من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
أخبار قيس ولبنى
هو قيس بن ذريح بن سنة، وفي رواية ابن الحباب يتصل نسبه ببكر بن عبد مناة عذري وهو من خزاعة واسم أبيه علي أو هو جده، وكان ينزل بظاهر المدينة وهو رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب، وسبب علاقته بلبنى بنت الحباب الكعبية أنه ذهب بعض حاجاته فمر ببني كعب وقد احتدم الحر فاستسقى الماء من خيمة منهم فبرزت إليه امرأة مديدة القامة بهية الطلعة عذبة الكلام سهلة المنطق فناولته اداوة ماء، فلما صدر قالت له ألا تبرد عندنا، وقد تمكنت من فؤاده فقال نعم، فمهدت له وطاء واستحضرت ما يحتاج إليه وإن أباها جاء.
فلما وجده رحب به ونحر له جزوراً وأقام عندهم بياض اليوم ثم انصرف وهو أشغف الناس بها فجعل يكتم ذلك إلى أن غلب عليه فنطق فيها بالأشعار وشاع ذلك عنه وأنه مر بها ثانياً فنزل عندهم وشكا إليها حين تخاليا ما نزل به من بها فوجد عندها أضعاف ذلك فانصرف وقد علم كل واحد ما عند الآخر.
فمضى إلى أبيه فشكا إليه فقال له دع هذه وتزوج بإحدى بنات عمك، فغم منه وجاء إلى أمه فكان منها ما كان من أبيه فتركهما وجاء إلى الحسين بن علي وأخبره بالقصة فرثى له والتزم له أن يكفيه هذا الشان.
فمضى معه إلى أبي لبنى فسأله في ذلك فأجابه بالطاعة، وقال يا ابن رسول الله لو أرسلت لكفيت، بيد أن هذا من أبيه أليق كما هو عند العرب فشكره ومضى إلى أبي قيس.
ونقل السيوطي في شرح الشواهد عن ابن عساكر، أن الحين بن علي لما بلغه انقباض أبي قيس عن ذلك، جاء إليه حافياً على حر الرمل فقام ومرغ وجهه على أقدامه، وكان ذريح ملياً فمضى مع الحسين حتى زوج قيساً بلبنى. ونقل الجلال السيوطي أن الحسين أدى المهر من عنده، ولما تزوجها أقام مدة مديدة على أرفع ما يكون من أحسن الأحوال ومراتب الاقبال، وفنون المحبة، وأن قيساً على أبلغ ما يكون من أنواع البر بأمه فشغله الانهماك مع لبنى عن بعض ذلك فحسنت لأبيه التفريق بينهما فقالت له يوماً لو زوجته بمن تحمل لتجيء بولد كان أبقى لنسبك واحفظ لبيتك ومالك، وأنهما عرضا على قيس ذلك فامتنع امتناعاً يؤذن باستحالة ذلك، وقال لا أسيبها قط. وأقام يدافعهما عشر سنين إلى أن أقسم أبوه أو هي أمه لا يكنه سقف أو يطلق قيس لبنى. فكان إذا اشتد الهجير يجيئه فيلظه بردائه ويصطلي هو حتى يجيء الفيء فيدخل إلى لبنى فيتعانقان ويتباكيان وهي تقول له لا تفعل فتهلك إلى أن قدر أن طلقها، فلما أزمعت الرحيل بعد العدة جاء وقد قوض فسطاطها فسأل الجارية عن أمرهم فقالت سل لبنى فأتى إليها فمنعه أهلها وأخبروه أنها غداة غد ترحل إلى أهلها فسقط مغشياً عليه، فلما أفاق وأنشد:
وإني لمفن دمع عيني بالبكىحذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلةفراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتيبكفيك إلا أن ما حان حائن
وقال أيضاً:
يقولون لبنى فتنة كنت قبلهابخير فلا تندم عليها وطلق
فطاوعت أعدائي وعاصيت ناصحيوأقررت عين الشامت المتملق
وددت وبيت الله أني عصيتموحملت في رضوانها كل موثق
وكلفت خوص البحر والبحر زاخرأبيت على اثباج موج مفرق
كأني أرى الناس المحبين بعدهاعصارة ماء الحنظل المتفلق
فتنكر عيني بعدها كل منظرويكره سمعي بعدها كل منطق
وسقط غراب بحيث ينظره فنعق حين رحيلها فأنشد:
لقد نادى الغراب ببين لبنىفطار القلب من حذر الغراب
وقال غداً تباعد دار لبنىوتنأى بعد ود واقتراب
فقلت تعست ويحك من غرابوكان الدهر سعيك في تباب
وتبعها حين ارتحلت ينظر إليها، فلما غابت رجع يقبل أثر بعيرها، فليم على ذلك فأنشد:
وما أحببت أرضكم ولكنأقبل أثر من وطىء الترابا
لقد لاقيت من كلف بلبنىبلاء ما أسيغ له الشرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنىعييت فلا أطيق له جوابا
ولما أجنه الليل أوى إلى مضجعه فلم يطق قرار فجعل يتململ ويتمرغ في موضعه ويقول:
بت والهم يا لبينى ضجيعيوجرت مذ نأيت عني دموعي
وتنفست إذ ذكرتك حتىزالت اليوم عن فؤادي ضلوعي
يا لبينى فدتك نفسي وأهليهل لدهر مضى لنا من رجوع
وقال أيضاً:
قد قلت للقلب لا لبناك فاعترفقضلت لبانة ما قضيت فانصرف
قد كنت أحلف جهدي لا أفارقهاأُف لكثرة زيف القيل والحلف
حتى تكنفني الواشون فافتلتتلا تأمنن أبداً من غش مكتنف
هيهات هيهات قد أمست مجاورةأهل العقيق وأمسينا على سرف
حيّ يمانون والبطحاء منزلهاهذا لعمرك شكل غير مؤتلف
وأرسلت إليه يوماً أمه بنات يعبن لبنى عنده ويلهينه بالتعرض إلى وصلهن فأنشد:
يقر لعيني قربها ويزيدنيبها عجباً من كان عندي يعيبها
وكم قائل قد قال تب فعصيتهوتلك لعمري توبة لا أتوبها
فيا نفس صبر الست والله فاعلميبأول نفس غاب عنها حبيبها
فلم ينصرفن ودمن على ما كن فيه فنادى يا لبنى فقلن ما لك قال خدرت رجلي وكان من المعلوم عند العرب أنه إذا خدرت رجل الرجل وذكر لها أحب الناس إليها سكنت ثم قال:
إذا خدرت رجلي تذكرت من لهافناديت لبنى باسمها ودعوت
دعوت التي لو أن نفسي تطيعنيلفارقتها في حبها فقضيت
برت نبلها للصيد لبنى عشيةورشت بأخرى مثلها وبريت
فلما رمتني أقصدتني بلبلهاوأخطأتهم بالسهم حين رميت
وفارقت لبنى ضلة فكأننيقرنت إلى العيوق ثم هويت
فيا ليت إني مت قبل فراقهاوهل يرجعن قول المفرط ليت
فوطن لنفسي منك هلكاً فإننيكأنك بي قد يا ذريح قضيت
ورأيت الأبيات في كتاب لا أعرف جامعه وفيها يقول:
فيا ليت إني مت قبل فراقهاوهل ينفعن بعد التفرق ليت
فإن يك تهيامي بلبنى غوايةفقد يا ذريح بن الحباب غويت
فوطن البيت، ولما اشتد شوقه وزاد غرامه أفضى به الحال إلى مرض ألزمه الوساد واختلال العقل واشتغال البال، فلام الناس أباه على سوء فعله فجزع وندمع وجعل يتلطف به، فأرسل له طبيباً وقينات يسألون عن حاله ويلهونه، فلما أطالو عليه أنشد:
عند قيس من حب لبنى ولبنىداء قيس والحب صعب شديد
فإذا عادني العوائد يوماًقالت العين لا أرى من أريد
ليت لبنى تعودني ثم أقضيأنها لا تعود فيمن يعود
ويح قيس لقد تضمن منهاداء خبل فالقلب منه عميد
فقال له الطبيب مذ كم هذه العلة بك ومذ كم وجدت بهذه المرأة ما وجدت فقال:
تعلق روحي روحها قبل خلقناوليس إذا متنا بمنفصم العقد
فزاد كما زدنا وأصبح نامياًوليس إذا متنا بمنصم المهد
