من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
ما قيل في الدواة
أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق، قال: أنشدني أبو هفان:
آلة المجلس الظريف إذا ماكنت فيه الدواة والأقلام
يتهادى فيه البلاغة والآداب منثورها معاً والنظام
قال أبو بكر: أما المشهور مما قيل فيها فشعر بعض الكتاب، وقد أهدى دواة محلاة بذهب، وهي من الأبنوس:
قد بعثنا إليك أم المناياوالعطايا نجية الأحساب
تتزيا بصفرة وكذا الزنج تزيا عجباً بصفر الثياب
ريقها ريق نحلة مع صابحين يجري لعابها في الكتاب
في حشاها لغير حرب حرابهن أمضى من مرهفات الحراب
وقال غيره:
وما أم أولاد ولما تلدهمعقام إذا ما استنجدت لم تكلم
وأولادها خرس ويأتيك عنهمأحاديث من أيام طسم وجرهم
إذا استعجلوا في حالة أرقلت بهمأثافي من لحم كريم ومن دم
وشكا بعض الكتاب أن دواته بلا مداد، فقال لبعض أخوانه يطلب منه مدداً:
أنا أشكو إليك أن دواتيوهي عوني في حاجتي وعتادي
عطلت من مدادها واستعاضتيقق اللون من حلوك السواد
لم تزل من بنات حام فصارتمن بني يافث بغير ولاد
أنت للحادثات عدة صدقخلق أن تمدها بمداد
وأنشدنا علي بن الصباح:
دواة حديد زين الله خلقهابكف فتى حلو الكتابة حاذق
تدير العطايا والمنايا حرابهاإذا طعنت في شاكلات المهارق
ولأحمد بن إسماعيل في وصف الدواة، إلا أن وصف القلم يتقدمها في أبياته:
في كفة مثل سنان الصعدهأرقش بز الأفعوان جلده
يلتهم الجيش اللهام وحدهكأنه متشح ببرده
لو صادم الطرد المنيف هدهأو صافح السيف الحسام قده
يأوي إلى طير له معدهيمزج فيه صبر بشهده
ترضعه من مقلة مسودهيمدها جار كثيف العده
كأنه الليل إذا استمدهمقلتها مكحولة بنده
قوله: " كأنه الليل إذا استمده " ن يشبه قول ابن الرومي يصف حبر أبي حفص الوراق:
كأنه ألوان دهم الخيلحبر أبي حفص لعاب الليل
يسيل للإخوان أي سيلبغير ميزان وغير كيل
وعلى ذكر الخبر فإنا نذكر قول بعض الوراقين:
ولجة بحر أجم العباببادي تياره يزخر
تثور إذا جاش من قعرهابذورتها حمم تفطر
فأكرم ببحر له لجةجواهرها حكم تنثر
وقال بعضهم: إنما سمي الحبر حبراً لأنه تحبر به الأخبار. أنشدني الحمدوني لنفسه:
ثنتان من أدوات العلم قد ثنتاعنان شأوي عما رمت من وهممي
أما الدواة فأودى حملها جسديوقلم المال مني حرفة القلم
وحبرت في صحف الحرف محبرةتذود عني سوام المال والنعم
ونحوه، وليس هو، مما قصدناه في كتاب الكتاب، ولكنه
اعترض فجئت بما أحفظ فيه لغير الحمدوني:
جمعت حروف الحرف في الحبر كلها ولول شقائي ما عرفت المحابرا
وقد زاد بي الإخفاق في كل موطنلحملي في كمي إليه الدفاترا
وسطر في أثناء قلبي تعللاطلابي لما أن عرفت المساطر
وفي مثله:
لما أخذت حروف الخط حرفنيعن كل حظ وجاءت حرفة الأدب
أقوت منازل مالي حين أوطنهامنحيا سفط الآداب والكتب
وقال آخر:
أدمى البكا جفني والمآقيوظلت ذا هم وذا احترق
ما أن أرى في الأرض والآفاقأدنى ولا أشقى من الوراق
إذا أتى في القمص الأخلاقرايته مطنزة العشاق
يفرح بالأقلام والأوراقكفرحة الجندي بالأرزاق
قال أبو بكر: حدثني أحمد بن محمد الأنصاري، قال: قيل لوراق: ما تشتهي؟ قال: قلماً مشاقاً، وحبراً براقاً، وجلوداً رقاقاً.
وقال بعض المحدثين في محبرة:
ولقد غدوت إلى المحدث آنفاًفإذا بحضرته ظباء رتع
وإذا ظباء الأنس يكتب كل مايملى وتحفظ ما يقال وتسمع
يتجاذبون الحبر من ملمومةبيضاء تحملها علائق أربع
من خالص البلور غير لونهافكأنها سبج يلوح ويلمع
إن نكسوها لم تمل ومليكهافيما حوته عاجلاً لا يطمع
ومتى أمالوها ارشف رضابهاأداه فوها وهي لا تتمنع
فكأنها قلب رصين سرهأبداً ويكتم كل ما يستودع
يمتاحها ماضي الشباة مذلقيجري بميدان الطروس فيسرع
رجلاه رأس عندها لكنهتلقاه برجفاة ساعة يطلع
فكأنه والحبر خضب رأسهشيخ لوصل خريدة يتصنع
لم لا ألاحظه بعين جلالةوبه إلى الله الصحائف ترفع
وقد قال بعض الكتاب: حكم الدواة أن تكون متوسطة في قدرها، نصفا في قدها، لا باللطيفة جداً فتقصر أقلامها، ولا بالكبيرة فيثقل حملها. لأن الكاتب - ولو كان وزيراً مائة غلام مرسومون بحمل دواته - مضطر في بعض الأوقات إلى حملها ووضعها ورفعها بين يدي رئيسه، حيث لا يحسن أن يتولى ذلك منها غيره، ولا يتحملها عنه سواه. وأن يكون عليها من الحلية أخف ما يتهيأ أن يتحلى الدوي به من وثاقة ولطف صنعة، ليأمن أن تنكسر أو تنفصم منها عروة في مجلس رياسة أو مقام محنة. وأن تكون الحلية ساذجة، لا حفر ولا ثبات فتحمل القذى والدنس، ولا نقش عليها ولا صورة لأن ذلك من زي أهل التوضع، لا سيما في آلة يستعان بها مثل هذه الصناعة الجليلة المستولية على تدبير المملكة، وإن أحرقت الفضة حتى يكون سوادها أكثر من بياضها، فإن ذلك أحسن وأبلغ في السرو وأشبه بقدر من لا يتكثر بالذهب والفضة.
وقد حكى عن المأمون أنه رأى على أسنان دابة له فضة فنهى عن استعمالها وقال: إنما يتكثر بالذهب والفضة من قلا عنده.
وكذلك قال المنصور للمهدي وقد رأى تحته سرجاً لجامه مفضض: أترى الناس لا يعلمون أنك من وراء كل شيء تريده فأنزل هذا اللجام.
حدثنا أحمد بن يزيد المهبلي قال حدثني أبو هفان قال سألت وراقاً عن حاله فقال " عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج، ووجهي عند الناس سواداً من الحبر، وحظى أحقر من شق القلم، وبدني أضعف من قصبة، وطعامي أمر من العفص، وسوء الحال ألزم لي من الصبغ ". فقلت له: عبرت عن بلاء ببلاء.
وقال آخر:
ترى الرشا والحبل أنبوبةيقلب ماء اسوداً من قليب
روض الندى ينبت زهر اللهىوهذه تنب زهر القلوب
وسئل وراق عن حاله فقال:
إذا كنت بالليل لا أكتبوطول النهار أنا ألعب
فطوراً يبطلني مأكلوطوراً يبطلني مشرب
فإن دام هذا على ما أرىفبيتي أول ما يخرب
ولا يستحسن أن يكثر عدد الأقلام في الدواة، فأحسن ذلك أن تكون أربعة إلى ما دون ذلك. وقد قيل فيه:
لا أحب الدواة تحشى يراعاتلك عندي من الدوي معيبة
قلم واحد وجودة خطفإذا شئت فاستزد أنبوبه
هذه قعدة الشجاع عليهاسيره دائباً وتلك جنيبه
ويقال: دواة ودويات لأدنى العدد وفي الكثير دوي. وقال أحمد بن ثور يصف ناقته:
كأن توشي أقرانهاإذا ما نشحن مخط الدوي
نشحن: عرقن. وجمع الدوى دوي. وأراد بمخط الدوي مخط أقلام الدوى، فاستجار ذلك لأن المعنى لا يشتبه كقوله ﷿: " واسأل القرية " يريد أهل القرية.
وأنشد الفراء:
لمن الدار كخط بالدوىأقفر المعروف منها وانمحى
ويقال: حليت الدواة أحليها تحلية وحلية حسنة وجمع الحلى الحلي مثل ثدى وثدي. وقالوا: حليت الرجل إذا أخذت علامات من جسده، أحليه تحلية، وهذه حلية الرجل وجمعها حلى وحلى بضم الحاء وكسرها قد قرئ " من حليهم عجلاً " و " من حليهم ". ودواة ودوى مثل نواة ونوى، ودواة ودوى مثل فتاة وفتى، ودواة ودويات مثل حصاة وحصيات، ويقال دواة ودوايا وهي رديئة، قال الشاعر:
إذا نحن وجهنا إليكم صحيفةألقنا الدوايا بالدموع السواجم
النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع