تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

أخبار نصيب وصاحبته زينب

هو ابن محجن نصيب بضم النون وفتح الصاد المهملة الشهير بالشاعر الزنجي مولى راشد ابن عبد العزى من كنانة.

وصاحبته أم بكر زينب بنت صفوان بن غاوي كنانية في الأصح وليست زنجية كما زعم وسبب الوصلة بينهما.

أن نصيباً كان يرعى ابلاً لمولاه وكانت رعاة مولاه تخالط رعاة صفوان، في المبروك بوادي البوار، وكانت زينب تأتي رعاة أبيها فتأخذ لبناً، وأن نصيباً تولع ببري القسي واراشة السهام وحجز الأوتار فبرع في ذلك حتى اشتهر في أحياء العرب، وكان يجلس لفعل ذلك وتذهب الرعاة فتقوم عنه بالخدمة وتتخلف الحلوب من النوق في المعاطن فتأتي زينب وهي جارية صغيرة فتأخذ اللبن، فينظرها وكان حاذقاً حسن التأمل في دقائق المحاسن ولطائف الشمائل، وهي من ذلك في أرفع المراتب، فنشأ عنده من حبها ما غير باله، وأشغل حاله فشبب بها وفشا ذلك فأتت العرب مولاه فقالت إن عبدك هذا قد برع في الشعر، ونخشى أن يهجو أحدنا ويشبب بنسائنا، وليس لنا في أحد الخليتين سيرة، فقال له مولاه إني بائعك فانظر لنفسك، فأقبل حتى دخل على الأمير وهو يومئذ عبد العزيز بن مروان فأنشد:

لعبد العزيز على عترتهوغيرهم منن ظاهره
فبابك أسهل أبوابهمودارك مأهولة عامره
وكلبك أرأف بالزائرينمن الأم بالابنة الزائره
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعبد العزيز على قومه»
وكفك حين تري السائلينلأثرى من الليلة الماطره
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعبد العزيز على قومه»
فمنك العطاء ومنا الثناءبكل محبرة سائره
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «لعبد العزيز على قومه»

فأمر له بألف دينار. فقال أصلحك الله إني عبد لا آخذ الجوائز ولكن أباع فقال لخادمه امض به إلى باب الجامع فإذا انتهت الرغبات فيه فأخبرني فمضى فلما نودي عليه بذل فيه شخص خمسين ديناراً فقال نصيب قولوا يحسن كذا وجعل يعدد صنائعه وهو يوفي بها حتى انتهى إلى ألف دينار.

فأخذه الأمير فكان في خدمته إلى أن توفي فأوصى به سليمان بعد أن أعتقه على ما ذكر بعض المعتنين بذكر محاسن الحبش والزنج، فكان من أكبر سماره وكان يلهج بالعشق وقال ابن فاتك في محاسن العبيد.

أن سليمان استخفى ليلة فسمع نصيباً وقد استخلي بنفسه يبكي ويقول متمثلاً بكلام المجنون قضاها لغيري البيت فاستحضره فقال ما هذه التي قضاها لغيرك وابتلاك بحبها أو عاشق أنت. قال أي والله جعلت فداك من العشق فقال ولمن قال لجارية في كنانة علقتها فمنعت منها القلة حسبي وحقارة نسبي عند العرب فكنت أجلس في ممرها لأخالسها النظر وفي ذلك أقول:

جلست لها كيما تمرّ لعلنيأخالسها التسليم إن لم تسلم
فلما رأتني والوشاة تحذرتمدامعها خوفاً ولم تتكلم
مساكين أهل العشق ما كنت أشتريحياة جميع العاشقين بدرهم

فوعده سليمان بتزويجها. ففي النزهة ومحاسن العبيد لابن فاتك أنه زوجه بها وأقام معها وأنها توفيت عنده في خلافة سليمان.

وقيل أنه تزوج بها على يد اليزيد بن الوليد وما ذكره هنا من أن يزيد استخبره عل عشقت فقال نعم عشقت جارية حمراء يعني من البيض ومنعت منها مدة فلما توفي من كان يمنعها كتبت إليها:

فإن أك حالكاً فالمسك لونيوما لسواد جلدي من دواء
وبي كرم عن الفحشاء ناءكبعد الأرض عن جوّ السماء
ومثلي في رجالكم قليلومثلي لا يردّ عن النساء
فإن ترضى فردّى قول راضوإن تأبى فنحن على السواء
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «فإن أك حالكا فالمسك أحوى»

فقالت المال والعقل يغطيان غيرهما لو تزوجتني يدل على أن ليس ليزيد في تزويجها شيء. وقيل أنه تزوجها على يد ابن أبي عتيق. وفي تسريح النواظر أنه لم يتزوجها وأنها اعتذرت حين أرسل إليها بأن العرب تعيرها بزواج الزنجي والمتواتر خلاف ذلك أخبر التنوخي والتوزي كلاهما عن ابن الجزار بسنده إلى العتبي.

قال شهدت هوادج مزينة حين نزلنا إلى مكة، فلما نزل الحاج خرج من أعظمها هودجاً امرأة وقد مهد له مهاد فجلست وأقبل زنجي حتى جلس إلى جانبها فمر سائق ابل وهو يقول:

بزينب ألمم قبل أن يدخل الركبوقل إن تملينا فما ملك القلب

فوثبت المرأة فضربت الذي إلى جانبها وقالت قد فضحتنا فسألنا عنهما فقيل هي زينب وهو نصيب ونحو هذا عن الزبير عن الخزامي وعن ابن خلف وابن الجوهري في أخبار السودان وكل يصف المرأة بالبياض ما عدا الأول فإنه قال إنها زنجية.

وعن ابن خلف من طريق آخر بيننا نحن في الركب إذا بزنجي يمشي وإلى جانبه امرأة كأنها البدر والمسك يسطع منهما فقالت له من أنت قال أنا الذي أقول:

ألا ليت شعري ما الذي هو حادثغدا غربة النأي المفرّق والبعد
لدى أم بكر حين يقذفها النوىبنا ثم يخلو الكاشحون بها بعدي
أتصر مني عند الذين هم العدافتشمتهم بي أم تدوم على العهد

فصاحت المرأة لا والله بل ندوم على العهد، وتوفي نصيب سنة ثلاث عشرة ومائة وقيل إحدى عشر. وفي كتاب ابن الجوهري كانت وفاته تاسع شوال من السنة المذكورة، وقيل توفيت قبله ورؤي باكياً عليها وهو يقول:

أيا دهر ما هذا لنا منك مرةعثرت فأقصيت الحبيب المحببا
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أيا دهر ما هذا لنا منك مرة»
وأبدلتني من لا أحب دنوّهوأسقيتني صاباً من العذب مشربا
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «أيا دهر ما هذا لنا منك مرة»

ومن لطائف شعره:

كسيت ولم أملك سواداً وتحتهقميص من الصوهيّ بيض بنائقه
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «كسيت ولم املك سوادا وتحته»
وما ضرّ أثوابي سواد وإننيلكالمسك لا يخلو عن المسك ناشقه
ولا خير في ودّ أمري متكارهعليك ولا في صاحب لا توافقه
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «ولا خير في ود امرئ متكاره»
إذا المرء لم يبذل من الود مثلهبعافية فاعلم بأني مفارقه
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «كسيت ولم املك سوادا وتحته»

ومنها:

وما في الأرض أشقى من محبوإن وجد الهوى حلو المذاق
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «وما في الأرض أشقى من محب»
تراه باكياً أبداً حزيناًمخافة فرقة أو لاشتياق
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «وما في الأرض أشقى من محب»
فيبكي أن نأوا شوقاً إليهمويبكي إن دنوا خوف الفراق
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «وما في الأرض أشقى من محب»
فتسخن عينه عند التنائيوتسخن عينه عند التلاقي
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «وما في الأرض أشقى من محب»

أخبار المرقش وصاحبته أسماء

هو عمرو أو عوف بن سعد بن مالك بن قيس بن ثعلبة بن ربيعة أعلى قبائل طيء، ولد باليمن قبل خروج ربيعة ثم انتقلوا إلى العراق فنشأ بها وله اخوان أنس وحرملة رفعهم أبوهم إلى نصراني ببغداد يتعلمون الكتابة، وكان سعد والده يرى دين النصرانية، ومات فقام عمرو مقامه في العرب، فكان شجاعاً مهاباً في العرب.

خرج يوماً وقد قطع وادي نجران بأسد ونمر فلم يطق أحد أن يمر منهما فلما رأى عمرو الأسد وثب عليه فزاوغه ووثب فصار على ظهره فأمسك أذنيه مستثبتاً ثم دق رأسه وسلخ جلده، فلما أحس بالنمر ألف في جلد الأسد وناماً سيفه فوثب النمر لينزل عليه فتلقاه بالسيف ثم سلخه، وأخذ جلده عليه وأقبل على العرب فسموه المرقش، وقيل سمي بذلك لقوله:

الدار قفر والرسوم كمارقش في ظهر الأدني قلم
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «هل بالديار أن تجيب صمم»

ومن ولد أخيه حرملة رجل دعته العرب بالمرقش الأصغر لشبهه ذاك.

وأسماء هي بنت عوف بن سعد بن مالك أيضاً، وكان عمرو قد ألفها من التربية صغيرين فخطبها إلى عمه فأنعم ومضى عمرو إلى جار الفلاة فمدحه، وحظى عنده فأمسكه مدة وأن الغلاء وقع بالبادية وطرقها جدب فقدم مرادي على عوف فخطب أسماء فزوجه بها على مائة ناقة واحتملها إلى قومه وعمدوا إلى عظام كيس فذبحوه ودفنوا عظامه وصيروها قبراً، فلما قدم عمرو أخبروه أنها ماتت وأروه القبر فلزمه حتى ضني وتغير حاله فبينما هو يوماً منتحباً إذ سمع ولداً قد اقتتل مع آخر على كعب يقول هذا أخذته من عظام الكبش الذي دفن وقيل لعمرو أنها أسماء فدعاه وسأله الخبر فحين عرف ذلك دعا بزوج ابنته وسارا في طلب المرادي.

فقيل إن إخوته شعروا به فردوه فمات وتظافرت الأخبار بأنه وصل إلى واد بقرب مراد وقد ثقل في المرض فقال زوج ابنته لها اتركيه واذهبي بنا فقد أجهدنا، فلما سمع ذلك كتب على مؤخر الرحل:

يا صاحبيّ تلبثا لا تعجلاإن الرواح رهين أن لا تفعلا
فلعل لبثكما يقرّب بينناأو بسبق الاسراع سيبا مقبلا
يا راكباً ما عرضت فبلغنأنس بن سعد إن لقيت وحرملا
لله درّكما ودرّ أبيكمالا يفلت العبدان حتى يقتلا
من مبلغ الأقوام أن مرقشاًأضحى على الأصحاب عيا مثقلا
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «يا صاحبي تلوما لا تعجلا»
وكأنما ترد السباع بشلوهإذ غاب جمع بني ضبيعة منهلا
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «يا صاحبي تلوما لا تعجلا»

فلما رأى أخوته الكتابة قتلا الرجل والمرأة، وأما عمرو فحين ذهبا عنه بقي مطروحاً فأوى إلى غار هناك وكان يألفه راع من مراد بينما هو به إذا هو بغنم وراعيها. فلما بصر به الراعي قال له من أنت فأعله باسم الذي هو عنده فإذا هو زوج أسماء فقال له تكلم مولاتك قال لا ولكن تأتيني جارية من عندها لأخذ اللبن.

قال في النزهة وكانت أسماء قد مرضت أيضاً شوقاً إليه فلم تغتذ إلا بقدح من لبن في اليوم، فنزع عمرو خاتمه وقال للراعي ألقه في القدح فستصيب به خيراً، فلما رأته دعت الجارية فأخبرتها أن لا علم لها فنادت زوجها وأخبرته القصة فاستحضر الراعي، فلما عرفه ركب وأركب زوجته فأدركوا عمراً وبه رمق فاحتملوه عندهم، فمات وقيل أنشد عند موته:

سما نحوي خيال من سليمىفأرّقني وأصحابي هجود
فبت أدير أمري كل حالوأذكر أهلها وهم بعيد
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «سرى ليلاً خيال من سليمى»
على أن قد سما طرفي لناريشب لها بذي الارطي وقود
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «سرى ليلاً خيال من سليمى»
حواليها مها بيض التراقيوآرام وغزلان رقود
نواعم لا تعالج بؤس عيشأوانس لا تروح ولا ترود
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «سرى ليلاً خيال من سليمى»
يرحن معاً بطاء المشي روداًعليهنّ المجاسد والبرود
سكنّ ببلدة وسكنت أخرىفقطعت المواثق والعهود
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «سرى ليلاً خيال من سليمى»
فما بالي أفي ويخان عهديوما بالي أصاد ولا أصيد
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «سرى ليلاً خيال من سليمى»
وربّ أسيلة الخدّين بكرنعمة لها فرع وجيد
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «سرى ليلاً خيال من سليمى»
وذي أشر شنيب النبت عذبنقيّ اللون برّاق برود
لهوت بها زماناً في شبابيوزين بها النجائب والقصيد
أناس كلما أخلقت وصلاًعناني منهم وصل جديد
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «سرى ليلاً خيال من سليمى»

وله:

أغالبك القلب اللجوج صبابةوشوق إلى أسماء أم أنت غالبه
للشاعر المرقش الأكبر، من قصيدة «أغالبك القلب اللجوج صبابة»
يهيم ولا يعني بأسماء قلبهلدات الهوى امراره وعواقبه

وعلى قوله راكباً البيتين أورد المصنف الحكاية المشهورة دليلاً على ذكاء العرب وأسندها إلى مجهول وأصلها قال في روضة القلوب أن أسامة بن غسان بن حارث الكناني قتل أبو صبراً في تميم، فخرج يستجيش له نصرة وذلك قبل يوم أوارة بأعوام يسير، فلما طال عليه المدى وقد صحب عبدين لخدمته ولحقته علة فعزما على قتله، فلما أحس ذلك قال لهما هل أنتما مبلغا ابنتي هذين البيتين قالا وما هما قال تقولان:

ألا يا بنات الحيّ أن أباكمالله در كما ودر أبيكما

فلما أتيا الحيّ أخبرا بموته فقالوا هل أوصي بشيء، فقالا لا ضرر عليا فيما ذكره وذكرا لهم القول، فقالت إحدى بناته اقتلوا العبدين قد قتلا أبي فقالوا ومن أين لك ذلك قالت إن هذا الكلام سفه وهدر وقد كان مصوناً عن ذلك وإنما كتم عنهما تكملة البيتين والأصل:

ألا يا بنات الحيّ إن أباكماأضحى قتيلاً في التراب مجندلا
لله دركما ودر أبيكمالا يبرح العبدان حتى يقتلا
للشاعر سليمى بنت المهلهل، اقرأ القصيدة

فاستخبروهما فأقرا بالقصة. قلت وفي البيت خزم بالحرف الأول وهو عيب مشهور سائغ الاستعمال في الصناعة. وقوله بنات الحي، ثم عدل إلى التثنية في قوله أن أباكما جرياً على الغالب في خطاب العرب فإنهم يستعملون التثنية في موضع الجمع والأفراد.

قال ابن النحاس وأصل ذلك أن البدوي كان أكثر ما يكون مع راعيه ورفيقه أو أن نزل ابنتيه منزلة الجمع تعظيماً، ثم عاد إلى أصله وقد حكى في شرح العبدونية هذه القصة عن المهلهل، وقال في صدر البيت الأول من مبلغ الأقوام أن مهلهلاً والباقي على حكمه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في أحوال عشاق الجواري والكواعب وذكر ما صدر لهم من العجائب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.