ولكنه باق على كل حادثوزائرتي في ظلمة القبر واللحد
فقال إنما يسليك عنها تذكر ما فيها من المساوي والمعايب وما تعافه النفس فقال:
إذا عبتها شبهتها البدر طالعاًوحسبك من عيب لها شبه البدر
لقد فضلت لبنى على الناس مثل ماعلى ألف شهر فضلت ليلة القدر
إذا ما شئت شبراً من الأرض أرجفتمن البهر حتى ما تزيد على شبر
لها كفل يرتج منها إذا مشتومتن كغصن البان منضمر الخصر
وأن أباه دخل وهو يخاطب الطبيب بذلك فجعل يؤنبه ويلومه، فلما لم يفد ذلك عرض عليه التزويج وأنشد:
لقد خفت أن لا تقنع النفس بعدهابشيء من الدنيا وإن كان مقنعا
وازجر عنها النفس إن حيل دونهاوتأبى إليها النفس إلا تطلعا
فلما أيس منه استشار قومه في دائه فاتفقت آراؤهم على أن يأمروه بتصفح احياء العرب فلعل أن تقع عينه على امرأة تستميل عقله فاقسموا عليه أن يفعل ففعل وأنه اتفق أن نزل بحي من فزارة فرأى جارية قد حسرت عن وجهها برقع خز وهي كالبدر حسناً وبهجة فسأل عن اسمها فقالت لبنى فسقط مغشياً عليه فارتاعت منه ونضحت وجهه بالماء وقالت إن لم تكن قيساً فمجنون.
فلما أفاق استنسبته فإذا هو قيس فأقسمت عليه أن ينال من طعامها، فتناول قليلاً وركب فجاء أخوها على أثره فأعلمته القصة فركب حتى استرده وأقسم عليه أن يقيم عنده شهراً، فقال شفقت علي وأجاب فكان الفزاري يعجب به ويعرض عليه الصهارة حتى لامته العرب وقالوا نخشى أن يصير فعلك سنة فيقول دعوني في مثل هذا الفتى يرغب الكرام وقيس يقول له إن فيكم الكفاية ولكني في شغل لا ينتفع بي معه فألح عليه حتى عقد له على أخته ودخل بها فأقام معها أياماً لا تهش نفسه إليها ولا يكلمها ثم استأذن في الخروج إلى أهله فأذنوا له فخرج إلى المدينة وكان له بها صديق فأعمله أن لبنى قد بلغها تزويجه فغمت لذلك وقالت إنه لغدار وإني طالما خطبت فأبيت والآن أجيب هذا وإن أبا لفنى قد اشتكى قيساً إلى معاوية وإنه يشبب بابنته فكتب إلى مروان بهدر دمه وأمره أن يزوج ابنته بخالد بن خلدة الغطفاني وهو كندي حليف قريش فجعل النساء ليلة زفافها يغنينها:
لبينى زوجها أصبحلا حر يوازيه
له فضل على الناسوقد باتت تناجيه
وقيس ميت حقاًصريع في بواكيه
فلا يبعده اللهوبعداً لنواعيه
ولما بلغ ذلك قيساً اشتد به الغرام فركب حتى أتى محلة قومها فقالت له النساء ما تصنع هنا وقد رحلت مع زوجها فلم يلتفت حتى أتى موضع خبائها فتمرغ به وأنشد:
إلى الله أشكوا فقد لبنى كما شكاإلى الله بعد الوالدين يتيم
يتيم جفاه الأقربون فجسمهنحيل وعهد الوالدين قديم
وأنشد حين بلغه هدر دمه:
فإن يحجبوها أو يحل دون وصلهامقالة واش أو وعيد أمير
فلن يمنعوا عينيّ من دائم البكاولن يذهبوا ما قد أجن ضميري
إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوىومن كرب تعتادني وزفير
ومن حرق للحب في باطن الحشاوليل طويل الحزن غير قصير
سأبكي على نفسي بعين غزيرةبكاء حزين في الوثاق أسير
وكنا جميعاً قبل أن يظهر النوىيا نعم حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنابطون الهوى مقلوبة بظهور
لقد كنت حسب النفس لو دام وصلناولكنما الدنيا متاع غرور
وقال أيضاً:
وإن تك لبنى قد أتى دون قربهاحجاب منيع ما إليه سبيل
فإن نسيم الجو يجمع بينناونبصر قرن الشمس حين تزول
وأرواحنا بالليل في الحين تلتقيونعلم أنا بالنهار نقيل
وتجمعنا الأرض القرار وفوقناسماء نرى فيها النجوم تجول
إلى أن يعود الدهر سلما وتنقضيترات يرها عندنا وذحول
وحجت لبنى في تلك السنة فاتفق خروجه أيضاً فتلاقيا فأبهت وأرسلت إليه مع امرأة تستخبر عن حاله وتسلم عليه فأعاد السلام والسؤال وأنشد:
إذا طلعت شمس النهار فسلميفإني يسليني عليك طلوعها
بعشر تحيات إذا الشمس أشرقتوعشر إذا اصفرت وحان رجوعها
ولو أبلغتها جارة قولي أسلميطوت حزناً وارفض منها دموعها
وحين انقضى الحج مرض مرضاً أنهكه فأكثر الناس من عيادته فجعل يتكفر لبنى وعدم رؤيته لها فأنشد:
ألبنى لقد جلت عليك مصيبتيغداة غد إذ حل ما أتوقع
تمنيني نيلاً وتلويني بهفنفسي شوقاً كل يوم تقطع
ألومك في شأني وأنت مليمةلعمري وأجفى للمحب وأقطع
وأخبرت أني فيك مت بحسرةفما فاض من عينيك للوجد مدمع
إذا أنت لم تبكي عليّ جنازةلديك فلا تبكي غداً حين أرفع
فحين بلغتها الأبيات جزعت جزعاً شديداً وخرجت إليه خفية على ميعاد فاعتذرت عن الانقطاع وأعلمته أنها إنما تترك زيارته خوفاً عليه أن يهلك وإلا فعندها ما عنده ولكنها جلدة وفي منازل الأحباب يرفعه إلى ابن عباس قال مررت بربع عفا وسمه وإذا بشخص فسلمت عليه لم يرد فمضيت وإذا هو يناديني فرجعت فرد علي السلام واعتذر ثم ذكر أنه تعتريه غيبة العقل أطواراً هذا ودمعه يسفح كالغيث فقلت له من أنت قال قيس ابن ذريح وأنشد:
أمانيه لبنى ولم يقطع المدىبوصل ولا هجر فبيأس طامع
أبى الله أن يلقي الرشاد متيمألا كل شيء حمّ لا شك واقع
هما برحابي معولين كلاهمافؤاد وعين ماقها الدهر دامع
إذا نحن أفنينا البكاء عشيةفموعدنا قرن من الشمس طالع
قال الحافظ مغلطاي وأخبرت لبنى بمرضه في حبها فقالت دفعاً للوهم مم يتمارض فبلغته القصة فأنشد:
تكذبني بالودّ لبنى وليتهاتكلف مني مثله فتذوق
ولو تعلمين الغيب أيقنت أننيلكم والهدايا المشعرات صديق
تتوق إليك النفس ثم أردّهاحياء ومثلي بالحياء حقيق
إذ ود سوام النفس عنك ومالهعلى أحد إلا عليك طريق
شهدت على نفسي بأنك غادةرداح وإن الوجه منك عتيق
وأنك لا تجزين مني صحابةولا أنا للهجران منك أطيق
وإنك قسمت الفؤاد فنصفهرهين ونصف في الحبال وثيق
كأن الهوى بين الحيازيم والحشاوبين التراقي واللهاة حريق
فإن كنت لما تعلمي العلم فاسأليوبعض لبعض في الفعال يفوق
سلى هل قلاني من خليل صحبتهوهل ذمّ رحلي في الرفاق رفيق
وهل يجتوي القوم الركام صحابتيإذا اغبرّ محشيّ المعجاج عميق
واكتم أسرار الهوى فأميتهاإذا باح مزاح بهن يروق
هل الصبر إلا أن أصدّ فلا أرىبأرضك إلا أن يكون طريق
وروى أن قيساً انتقى ناقة من إبله وقصد المدينة ليبيعها فاشتراها زوج لبنى وهو لا يعرفه، ثم قال له ائتني غداً في دار كثير بن الصلت أقبضك الثمن، فجاء وطرق الباب فأدخله وقد صنع له طعاماً وقام لبعض حاجاته، فقالت المرأة لخادمتها سليه ما بال وجهه متغيراً شاحباً فتنفس الصعداء، ثم قال هكذا حال من فارق الأحبة. فقالت استخبريه عن قصته فاستخبرته فشرع يحكي أمره فرفعت الحجاب وقالت حسبك قد عرفنا حالك فبهت حين عرفها لا ينطق ساعة، ثم خرج لوجهه فاعترضه الرجل وقال ما بالك عدلت قبض مالك وإن شئت زدناك، فلم يكلمه ومضى فدخل الرجل فقالت له ما هذا الذي فعلت إنه لقيس فحلف أنه لا يعرفه، وأنشد قيس معاتباً لنفسه:
أتبكي على لبنى وأنت تركتهاوكنت عليها بالملا أنت أقدر
فإن تكن الدنيا بلبنى تقلبتفللدهر والدنيا بطون وأظهر
كأني في أرجوحة بين أحبلإذا فكرة منها على القلب تخطر
وقيل أنه حين جاء ليقبض ثمن المطية رأى لبنى فعاد مبهوتاً فسأله الرجل فقال له لا تركب لي مطيتين فقال أنت قيس قال نعم قال ارجع لنخيرها فإن اختارتك طلقتها وظن الرجل أنها تبغض قيساً فخيرها فاختارت قيساً فطلقها لوقته.
وحكي أن سبب طلاقها أن قيساً قصد ابن أبي عتيق وكان أكثر أهل زمانه مروءة في ذلك، فجاء إلى الحسن والحسين وأعلمهما أن له حاجة عند زوج لبنى وطلب أن ينجداه عليه فمضيا معه حتى اجتمعوا به وكلموه في ذلك فقال سلوا ما شئتم فقال له ابن أبي عتيق أهلاً كان أو مالاً قال نعم، فقال أريد أن تطلق لبنى ولك ما شئت عندي فقال أشهدكم أنها طالق ثلاثاً فاستحيوا منه وعوضه الحسن مائة ألف درهم وقال له لو علمت الحاجة ما جئت.
وروى أن لبنى عاتبت قيساً على تزويج الفزارية فحلف لها أن عينيه لم تكتحل برؤيتها ولم يكلمها لفظة واحدة وأنه لو رآها لم يعرفها وأخبرته لبنى أنها كاره زوجها وأعلمته أنها لم تتزوجه رغبة فيه بل شفقة على قيس حين أهدر دمه ليخلى عنها فطلقها حين علم ما بينهما وأرسل أخو الفزارية إلى قيس حين أبطا عنه يسأله الرجوع فأعاد الرسول بالخيار في أمر اخته فاختار الرجل عدم الفرقة وقصد قيس معاوية فمدحه فرق له وكان ذلك قبل طلاق لبنى فقال له إن شئت كتبت إلى زوجا بطلاقها فقال لا ولكن ائذن لي أن أكون ببلدها ففعل فنزل قيس حين زال هدر دمه بحبها وظافرت مدائحه فيها حتى غنى بها معبد والغريض واضرابهما فرق الناس له هذا ولما طلقت نقلت إلى العدة بأمر ابن أبي عتيق فمن ذاهب إلى أنها أكملت عدتها وتزوجها وأقاما إلى الموت بدليل مدحه لابن أبي عتيق حيث قال:
جزى الرحمن أفضل ما يجازىعلى الاحسان خيراً من صديق
فقد جربت إخواني جميعاًفما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدعورأى حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبيأغصتني حرارتها بريقي
ومن ذاهب وهم الأكثر إلى أنها ماتت في العدة وأن مدحه لابن أبي عتيق حين لم يشك في عودها إليه وقد نهاه عن مدحه وقال له من سمع بهذا يعدني قواداً والقائلون بموت لبنى في العدة أجمعوا أن قيساً خرج حين بلغه ذلك حتى وقف على قبرها وأنشد:
مات لبينى فموتها موتيهل ينفعن حسرة على الفوت
إني سأبكي بكاء مكتئبقضى حياة وجداً على ميت
ثم بكى حتى أغمي عليه فحمل ومات بعد ثلاث ودفن إلى جانبها وكان ذلك في سنة وله أشعار كثيرة منها حكاه الشهاب في منازل الأحباب عن أبي العباس على تردد في أنه لابن الدمينة.
وفي عروة العذري إن مت أسوةوعمرو بن عجلات الذي قتلت هند
وبي مثل ما قد نابه غير أننيإلى أجل لم يأتني وقته بعد
وفيض دموع العين بالليل كلمابدا علم من أرضكم لم يكن يبدو
ومنها:
لقد عنيتني يا حب لبنىفقع إما بموت أو حياة
فإن الموت أيسر من حياةمنغصة لها طعم الشتات
وقال الآمرون تعز عنهافقلت ولا إذا حانت وفاتي
ومنها:
ما وجدت وجدي بها أم واحدولا وجد النهدي وجدي على هند
ولا وجد العذري عروة في الهوىكوجدي ولا من كان قبلي ولا بعدي
ومنها:
لو أن امرأ أخفي الهوى عن ضميرهلمت ولم يعلم بذاك ضمير
ولكن سألقي الله والنفس لم تبحبسرّك والمستخبرون كثير
ومنها:
عفا سرف من أهله فشوارعفجنبا أريك فالبلاد الدواقع
فمكة فالأخياف أخياف طيبةبها من لبينى مخرف فمرابع
لعلّ لبينى أن يحم لقاؤهاببعض بلادي إن ما حم واقع
بجذع من الوادي خلا عن أنيسهعفا وتخطته العيون الجوازع
ولما بدا منها الفراق كما بدابظهر الصفا الصلد الشقوق الشوائع
تمنيت أن تلقي لبيناك والمنىتعاصيك أحياناً وحيناً تطاوع
وما من حبيب وامق لحبيبهولاذى هوى الإله الدهر فاجع
وطار غراب البين وانشقت العصالبين كما شق الأديم الصواقع
ألا يا غراب البين قد طرت بالذيأحاذر من لبنى فهل أنت واقع
وأنك لو أبلغتها قيلي اسلميطوت حزناً وارفض منها المدامع
أتبكي على لبنى وأنت تركتهاوكنت كآت غيه وهو طائع
فلا تبكين في اثر شيء ندامةإذا نزعته عن يديك النوازع
فليس لأمر حاول الله جمعهمشت ولا ما فرّق الله جامع
كأنك لم تقنع إذا لم تلاقهاوإن تلقها فالقلب راض وقانع
فيا قلب خبرني إذا شطت النوىبلبنى وصدت عنك ما أنت صانع
أتصبر للبين المشت مع الجوىأم أنت امرؤ ناسي الحياة فجازع
فما أنا إن بانت سليمى بهاجعإذا ما استقلت بالنيام المضاجع
وكيف ينام المرء مستشعر الجوىضجيع الأسى فيه نكاس روادع
فلا خير في الدنيا إذا لم تزورنالبينى ولم يجمع لنا الشمل جامع
أليست لبينى تحت سقف يكنهاوإياي هذا إن نأت لي نافع
ويلبسنا الليل البهيم إذا دجاونبصر ضوء الصبح والفجر ساطع
تطأ تحت رجليها بساطاً وبعضهأطأه برجلي ليس يطويه مانع
وافرح أن تمسي بخير وإن يكنبها الحدث العادي ترعني الروائع
كأنك بدع لم تر الناس قبلهاولن يطلعنك الدهر فيمن يطالع
وقد كنت أبكي والنوى لا أظنهبنا وبكم لم ندر ما البين صانع
وأهجركم هجر البغيض وحبكمعلى كبدي منه كلوم صوادع
فواكبدي من شدة الشوق والأسىوواكبدي إني إلى الله راجع
واعجل للاشفاق حتى يشفنيمخافة شحط الدار والشمل جامع
واعمد للأرض التي من ورائكملترجعني يوماً إليك الرواجع
فيا قلب صبراً واعترافاً لما ترىويا حبها قع بالذي أنت واقع
لعمري لمن أمسى وأنت ضجيعهمن الناس ما اختيرت إليه المضاجع
ألا تلك لبنى قد تراخى مزارهاوللبين غمّ ما يزال ينازع
إذا لم يكن إلا الجوى فكفى بهجوى حرق قد ضمنتها الأضالع
أبائنة لبنى ولم تقطع المدىبوصل ولا صرم فييأس طامع
نهاري نهار الوالهين صبابةوليلى تنبو فيه عني المضاجع
قد كنت قبل اليوم خلوا وإنماتقسم بين الهالكين المصارع
وهذان البيتان في غير رواية أبي علي:
ولولا رجاء القلب أن يعطف النوىلما حملته بينهنّ الأضالع
له وجبات أثر لبنى كأنهاشقائق برق في السحاب لوامع
نهاري نهار الناس حتى إذا بدىلي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنىويجمعني بالليل والهم جامع
إذا نحن أنفدنا البكاء عشيةفموعدنا قرن من الشمس طالع
وللحب آيات تبين للفتىشحوب وتبري من يديه الأشاجع
وما كل ما منيت نفسك خالياًتلاقي ولا كل الذي أنت تابع
تداعت له الأحزان من كل وجهةفحن كما حن الطيور السواجع
أراك اجتنبت الحي من غير بغضةولو شئت لم تجنح إليك الأصابع
كأن بلاد الله ما لم تكن بهاوإن كان فيها الناس قفر بلاقع
ألا إنما أبكي لما هو واقعوهل جزع من وشك بينك نافع
أحال عليّ الدهر من كل جانبودامت ولم تقلع على الفجائع
فمن كان محروقاً غدا لفراقنامذ الآن فليك لما هو واقع
وقد انتهت أخباره كما وجدت وكأني بغبي يعترض على نقلي له من مراتب من حظي بالتلاق إلى مراتب من مات دونه من العشاق ولم يدر أن الحينيات توجب بالتأمل الصائب والفهم الذكي الثاقب ما لم يدركه الغافل الغبي أما تقدم هذه الأربعة فقد علم. وأما ذكر هذا هنا فقد قال في النزهة والبدور المسافرة وطوالع الأزهار وغالب شراح ديوان الاستاذ ومن بحث عن أحوال العشاق أنه رأس أهل الهوى ولكن وقوعه في فرقة المحبوب وقعة في هذه المرتبة وقال المتكلمون على الديوان المذكور إن سلطان العشاق واستاذ العارفين على الاطلاق قد أشار إلى تفضيله على الكل حيث شبه غرامه بغرامه وحسن لبنى ببهجة الحضرة الممدوحة حيث قال:
بفرط غرامي ذكر قيس بوجدهوبهجتها لبنى أمت وأمت
لا يقال قد أفرد غيره بالذكر أيضاً الآن أساليب دقائق كلامه وأفانين مطاوي نظامه تجلى عن أن تنال الأبشق الأنفس والله يؤتي فضله من يشاء فإن قوله: فإن كنت ليلى أن قلبي عامر. ونحوه ليس تمويهاً بعظم الشأن كما في البيت السابق اه. قلت وقد يقال لا تفضيل القيس في البيت على غيره فيجاب بأن قوله ﵁:
بها قيس لبنى هام بل كل عاشقكمجنون ليلى أو كثير عزة
صريح في جعله في مقابلة الجموع حيث ذكرهم بالحرف الدال على الانتقال عن الأرفع ومثل بالأمثل وذلك يقتضي التفضيل على الجميع وحكمة ذلك والله أعلم كونه قد عرف لذة الوصل والتلاق ثم رمي بغصة البعد والفراق وذلك عند العقلاء أبلغ وأعظم وأرفع في مقاسات الغرام وأفخم وفيه تلميح بما ذكر في التفضيل بين البشر والملائكة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع