تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

أخبار عتبة بن الحباب وصاحبته ريا

هو عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري.

وصاحبته هي ريا بنت الغطريف السللي. علقها بمسجد الأحزاب يوم منتزه، وأصل ذلك أن عبد الله بن معمر القيسي حين دخل المدينة قال بينما قد زرت رسول الله ﷺ ليلاً وجلست إذا أنا بشخص ينشد بصوت شجي ولا أراه:

أشجاك نوح حمائم السدرفاهجن منك بلابل الصدر
يا ليلة طالت على دنفيشكو الفراق وقلة الصبر
أسلمك من تهوى لحرّ جوىمتوقد كتوقد الجمر
ما كنت أعلم أنني كلفحتى تلفت وكنت لا أدري
فالبدر يشهد أنني كلفمغري بحب شبيهة البدر

وفي رواية صاحب الأصل تقديم هذا وصدر الذي قبله ما كنت أحسب إنني شجن فتبعت الصوت فرأيت شاباً حرقت الدموع خده، فقال لي اجلس أحدثك أنا فلان كنت يوماً بمسجد الأحزاب إذا بنسوة يتنزهن، فيهن جارية لم أر مثلها، وقفت علي وقالت ما تقول في وصل من يطلب وصلك، ثم مضت فلم أعرف خبرها، ثم غشي عليه ساعة فلما أفاق أنشد:

أراكم بقلبي من بلاد بعيدةتراكم تروني في القلوب على البعد
فؤادي وطرفي يأسفان عليكموعندكم روحي وذكركم عندي
للشاعر مبارك بن حمد العقيلي، من قصيدة «بما بيننا من عهود ود أكيدة»
ولست ألذ العيش حتى أراكم ولوكنت في الفردوس أو جنة الخلد

فشرعت في تسليته، فقال هيهات أو يؤب القارظان مثل مشهور أصله أن أخوين خرجا يجتنيان القرظ نبت معروف فلم يعلم لهما خبر، قال عبد الله فلما طلع الصبح قلت له قم بنا إلى مسجد الأحزاب فأنشد:

يا للرجال ليوم الأربعاء أماينفك يحدث لي بعد النوى طربا
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «يا للرجال ليوم الأربعاء»
ما أن يزال غزال فيه يظلمنييهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا
يخبر الناس أن الأجر هيمهأو أنه طالب للأجر محتسبا
لو كان يبغي ثواباً ما أتى ظهراًمضمخاً بفتيت المسك مختضبا

فمضينا إلى المسجد فحيناً صلينا الظهر أقبل النسوة ولم نر الجارية فيهن، فقلن له ما ظنك بمطالبة وصالك، فقال وأين هي، قلن له مضى بها أبوها إلى السماوة فأنشد:

خليليّ ريا قد أجدّ بكورهاوسارت إلى أرض السماوة عيرها
خليليّ قد غشيت من كثرة البكىفهل عند غيري عبرة استعيرها

فقلت له قد وردت بمال جزيل أريد به الحج، وقد عزمت على أن أبذله في حاجتك فهل لك أن تسير معي إلى قومها وأبيها، فقال نعم فسافرنا إلى أن وافينا أباها، ففرش لنا الانطاع ونحر لنا النحائر، فحلفنا ألا نأكل له طعاماً أو يقضي حاجتنا، فقال اذكروها فأعلمناه بخطبة عتبة، فقال من عتبة، فقلنا من الأنصار، قال ذاك إليها فقلنا له أخبرها، فدخل عليها وأعلمها فشكرت عتبة فقال قد نمى إلي أمرك معه وأقسم لا أزوجك به، فقالت إن الأنصار لا يردون رداً قبيحاً فإن كان ولا بد فاغلظ عليهم المهر، فقال نعم ما أشربت به، ثم خرج فقال قد أجبت ولكن على ألف دينار وخمسة آلاف درهم هجرية ومائة ثوب من الابراد والخز وخمسة أكراس من العنبر، فضمنا له ذلك وقلنا له إذا أحضرناها أجبت قال فاحضرنا ذلك، فأولم أربعين يوماً ثم أخذناها ومضينا، فحين قاربنا المدينة خرج علينا خيل كثيرة حسبنا وهم بأمر أبيها فقاتلناهم زماناً، فجاءت طعنة في نحر عتبة فسقط ودمه يفور، فجاءتنا النجدة فإذا هو ميت فحين علمت الجارية بموته جاءت حتى انكبت عليه وأنشدت:

تصبرت لا إني صبرت وإنماأعلل نفسي أنها بك لاحقه
ولو انصفت روحي لكانت إلى الردىأمامك من دون البرية سابقه
فما أحد بعدي وبعدك منصفخليلاً ولا نفس لنفس موافقه

ثم شهقت شهقة فماتت فواريناهما معاً. قال عبد الله فأقمت سبع سنين ثم رجعت إلى زيارة النبي ﷺ فقلت لا أبرح أو أزور عتبة، فجئت فإذا أنا بشجرة عليها ألوان من الورق قد نبتت على القبر، فسألت عنها فقالوا شجرة العريسين.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في أحوال عشاق الجواري والكواعب وذكر ما صدر لهم من العجائب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.