تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

أخبار الصمة وصاحبته ريا

هو أبو مالك الصمة بن عبد الله بن مسعود بن رقاش القشيري التغلبي من بني ربيعة، كان أديباً شجاعاً عارفاً بأيام العرب ووقائعها ومواضعها وكثيراً ما يسند إليه ابن دريد والأصمعي، قال ابن الفوار والوزير أنه أدرك أوائل الاسلام.

وريا هي بيت مسعود بن رقاش أيضاً، كانت ذات ظرافة وفراسة ومعرفة وحسن نشأت مع الصمة صغيرين وكانا يتذاكران الأدب وملح الأشعار فأعجب بها وتمكنت منه ولم يكن عندها منه مقدار ما عنده منها، فلما شكا ما يجد منها إلى بعض أصدقائه أرشده إلى تزوجها، فخطبها إلى عمه، فأنعم على مائة من الابل، فمضى الصمة إلى أبيه فأعطاه تسعاً وتسعين فأبى مسعود إلا التمام وعد الله إلا ذلك وحلف كل على ما قال وأقفوا الأمر فحملت الصمة الانفة على أن خرج عنهما إلى العراق.

فقالت الريا ما رأيت رجلاً أضاعه أبوه وعمه ببعير إلا الصمة لما عندهما من العلم بحبه لها، فلما طال عليه الأمر وتنازعه الشوق والشهامة المانعة له من العود بلا طلب مرض حتى أضناه السقم، وقيل أتى كاهناً بالعراق فسأله عما أضمر فأخبره أنه لا يتزوج بها أبداً فضعف، والصحيح كما حكاه صاحب قوت القلوب في أخبار المحب والمحبوب أنه قدم رجل يقال له غاوي بن رشيد بن طلابة المذحجي على مسعود فخطب منه ريا وأمهرها ثلثمائة ناقة برعائها، فزوجه بها فحملها إلى مذحج فبلغ الصمة ذلك فلزم الوساد وطال أمره، فدخل عليه رجل كان يألفه فعنفه وسلاه فأنشد:

أمن ذكر دار بالرقاشين أعصفتبه بارحات الصيف بدأ ورجعا
حننت إلى ريا ونفسك باعدتمزارك من ريا وسعياً كما معا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»
فما حسن أن يأتي الأمر طائعاًوتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
كأنك لم تسمع وداع مفارقولم تر شعبي صاحبين تقطعا
بكت عيني اليمنى فلما زجرتهاعن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»

الرقاشين اسم واد بين نجد واليمن كانت تنزله بنو ربيعة، والبارحات رياح معلومة صيفية تستبشر بها العرب والضمير يعود على الوادي.

وفي قوت القلوب أعصفت بها سانحات الصيف يريد بالدار، والسانحات أيضاً رياح لكنها لا تخص الصيف فيشكل التعيين هنا وقوله وسعياً كما معطوف على قوله ونفسك باعدت يريدان السعي والنفس أبعداه عن المحبوبة وغلط في قوت القلوب حيث أعرب وسعييكما نصباً بالياء على أنه معمول باعدت عطفاً على مزارك.

وقوله فما حسن أن يأتي الأمر وبكت عيني اليمنى البيتين قد استعارهما المجنون وباقي الشعر واضح ويقال إن في القصيدة طولاً:

ولما رأيت البشر أعرض دونناوجالت بنات الشوق تحتي نزعا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أتبكي على ليلى ونفسك باعدت»
تلفت نحو الحي حتى وجدتنيرجعت من الاصغاء الوي وأجزعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثنىعلى كبدي من خشية أن تصدعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»
فليست عشيات الحمى برواجععليك ولكن خل عينيك تدمعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»
أما وجلال الله لو تذكريننيكذكراك ما كففت للعين مدمعا
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة
فقالت بلى والله ذكرى لو أنهتضمنه صم الصفا لتصدعا

ولما طالت عليه دعا له صاحبه العراقي بطبيب حاذف، فلما تأمله قال إنما يشكو العشق لا غيره وأرى أن يلزم النزهة والفرح بنحو البساتين ليتشاغل عما هو فيه فأخرجه صاحبه مع بعض الخدم إلى الثغور، فبينا هو يوماً على شاطىء نهر وقد وجد به الكرب إذ سمع امرأة تنادي ابنتها يا ريا فسقط مغشياً عليه فاحتملوه إلى بستان هناك وأضجعوه، فلما أفاق أنشد:

تعز بصبر لا وجدك لا ترىسنام الحمى إحدى الليالي الغوابر
كان لساني من تذكري الحمىوأهل الحمى يهفو به ريس طائر

ولم يزل يرددها حتى قضى، ولما وصل خبره إلى الريا داخلها من الوجد ما أمسكت معه عن الطعام والشراب وجعلت تبكي حتى ماتت، ومن لطيف شعره قوله:

ألا من لعين لا ترى قلل الحمىولا جبل الآثال الا استهلت
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة
ألا قاتل الله الحمى من محلةوقاتل دنيانا بها كيف ولت
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة
غنينا زماناً باللوى ثم أصبحتبراق الهوى من أهلها قد تخلت
فما وجد أعرابية قذفت بها صروف اللوى من حيث لم تك ضنت
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فما وجد أعرابية قذفت بها»
تمنت أحاليب الرغاء وخيمةبنجد ولم يقدر لها ما تمنت
إذا ذكرت نجد وطيب ترابهاوبرد الحصى من أرض نجد أرنت

ومنه:

أرى الدهر بالتفريق والبين مولعاًوللجمع ما بين المحبين آبيا
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة
فأف عليه من زمان كأننيخلقت وإياه نطيل التعاديا
للشاعر الصَمَّة القُشَيري، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثاني في أحوال عشاق الجواري والكواعب وذكر ما صدر لهم من العجائب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.