تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

أخبار ذي الرمة وصاحبته مي

هو غيلان بن معدي بن عمرو الكناني القحطاني أو هو سعدي وقيل إبن عقبة بن يهوس ابن ربيعة يتصل من عبد مناف بالياس بن مضر وهو الأصح أديب شاعر رقيق النظام جزل الكلام وافر الحظ من الفصاحة والشعر ورقة المزاج خبير بأحوال العشق والرمة بالضم وتكسر قطعة حبل تجعل في عنق البعير ووهب طريف بن غطفان بعير الشخص بالحبل الذي في عنقه فقيل أعطاه برمته فضرب مثلاً لمن يعطي الشيء جميعه وبالكسر العظام البالية، وسمي بذلك لأنه كان كثيراً ما يجعل في عنقه أو على عاتقه الحبل أو أنه سمي بذلك لشدة نحوله في العشق.

ومي هي بنت طلابة بن قيس بن عاصم الغساني أحد ملوك العرب ووالده قيس نظير المنذر بن ماء السماء كان ذا حظ في الملك تميل إليه العرب ويعطي القياد حتى ضربت به الأمثال، قال طرفة بن العبد بعد اشتكاء سوء حظه: ولو شاء ربي كنت قيس بن عاصم. يعني في ارتفاع الجد وسعة الملك قال في النزهة وكان ذو الرمة لطيف المنظر حسن الهيئة طويلاً إلى رقة وبياض واسع الصدر عجل المشية.

وكانت مي جارية إلى القصر ما هي سمراء بدينة إلا أن في كلامها عذوبة وفي طرفها تغزل. قال في الظرائف أن سبب اعتلاقه بها أنه مر يوماً بالحي وقد أدركه الأوام فنظر إلى بيت قد شرع رواقه وارتفعت أطباقه وعلا عموده وأطنابه ومدت أوتاده وأسبابه، فقصده حتى وقف بإزائه، وذا هو بامرأة تتمشط حاسرة الرأس وقد أسبلت شعرها كأنه عثاكيل النخل، ووجهها يشف من خلاله فناداها هل من اداوة تبرد الغليل، فأبرزت إليه ماء قد شيب بلبن، فشرب ثم ناشدته الراحة، وقدمت إليه طعاماً فأكل ولم تزل تنادمه وهو يعجب بها ويحترك لها قلبه إلى أن انصرف بعد بياض النهر وقد علق من قلبه بحبها الأعج عجز عن إطفائه وغرام كل عن إخفائه فجعل يعاودها الزيارة، فقيل له في تقليل ذلك وأن بلادها بعيدة عن بلاده وأن ذلك يوجب له نصباً ومشقة فأنشد:

وكنت إذا ما جئت مياً أزورهاأرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسهاإذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «لقد هجرت سعدى وطال صدودها»

وجلس قوم يتحادثون فأفضوا إلى حديث ذي الرمة وفيهم عقبة بن مالك الفزاري وهو يومئذ شيخ قد جاوز المائة فقال منى خذوا خبره أتاني يوماً، فقال إن حي مية خلوف فهل تسعدني في الزيارة فركبنا حتى أتيناها، فلما نظر النساء إلى ذي الرمه عرفنه فجئن حتى جلس عنده وتفاوضوا في الحديث فقالت ظريفة من النساء أسمعنا يا ذا الرمة ما قلت فالتفت إلي وقال لي قل فأنشدت قوله:

وقفت على ربع لمية ناقتيفما زلت أبكي عنده وأخاطبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

فلما انتهيت إلى قوله:

نظرت إلى أظعان مي كأنهاذرا النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأسبلت العينان والقلب كاتمبمغرورق نمت عليه سواكبه
بكى وامق حال الفراق ولم تخلحوائلها أسراره ومعاتبه
هو الالف قد حان الفراق ولم تحلمخاولها أسراره ومقانبه

قال الظريفة لكن اليوم فلتحل ثم مضيت فلما انتهيت إلى قوله:

وقد حلفت الله مية ما الذيأحدثها إلا الذين أنا كاذبه
إذاً فرماني الله من حيث لا أرىولا زال في أرضي عدوّ أحاربه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

قالت مي ويحك يا ذا الرمة خف عواقب الله ﷿ ثم مضيت حتى انتهيت إلى قوله:

إذا سرحت من حب مي سوارحعلى القلب أمته جميعاً غواربه

فقالت الظريفة قتلته قتلتك الله، فقالت مية ما أصحه وهنيئاً له قال فتنفس ذو الرمة تنفيسة كاد حرها يذهب بلحيته ثم مضيب حتى انتهت إلى قوله:

إذا نازعتك القول مية أو بدالك الوجه منها أو نضى الدرع سالبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»
فيا لك من خد أسيل ومنطقرخيم ومرحوق تعالى شاربه

وفي رواية القالي إذا راجعتك بدل إذا نازعتك فقالت الظريفة هذا القول قد تتوزع والوجه بدافن لنا بان ينضى الدرع سالبه فقالت مي ماذا تريدين وتضاحكا فقالت الظريفة إن لهذين لشأناً فقم بنا فقمت وجلست بحيث أراهما فتعاتبا طويلاً ولن يبرح من هكانه ولم أسمع منهما غير أن قالت كذبت والله لم أعلم علام كذبته ثم جاءني ومعه قارورة دهن قد اتحفته بها فقال لي شأنك وهي ثم قال وهذا قلائد قد أعطتنيها فوالله لا قلدتها بعيراً وعقدها في سيفه وانصرفنا، فلما ظعن الحي جاءني فقال امض بنا نودع الآثار فجئنا حتى وقفنا على أطلال مية فأنشد:

ألا فاسلمي يا دارمي على البلاولا زال منها بجرعائك القطر
وإن لم تكوني غير شام بقفرةتجر بها الأذيال صيفية كدر

وانفضحت عيناه بالعبرة فقلت مه فقال إني جلد وإن كان مني ما ترى ثم انصرفنا فوالله ما رأيت أشد صبابة ولا أحسن صبراً منه وكان آخر العهد به وله أشعار كثيرة فمن ألطفها القصيدة الحائية التي أولها:

أمنزلتي مي سلام عليكماعلى النأي والنأي بودّ وينصح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

ومنها:

ذكرتك إذ مرت بنا أم شادنأمام المطايا تشرئب وتنصح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»
من المؤلفات الرمل أدماً بحرّةشعاع الضحى في متنها يتوضح
رأينا كأنا عامدون لصيدهاضحى فهي تنبو تارة وتزحزح
هي الشبه اعطافاً وجيداً ومقلةومية أبهى بعد منها وأملح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

ومنها:

على حين راهقت الثلاثين وارعوتلذاتي فكد الحلم بالجهل يرجح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»
إذا خطرت من ذكر مية خطرةعلى القلب كادت في فؤادي تجرح
تصرف أهوى القلب مني ولا أرىنصيبك من قلبي لغيرك يمنح
فبعض الهوى بالهجر يمحي فينمحيوحبك عندي يستجد ويرجح
ولما شكوت الحب كيما تثيبنيبوجدي قالت إنما أنت تمزح
بعاداً وادلالاً علي وقد رأتضمير الهوى قد كاد بالجسم يبرح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»
لئن كانت الدنيا عليّ كما أرىتباريح من ذكراك فالموت أروح

ومنها:

خليلي عدا حاجتي من هواكماومن ذا يواسي النفس إلا خليلها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أخرقاء للبين استقلت حمولها»
ألما بمي قبل أن تطرح النوىبنا مطرحاً أو قبل بين يزيلها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أخرقاء للبين استقلت حمولها»
وإن لم يكن إلا تعلل ساعةقليلاً فإني نافع لي قليلها

ومنها:

خليلي عوجا من صدور الرواحلبمجهود حزوي فابكيا في المنازل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»
لعل انحدار الدمع يعقب راحةمن الوجد أو يشفي وحيّ البلابل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا من صدور الرواحل»

ومنها:

ولما تلاقينا جرت من عيوننادموع كففنا غربها بالأصابع
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا عوجة»
ونلنا سقاطاً من حديث كأنهجنى النحل ممزوجاً بماء الوقائع
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا عوجة»

ومنها:

إذا هبت الأرياح من نحو جانببه آل مي زاد قلبي هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنماهوى كل نفس أين حل حبيبها

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في أحوال عشاق الجواري والكواعب وذكر ما صدر لهم من العجائب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.