من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
أخبار عبد الله بن عجلان وصاحبته هند
هو عبد الله بن عجلان بن عبد الأحب بن عامر بن كعب يتصل بقضاعة وهو فخذ من بني الحريش وسعد افترقوا من قضاعة على ما ذكر في الأنساب أربعون فخذاً.
وفي النزهة أنه عذري وليس كذلك، ولكن بينه وبينهم حيث لا ترمي العصا وذلك دون خمس جدود وقال في كتاب الأنساب كانت العرب تعد الرجل منها ما لم يفارقهم بخمس بطون فإذا بلغ ذلك، قالوا قطع النسب، ورميت العصا وكان عبد الله هذا يكنى أبا عمرة وهو شاعر مفلق وناطق مزلق رقيق أديب قال في بلغة الاشفاق في ذكر أيام العشاق وهو جزء لطيف لابن رشيق موضوعه ذكر مدة العشاق في العشق أن عبد الله هذا أقل العشاق أياماً، عاش مكابد المحبة وغصة العشق ثلاثين سنة وهو جاهل يضرب به المثل كما ضرب بعروة فما قيل فيه قول قيس:
فما وجدت وجدي بها أم واحدولا وجد النهدي وجدي على هند
ولا وجد العذري عروة في الهوىكوجدي ولا من كان قبلي ولا بعدي
فقوله النهدي إشارة إلى ابن عجلان هذا وقد سماه عمراً في أبيات سبقت في قصته وقوله على هند متعلق بوجدي فليحذر من فهم صاحب النزهة وقول البحتري:
هوى لا جميل في بثينة نالهبمثلي ولا عبد بن عجلان في هند
وهند هي بنت كعب بن عمرو بن ليث النهدي يتصل مع عبد الله في النسب قال في الظرائف أن سبب اعتلاقه بها، أنه خرج يوماً إلى شعب من نجد ينشد ضالة فشارف ماء يقال له نهر غسان وكانت بنات العرب تقصده فتخلع ثيابها وتغتسل فيه.
فلما علا ربوة تشرف على النهر المذكور ورآهن على تلك الحالة، فمكث ينظر إليهن مستخفياً فصعدن حتى بقيت هند، وكانت طويلة الشعر فأخذت تمشطه وتسبله على بدنها وهو يتأمل شفوف بياض جسمها من خلال سواد الشعر، ونهض ليركب راحلته فعجز، وأقعد ساعة وكان يقال عنه قبل ذلك أن العرب كانت تصف له ثلاث رواحل قائمة فيحلقها ويركب الرابعة فعند ذلك داخله من الحب ما أعجزه وعطل حركاته فأنشد فوراً:
لقد كنت ذا بأس شديد وهمةإذا شئت لمساً للثريا لمستها
أتتنى سهام من لحاظ فأرشقتبقلبي ولو أستطيع ردّ أرددتها
ثم قال هذه والله الضالة التي لا ترد ثم عاد وقد تمكن الهوى منه فأخبر صديقاً له، فقال اكتم ما بك واخطبها إلى أبيها فإنه يزوجك بها وإن أشهرت عشقها حرمتها ففعل وخطبها فأجيب وتزوج بها وأقاما على أحسن حال، وأنعم بال لا يزاد فيها إلا غراماً فمضى عليهما ثمان سنين وأنها أقامت على ذلك تحمل، وكان أبوه ذا ثروة ليس له غيره فأقسم عليه أن يتزوج غيرها ليولد له ولد لحفظ النسب والمال فعرض عليها ذلك فأبت أن تكون مع أخرى فعاود أباه فأمره بطلاقها فأبى فألح عليه وهو لم يجب إلى أن بلغه يوماً أن عبد الله قد تمكن السكر منه فعدها فرصة وأرسل إليه يدعوه، وقد جلس مع أكابر الحي فمنعته هند وقالت والله لا يدعوك لخير وما أظنه إلا عرف أنك سكران فيريد أن يعرض عليك الطلاق ولئن فعلت لمت وأظن أنك فاعل.
قال في النزهة وكان قد خلى على هند قبل ذلك اليوم عجوز كاهنة تضرب الحصا وأخبرت هند أنها ستطلق، فأبي عبد الله إلا الخروج فجاذبته ويدها مخلقة بالزعفران فأثرت في ثوبه. فلما جلس مع أبيه وقد عرف أكابر العرب حاله فأقبلوا يعنفونه ويتناوشونه من كل مكان حتى استحى فطلقها، فلما سمعت بذلك احتجبت عنه فوجد وجداً كد أن يقضي معه وأنشد:
طلقت هنداً طائعاًفندمت بعد فراقها
فالعين يذرف دمعهاكالدر من آماقها
متحلباً فوق الردافتجول في رقراقها
خود رداح طفلةما الفحش من أخلاقها
ولقد ألذ حديثهاوأسر عند عناقها
إن كنت ساقية ببزل الأدم أو بحقاقها
فاسقي بني نهد إذاشربوا خيار زقاقها
فالخيل تعلم أحلقها غداة لحاقها
بأسنة زرق منحن القوم حد رقاقها
حتى ترى قصد القناوالبيض في أعناقها
ولم يزل شوقه ينمو ووجده يسمو حتى لزم الوساد، وتوفي على ما ذكر في النزهة قبل عام الفيل بأربعة أعوام، وكان سبب وفاته على الأصح أنه قصد هنداً وقد تزوجت في نمير وهي قبيلة من عامر، وكان بينهم وبين بني نهد ثارات ودماء كثيرة، فحذره أبوه من ذلك ومناه الاجتماع بعكاظ في الأشهر الحرم حيث تكف الجاهلية عن الحرب.
فأبى وخرج سراً حتى أتاها، فرآها جالسة على حوض وزوجها يسقي إبلاً له، فلما تعارفا شد كل منهما على صاحبه ودنا منه حتى اعتنقا وسقطا إلى الأرض. فجاء زوجها فوجدهما ميتين.
وقيل أن عجوزاً دخلت عليه في مرضه فأخبرتهم أنه عاشق وأن يطبخوا له شاة ويرفعوا قلبها ويقدموها إليه، ففعلوا فجعل يحاولها بضعة بضعة فقال أما لشاتكم قلب فقال له أخوه أعاشق أنت ولم تدر، فتأوه ومات. وقيل رأى زوج هند يطوف وعليه ثوب فيه كف كالذي في ثوبه، حين جاذبته فمات، وقيل أنه ترنم بهذه الأبيات يوماً ومد بها صوته فمات وهي:
ألا أن هند أصبحت منك محرماًوأصبحت من أدنى حموتها حما
فأصبحت كالمقمور جفن سلاحهيقلب بالكفين قوساً وأسهما
وقيل أن هذه الأبيات لمسافر بن عمرو أنشدها حين ولع بهند بنت عتبة وأراد زواجها، فخرج إلى النعمان بن المنذر بالحيرة ليطلب مهرها، وقيل أنها حملت منه فخرج هارباً، وأصابه من عشقها مرض كبر معه فاستحضر له النعمان أطباء العرب فأجمعوا على كيه فكوي وبرىء، فقدم أبو سفيان أو هو غيره فسأله عن مكة.
فلما انتهى إلى زواج هند شهق فمات، وقيل خرج فمات في الطريق، وقيل هي يعني الأبيات للمغيرة في أسماء النهشلية والصحيح أن أبيات المغيرة هي:
تحدثنا أسماء أن سوف نلتقيأحاديث طسم إنما كنت حالما
ألا أصبحت أسماء حجراً محرماًوأصبحت من أدن حموّتها حما
ولابن عجلان أشعار كثيرة من محاسنها قوله:
قد طال شوقي وعاد لي طربيمن ذكر خود كريمة الحسب
غرّاء مثل الهلال صورتهاأو مثل تمثال صورة الذهب
ومنها:
ألا بلغا هنداً سلامي وإن نأتفنلبي منشطت بها الدار مدنف
ولم أر هنداً بعد موقف ساعةبأنعم من أهل الديار تطوّف
أتت بين أتراب تمايسن إذ مشتدبيب القطا أوهن منهن ألطف
يباركن مرات خلياً ودادهذكياً وبالأيدي مدال ومسوف
أشارت إلينا في حياء وراعهاسراة الضحى مني على الحي موقف
وقال تباعد يا ابن عم فإننيمنيت بذي صول يغار ويعنف
ومنها:
خليلي زورا قبل شحط النوى هنداًولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا
ولا تعجلا لم يدر صاحب حاجةأغياً يلاقي في التعجل أم رشدا
ومر عليها بارك الله فيكماوإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازناولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
غداً يكثر الباكون منا ومنكموتزداد داري من دياركم بعدا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع