشرقلوبهم فيها مخالفة قلبي
فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضىفبالقلب لا بالعين يبصر ذو اللب
وما تبصر العينان في موضع الهوىولا تسمع الآذان إلا من القلب
هكذا رواه ابن إسحاق، وقال الشهاب محمود بذلك ونقل في الطبقات الأبيات إلا أنه قال:
يزهدني في حب عزة معشر
ثم قال هذه الأبيات لكثير وقد توهم قوم أنها لذي الرمة بدليل قوله: يزهدني في حب مية معشر، وليس كذلك وإنما كان سهواً، ودخل كثير على عبد الملك ابن مروان فقال له وقد كان يتهمه بالتشيع بحق علي هل رأيت أعشق منك، فقال لو أقسمت علي بحقك لأخبرتك فقال بحقي إلا ما أخبرتني فقال يا أمير المؤمنين خرجت يوماً وإذا أنا بصياد قد نصب شبكته ليصطاد ما يسد به رمقه فقلت له إن ساعدتك شاركني فيما يكون قال نعم فجاءت ظبية فوقعت في الأحبولة فسبقني إليها فحلها ثم مسح وجهها وقبلها وأطلقها وأنشد:
أيا شبه ليلى لا تراعى فإننيلك اليوم من وحشية لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثائقهافأنت لليلى ما حييت طليق
فعينك عيناها وجيدك جيدهاولكن عظم الساق منك دقيق
ودخلت عزة على أم البنين بنت عبد العزيز فقالت لها ما الحق الذي مطلته كثيراً إذ قال:
قضى كل ذي حق فوفى حقوقهوعزة ممطول معنى غريمها
فقالت وعدته قبلة فقانت نجزيها وعلي اثمها وفي رواية أن الحكاية مع سكينة بنت الحسين. وفي الذيل من رواية الفارسي: قضى كل ذي دين فوفى ديونه. وفي أخرى غريمه، وللبيت حكاية من عجيب الاتفاق هي أن كثيراً كان له غلام يتجر على العرب فأعطى النساء إلى أجل، فلما اقضى ما له منهن ماطلته عزة فقال لها يوماً وقد حضرت في نساء أما آن أن تفي بما عندك فقالت كرامة لم يبق إلا الوفاء. فقال صدق مولاي حيث يقول قضى كل ذي دين وأنشد البيت فقلن له أتدري من غريمتك فقال لا نلن هي والله عزه فقال أشهدكن علي أنها في حل مما عندها ومضى فأخبر مولاه بالحكاية فقال له وأنت حر وما عندك لك، ورأيت في روضة الدولتين لأبي شامة إن الذي وهبه كثير ألف دينار وأنشد حين أعتق الغلام:
سيهلك في الدنيا شفيق عليكمإذا غاله من حادث الدهر غائله
يودّ بأن يمسي سقيماً لعلهاإذا سمعت عنه بشكوى تراسله
ويهتز للمعروف في طلب العلالتحمد يوماً عند عز شمائله
ودخلت عزة على عبد الملك فقال لها أتروين قول كثير:
لقد زعمت أني تغيرت بعدهاومن ذا الذي يا عز لا يتغير
تغير جسمي والخليقة كالتيعهدت ولم يخبر بسرك مخبر
فقالت لا أدري هذا ولكن أروي قوله:
كأني أنادي صخرة حين أعرضتمن الصم لو يمشي بها العصم زلت
صفوحاً فما تلقاك إلا بخيلةفمن سلّ منها ذلك الوصل ملت
فضحك من ذلك وقيل أنه سألها عن قوله قضى كل ذي دين وهذان البيتان من قصيدة طويلة رواها في الذيل عن ابن دريد عن عمه عن حماد عن كثير وقال أنها من عجائب شعره وهي:
خليليّ هذا بع عزة فاعقلاقلوصيكما ثم أبكيا حيث حلت
وما كنت أدري قبل عزة ما البكاولا موجعات الحزن حتى تولت
وفي رواية ولا موجعات القلب البيت:
فقد حلفت جهداً بما نحرت لهقريش غداة المازمين وصلت
أناديك ما حج الحجيج وكبرتبفيفاً غزال رفقة وأهلت
وكانت لقطع الحبل بيني وبينهاكنا ذرة نذراً فأوفت وحلت
فقلت لها يا عز كل مصيبةإذا وطنت يوماً لها النفس ذلت
ولم يلق انسان من الحب ميتةتغم ولا غماء إلا تجلت
كأني أنادي البيتين:
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلهاوحلت تلاعاً لم تكن قبل حلت
فليت قلوصي عند عزة فيدتبحبل ضعيف حزمنها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلهاوكان لها باغ سواي فدلت
وكنت كذي رجلين رجل صحيحةورجل رمى فيها الزمان فشلت
وكنت كذات الظلع لما تحاملتعلى ظلعها بعد العشار استقلت
أريد التواء عندها وأظنهاإذا ما أطلنا عندها المكث ملت
فما أنصفت أما النساء فبغضتإلي وأما بالنوال فضنت
يكلفها الخنزير شتمي وما بهاهواني ولكن للمليك استذلت
هنيئاً مريئاً غير داء مخامرلعزة من أعراضنا ما استحلت
ومن أول القصيدة إلى قوله فما أنصفت لزوم ما لا يلزم ولم يخالفه إلا في البيت المذكور، وللبيتين اللذين بعده حكاية هي أن كثيراً سافر مع جماعة إلى مكة فاتفق أن خرجت عزة وزوجها في ذلك العير، فلما كان في أثناء الطريق مرت بجمل له فسلمت على الجمال فبلغ كثيراً ذلك فجاء إلى الجمل فحله وأطلقه من الحمل وأنشد:
حيتك عزة بعد الهجر وانصرفتفحي ويحك من حياك يا جمل
ليت التحية كانت لي فأرددهامكان يا جمل حييت يا رجل
زاد أبو علي بيتاً بين هذين وهو:
لو كنت حييتها ما زلت ذامقةعندي ولا مسك الادلاج والعمل
ثم اتفق أن زوجها أمرها ليلة أن تقتبس ناراً وقال في النزهة أن تستعطي سمناً فلقيها كثير فأخبرته بحاجتها فأخرج أدواة سمن وجعل يسكب في إناء عزة وهما يتحادثان فلم يشعرا حتى غرقت أرجلهما، فلما رجعت أنكر زوجها كثرة السمن وأقسم عليها فأخبرته فحلف ليضربنها أو لتخرجن فتشتم كثيراً بحيث يسمعها ففعلت فأنشد يكلفها الخنزير البيتين وفي منازل الأحباب أنها وقفت عليه وهو يبري سهاماً ما فجعل يبري ساعده فدخلت عليه فمسحت الدم بثوبها وأن زوجها لم ينكر إلا وجود الدم، وقيل له أنت أشعر أم جميل فقال كيف يكون أشعر مني وهو القائل:
رمى الله في عيني بثينة بالقذىوفي الغر من أنيابها بالقوادح
وأنا القائل هنيئاً مريئاً البيت وليس فيما ذكر دليل على أنه أشعر منه وإنما يدل ذلك على أن كثيراً أرق قلباً وأشفق على محبوبته وأشد عشقاً فلو سبق الكلام لذلك فكان الصق بالمعنى وأولى وتمام القصيدة:
ووالله ما قاربت إلا تباعدتبصرم ولا أكثرت إلا أقلت
فإن تكن العتبى فأهلاً ومرحباًوحققت لها العتبى لدينا وقلت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنامناويح لو سارت بها العيس كلت
فلا يبعدن وصل لعزة أصبحتبعافية أسبابه قد تولت
خليليّ إن الحاجبية طلحتقلوصيكما إذ ناقتي قد أكلت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةلدينا ولا مقلية إن نقلت
ولكن انبلي واذكري من مودةبناخلة كانت لديك فضلت
وإني وإن صدت لمثن وصادقعليها بما كانت علينا أدلت
فما أنا بالداعي لعزة بالجوىولا شامتاً إن نعل عزة زلت
فلا يحسب الواشون أن صبابتيبعزة كانت غمرة فتجلت
وأصبحت قد أبليت من دنف بهاولا بعدها من خلة حيث خلت
وما مر من يوم عليّ كيومهاوإن عظمت أيام أخرى وجلت
وأضحت بأعلى شاهق من فؤادهفلا القلب يسلاها ولا العين ملت
فيا عجباً للقلب كيف اعترافهوللنفس إذ وطنتها كيف زلت
وإني وتهيامي بعزة بعد ماتخليت مما بيننا وتخلت
لكالمرتجى ظل الغمامة كلماتبوأ منها للمقيم اضمحلت
كأني وإياها سحابة ممحلرجاها فما جاوزته استهلت
وخرج يوماً من عند عبد الملك فاعترضته عجوز معها نار في روثة فقالت من أنت قال صاحب عزة فقالت أنت القائل:
وما روضة بالحزن طيبة الثرىيمج الندى جثجاثها وعرارها
يا طيب من أردان عزة موهناًإذا أرقدت بالمندل الرطب نارها
قال نعم قالت ويحك إذا أوقد المندل الرطب على هذه الروضة أو بخرت به أمك العجوز الشناء كانت كذلك فهلا قلت كما قال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
ألم ترياني كلما جئت زائراًوجدت بها طيباً وإن لم تطيب
فناولها مطرف خز كان معه وقال استري علي ذلك وهذه الحكاية نقلها قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في تاريخه، ثم قال إن بعض مشايخ الأدب قال ليس على كثير شيء فإن قوله إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها نعت للروضة المذكورة انتهى وهذا جيد لو لم يطلب كثير من العجوز الستر فإنه عرفنا أنه ما أراد إلا المعنى المعترض فيكون هذا تصحيحاً لإثبات قصده، وتوفي كثير سنة خمس ومائة في اليوم الذي مات فيه عكرمة مولى ابن عباس وقبر في مقابر المدينة وله في عزة أشعار كثيره من محاسنها قوله:
يقولون سوداء العيون مريضةفأقبلت من أهلي إليها أعودها
فوالله ما أدري إذا أنا جئتهاأأبرئها من دائها أم أزيدها
إذا جئتها وسط النساء منحتهاصدوداً كان النفس ليس تريدها
ولي نظرة بعد الصدود من الجوىكنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها
وقيل أن هذه الأبيات لذي الرمة لأنه بعد ما ذكر يقول:
وكنت إذا ما جئت ميا أزورهاأرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسهاإذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
ومنها وقد سأل عبد العزيز أن يرشده إلى قبر عزة فلما وقف عليه أنشد:
وقفت على ربع لعزة ناقتيوفي البر رشاش من الدمع يسفح
فيا عز أنت البدر قد حال دونهرجيع تراب والصفيح المضرح
وقد كنت أبكي من فراقك خفيةفهذا لعمري اليوم أنأى وأنزح
فهلا فداك الموت من أن ترينهبمن هو أسوأ منك حالاً وأقبح
ألا لا أرى بعد ابنة النضر لذةلشيء ولا ملجأ لمن يتملح
فلا زال رمس ضم عزة سائلاًبه نعمة من رحمة الله تسفح
فإن التي أحببت قد حال دونهاطوال الليالي والضريح الموجح
أرب بعيني البكا كل ليلةفقد كاد مجرى الدمع عيني يقرح
إذا لم يكن ما تسفح العين لي دماًوشر البكاء المستعار المسيح
ومنها:
ألا حيا ليلى أجد رحيليوآذن أصحابي غدا بقفولي
تبدت له ليلى لتذهب عقلهوشاقتك أم الصلت بعد ذهول
أريد لأنسى ذكرها فكأنماتمثل لي ليلى بكل سبيل
إذا ذكرت ليلى تغشتك عبرةتعل بها العينان بعد نهول
ومنها:
حلفت برب الراقصات إلى منىخلال الملا يمددن كل جديل
يمين امرىء مستغلظ من أليةيكذب قيلاً قد ألح بقيل
لقد كذب الواشون ما بحت عندهمبليلى ولا راسلتهم برسول
فإن جاءك الواشون عني بكذبةفروها ولم يأتوا لها بحويل
فلا تعجلي يا ليل أن تتفهميبنصح أتى الواشون أم بخيول
ومنها:
تذكرت أتراباً لعزة كالمهىحبين بلفظ ناعم وقبول
وكنت إذا لاقيتهنّ كأننيمخالطة عقلي سلاف شمول
ومنها:
كفى حزناً للعين إن رد طرفهالعزة عير آذنت برحيل
وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكىفقلت البكى أشفى إذن لغليلي
توليت محزوناً وقلت لصاحبيأقاتلتي ليلى بغير قتيل
لعزة إذ ما حل بالخيف أهلهافأوحش منها الخيف بعد حلول
وبدل منها بعد طول إقامةتبعث نكباء العنى جفول
لقد أكثر الواشون فينا وفيكمومال بنا الواشون كل مميل
وما زلت من ليلى لدن طر شاربيإلى اليوم كالمقصي بكل سبيل
ومنها:
لا تغدرن بوصل عزة بعد ماأخذت عليك مواثقاً وعهودا
إن المحب إذا أحب حبيبهصدق الصفاء وأنجز الموعودا
الله يعلم لو أردت زيادةفي حب عزة ما وجدت مزيدا
رهبان مدين والذين عهدتهميبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت حديثهاخرو العزة خاشعين سجودا
والميت ينشر أن تمس عظامهمساو يخلدان يراك خلودا
وهذا الشعر رواه الحافظ مغلطاي كما هو عن جميل وقد رأيته في النزهة منسوباً إليه وبعدما ذكر بيتاً استشهد به على مجيء التوكيد بالحرق قال وكثيراً ما نقله النحاة هكذا:
لا لا أبوح بحث بثنة أنهاأخذت عليّ مواثقاً وعهودا
قال القالي هو لكثير وذكر بثنة سبق قلم والأصل عزة أو أن الشعراء كثيراً ما يعدلون عن اسم من يريدون إلى ما لا يريدون تودية وغيرة وسيأتي لذلك ايضاح.
ومنها:
تفرق أنواع الحجيج على منىوفرقهم شعب النوى بين أربع
فلم أر داراً مثلها دار غبطةوملقى إذا التف الحجيج لمجمع
أقل مقيماً راضياً بمقامهوأكثر جاراً ظاعناً لم يودع
فشاقوك لما وجهوا كل وجهةسراعاً وأخلوا عن منازل بلقع
فريقان منهم سالك بطن نخلةوآخر منهم سالك خبت يفرع
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع