من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
خاتمة في ذكر ما عولج به العشق من الدوا وقصد به السلو عن الهوى
وهو الباب الرابع من الكتاب، قد سبق في صدر الكتاب أنه لا علاج للعشق على الأصح إلا دوام الوصال ما لم يتمكن أو يوقع الحبال، فمن العلاج ما ذكر عن عمر ﵁ أنه عالج بالتغريب وتشويه الخلقة وذلك أنه مر ليلة في المدينة فسمع امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربهاأو من سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ما جد الاعراق مقتبلسهل المحيا كريم غير ملجاج
نمته اعراق صدق حين تنسبهأخي حفاظ عن المكروب فراج
فقالت لها امرأة معها من نصر، قالت رجل أود لو كان معي طول ليلة ليس معنا أحد فدعا بها عمر فخفقها بالدرة ودعا بنصر فحلق شعره فعاد أحسن ما كان فقال له لا تساكني في بلدة يتمناك النساء بها، وأخرجه إلى البصرة وخافت المرأة فكتبت إلى عمر تستعطفه:
قل للإمام الذي تخشى بوادرهما لي وللخمر أو نصر بن حجاج
إني غنيت أبا حفص بغيرهماشرب الحليب وطرف غيره ساجي
إن الهوى ذمه التقوى فقيدهحتى أقرّ بالجام واسراج
أمنية لم أطر فيها بطائرةوالناس من هالك فيها ومن ناجي
لا تجعل الظن حقاً أو تبينهإن السبيل سبيل الخائف الراجي
وكان عمر قد سأل عنها فوصفت له بالعفاف، فأرسل إليها قد بلغني عنك خير فقري، ومضى على نصر مدة بالبصرة فأزار عاملها ارسال بريد إلى المدينة فدس نصر بن حجاج كتاباً يستعطف فيه عمر ويسأله العود وفيه يقول:
لعمري لئن سيرتني أو حرمتنيوما نلت من شتمي عليك حرام
أئن غنت الذلفاء يوماً بمنيةوبعض أمانيّ النساء غرام
ظننت بي الظن الذي ليس بعدهبقاء فما لي في النديّ كلام
فأصبحت منفياً على غير ريبةوقد كان لي في المكتين مقام
ويمنعني مما تظن تكرميوآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها مما تظن صلاتهاوحال لها في قومها وصيام
فهذان حالانا فهل أنت راجعيفقد جب مني كاهل وسنام
فقال عمر أما ولي سلطان فلا، وبعث إليه فاقطعه بالبصرة ما يعيش به، وقيل نزل نصر على مجاشع بن مسعود السلمي من بني عمه فأكرمه ورفع محله وسمى نصر بها المتمنى، وكان تحت مجاشع شميلة بنت أبي حياء بن أبي بهر، وكانت من أجمل النساء فتولعت بنصر وتولع بها وزاد حبهما فأخفياه، وكان مجاشع آمناً فكتب لها نصر يوماً في الأرض أحبك حباً لو كان فوقك لأظلك أو تحتك لأقلك. فكتبت هي وأنا، وقيل قالت ذلك بلفظ حفي، فقال مجاشع ما قال قالت يقول ما أحسن داركم، فقلت وأنا قال ما هذا لهذا، وجعل على الكتابة صحفة فحين أصبح دعا غلاماً فقرأها، فقال هي طالق ألفاً يا ابن أخي.
فقال نصر وهي طالق إن تزوجت بها. وقيل ضعف نصر من حبها فأرسلها مجاشع إليه بطعام فمضت به فضمت نصراً إلى صدرها وأطعمته بيدها فشفي من وقته فقال بعض الحاضرين قاتل الله الأعشى حيث يقول:
لو أسندت ميتاً إلى صدرهاعاش ولم ينقل إلى قابر
وقيل لما عادت عنه مات وعاشت شميلة طويلاً وقتل مجاشع يوم الجمل، وقيل اسمها خضراء وأنها من بجيلة وأنها أول من لبست الشفوف وقيل أن مجاشعاً حين طلقها أخبر أبو موسى بالقصة وكان عاملاً على البصرة، فقال لنصر ما أخرجك أمير المؤمنين من خير أخرج عنا فأتى فارس فعلقت دهقانة فبلغ عثمان بن أبي العاص، فقيل أخرجه إلى الشام وقيل أنه حين عزم على إخراجه قال إن أخرجتموني لحقت بالشرك فكاتبوا عمر فأمر بجز شعره وتشمير ثيابه والزامه المسجد والمتمنية هي فريعة بنت همام كانت إذ ذاك تحت المغيرة بن شعبة ثم تزوج بها يوسف الثقفي فأولدها الحجاج وبها كان يضرب المثل فتقول العرب أصبأ من المتمنية وأدنف منها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع