من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
المقادير التي يكتب فيها من القراطيس
قال أبو بكر: سمعت أحمد بن إسماعيل بن الخصيب الكاتب يقول: الأئمة يوقعون في السجلات، ويكتب الإمام في الثلثين من الطومار إلى ملوك الملك وإلى عماله، ويكتب عماله إليه في مثل ذلك، ويكاتبه وزيره في النصف في أمور العامة الديوانية.
فأما الخاص الذي يكتبه بخطه، أو يكتب بين يديه بإملائه، ففي خمسين، ويكاتبونه في مثل ذلك في الخاص والعام، إلا من كان منهم في أدنى الطبقات، فإنه لا يكاتب إلا في النصف في الحالتين جميعاً.
وتتكاتب الأكفاء في الأثلاث والأرباع وتتحمل المودة بينهم كل شيء حملته من التسمح في ذلك، والأسداس للتوقيعات.
وقال بعض الكتاب:
أنت لما ابتدأت تكتب في الأنصاف خفنا من قلة الإنصاف
وعلمنا بأن مثلك لا يجمع بين الإنصاف والأنصاف
وقال آخر وكتب إليه في سدس:
تكاتبني بالسدس جهلاً بقدرهلئن كان في التعريف يكتب بالأمس
إذا ما التعاويذي فارق رسمهفليس بمأمون التغير والنكس
ولولا حنين هاجه مثل سائقإلى الخط في التعويذ لم يعن بالسدس
إذا صح حس المرء صح قياسهوليس يصح العقل من فاسد الحس
واحتج آخر في أن كتب في ظهر فقال:
كتبت إليك في ظهر لعلميومعرفتي بحبك للظهور
فقلبه ابن الرومي فقال:
عشقك الغلمان ما أمكنك النسوان أفن
إنما يكتب في الظهر إذا أعوز بطن
وقد كره الناس الظهور، وأمر بترك استعمالها في النسخ وإنشائها، فكيف في المكاتبة. وقيل هي تفسد النيات، وتذيع الأسرار بما في باطنها، وتشعث الخطوط، وتغض من سمو الدولة، وتحقر من قدر المعنى أكثر مما بقدر منها من الارتفاق والقيمة بينها وبين النقي. وأكثر ما يكون إنصاف كتب مقطوعة، وإذا كانت كذلك كانت جنونا، ولهذا قال أبو تمام:
عذل شبيه بالجنون كأنماقرأت به الورهاء سطر كتاب
واعتذر آخر من كتابته في الظهر فقال:
إن كتابي لك في الظهريخبر أني ظاهر الفقر
فاعذر بنفسي أنت من سيدفالعذر أولى بالفتى الحر
واعلم وإن كنت الذي علمهيفوق علم البدو والحضر
إن الغنى يصلح دين الفتىوالفقر سواق إلى الكفر
النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع