من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
الدعاء في المكاتبة وترتيبه والزيادة والنقص فيه
قال أبو بكر: اختار مشائخ الكتاب، أن تكون كتب الوزراء النافذة عن الخلفاء بغير تاء المخاطب، ولا نون الجمع، فيقول عنه: " فعلت كذا أو فعلنا كذا " بل يقول في كتبه عنه وتوقيعاته " فعل أمير المؤمنين كذا فامتثل ما أمر به أمير المؤمنين " وقد ذكرنا في التكاتب ما يغني عن إعادته.
ويكاتب الوزير الناس على مقاديرهم ورتبهم في السيف والقلم ومنازلهم، فدعاؤه لأمراء الأقاليم الكثيرة، المجموع لهم حربها وخراجها وسائر أعمالها كدعاء النظير إذا نقص قليلاً في صدور كتبه ويختمها بمثل ذلكن ولا بأس عندهم إن ذكر فيها تفدية. فأما دعاؤهم له فاختاروا أن يكون بغير التصدير وبالوزارة على حسب قوة أمرهم وتعززهم ومواقعهم من حسن رأي إمامهم. ومنهم من يدعو بالتوزير راغباً وراهباً.
وكان عبيد الله بن سليمان نقص خمارويه بن طولون في دعائه، فرد عليه مثله. فأجابه عبيد الله بتمام الدعاء وأحال بالذنب على كاتبه.
وكان القاسم بن عبيد الله - لما استوزر مكان أبيه - يكاتب الأمير بعد بالتأمير والدعاء التام، فيكاتبه بعد بالتوزير ويتمم الدعاء له.
ومن الوزراء من يدعو لبعض هؤلاء: " أطال الله بقاءك "،
أو " أدام عزك "، ومنهم: " أدام الله عزك وأطال بقاءك ". فأما من دون هؤلاء فيكاتبهم: " أعزك الله وأمد في عمرك ". وإلى من دون هؤلاء: " مد الله في عمرك وأكرمك وأبقاك " وإلى من دون هؤلاء: " وأبقاك الله وحفظك ".
قال: وأول من كتب: " عافانا الله وإياك من السوء " معاوية.
وكتب عبد الحميد إلى صديق له: " جعلت فداك من السوء كله ".
وحدثني أبو القاسم إسماعيل المحاملي قال: حدثنا أبو العيناء قال: كتبت إلى صديق لي: " جعلت فداك من السوء كله "، فلقيني بعد ذلك فقال لي: أنا أستفيد منك أبداً لا عدمت ذلك، وقد كتبت إلي: " جعلت فداك من السوء كله ". فلقيني بعد ذلك فقال لي: أنا أستفيد منك أبداً لا عدمت ذلك، وقد كتبت إلي: " جعلت فداك من السوء كله "، أعزك الله ما السوء كله؟ قال: فعجبت وضحكت وقلت: نلتقي بعد هذا وتقع الفوائد.
ولا يتسمى الوزير ولا يتكنى على عنوان كتابه إلى أمثال هؤلاء، ولكن يجعل العلوان: " لأبي فلان " في أحد سطريه، وفي السطر الآخر: " فلان بن فلان ".
وقال طاهر بن الحسين - وهو يحارب الأمين، وكان أبو عيسى بن الرشيد معه - لكتابه: اكتبوا إلى أبي عيسى كتاباً تتقربون به إليه وتتباعدون، ولا تطعموه ولا تؤيسوه. فقلوا: إن رأى الأمير أن يعلمنا كيف ذلك ويحد لنا. فقال اكتبوه: بسم الله الرحمن الرحيم.
حفظك الله وأبقاك وأمتع بك، وعزيز علي أن أكتب إلى صغير منكم أو كبير بغير التأمير، وقد بلغني عنك ممالأة للمخلوع!
فإن كان ذلك منك ميلاً على أمير المؤمنين فقليل ما أكاتبك به كثيرا، وإن كنت كما قال الله: " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " فالسلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته.
وقال بعض الكتاب: ما أدري ما معنى المصارفة في تقديم إطالة البقاء في " أطال الله بقاك وأعزك "، وتأخيره في " أعزك الله وأطال بقاك " الأفضل التقديم والتأخير في أنفسهم، وإلا فالعطف بالواو، وهي تجيء للاشتراك فيدخل الثاني من الدعاء في معنى الأول، وقد قدم الله ﷿، لما كان العطف بالواو مؤخراً على مقدم، فقال: " واسجدي واركعي مع الراكعين "، وقال: " يا معشر الجن والإنس:..
وعلى أن المؤخر قد قدم، وأخر المقدم بغير الواو من حروف العطف، قال الله ﷿: " اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون "، قالوا: وإذا تولى لم يعرف شيئاً والمعنى مقدم ومؤخر كأنه فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. وقال ﷿: " من بعد وصية يوصى بها أو دين " والدين قبل الوصية، وهذا كثير في الشعر واللغة، قال: فلم تستن الكتاب بذلك، وصارت التقدمة لحرف على حرف تزول، إذ قدم الثاني من اللفظ على الأول.
وقال بعضهم: لا أعرف الصرف بين " أطال الله بقاك " وبين " مد الله في عمرك " إلا ما رتبوه واستعملوه ورسموه. ومن يصارف في القليل من هذا ويشح عليه أكثر.
وكان أحمد بن ثوابة أشد الناس في هذا، كتب إليه ابن أبي خالد
رقعة يؤانسه فيها ذكر أولادهما فقال: " ولو كانوا بني وبنيك ". فقال: يقدم ذكر بنيه على بني لا كاتبته أبداً.
واجتنبوا أن يقولوا للوزير في الدعاء " جعلني الله فداءك " من أجل أن الشيء إنما يفدى بمثله أو بأجل منه، وليسوا كذلك. وفي هذا الذي ذهبوا إليه خبر مليح اعترضني حدثنا به أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب قال: حدثني عبد الله بن شبيب قال: كتب إلي بعض إخواني من البصرة وقد تأخير عنه كتاباً أوجز فيه وملح: أطال اله بقاك كما أطال جفاك، وجعلني فداك إن كان في فداؤك، وقال:
كتبت ولو قدرت هوى وشوقاًإليك لكنت سطراً في الكتاب
قال محمد بن يحيى الصولي: والبيت لأبي تمام.
وكتب آخر إلى أحمد وإبراهيم ابني المدبر، وقد نالتهما محنة وردفتهما نعمة: بسم الله الرحمن الرحيم:
لو قبلت عنكما، أو دانيت قدركما، لقلت: جعلني الله فداءً لكما. ولكني لا أجزي عنكما، ولا أقتل بكما. وقد بلغني المحنة التي لو مات إنسان بها لكنته، ثم اتصلت بي النعمة التي لو طال إنسان فرحاً بها لكنته. وتحت هذه:
وليس بتزويق اللسان وصوغهولكنه قد خالط اللحم والدما
حدثنا بذلك إبراهيم بن المدبر، وهذا رأي لم يكن القدماء يرونه، بل كانوا يخاطبون الخلفاء بالتفدية فضلاً عن الوزراء.
وحدثني محمد بن يزيد المبرد قال: سأل المأمون أبا محمد يحيى بن المبارك عن شيء فقال له: " لا، وجعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين "، فقال: لله درك ما وضعت واواً قط موضعاً أحسن من موضعها في لفظك. ووصله وجمله.
قال: وهذا لفضل أدب المأمون، علم أن الفدية من أخلص الدعاء، والطف التوسل، وأن غاية موجود الإنسان، وأنفس ذخائره نفسه، جلت أم قلت. وقد قرئ في الكتاب خير الأولين والآخرين، وأجلهم قدراً، وأعظمهم خطراً، محمد ﷺ قال له بن ثابت في جوابه لأبي سفيان بن حرب:
هجوت محمداً فأجبت عنهوعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بندفشركما لخيركما الفداء
فإن أبى ووالده وعرضيلعرض محمد منكم وفاء
وقد اختار الكتاب أن يسقطوه من مكاتبة القضاة هذا الدعاء، وذهبوا إلى انه ليس من أبواب حقيقة الجد. وقال قمامة كاتب عبد الملك بن صالح: يجب أن يوفر التأييد على أصحاب السيوف دون القضاة، لأنهم أولى بأن يدعى لهم بالقوة. قال له عمرو بم مسعدة: القضاء إلى التأييد في أحكامهم أحرج، لأنها في الدماء تمضي وفي الفروج والأموال.
وكتب ابن ثوابة إلى عبيد الله بن سليمان يعتذر إليه من تركه مكاتبته بالنقدية: " الله يعلم - وكفى به عليما - لقد أردت مكاتبتك بالتفدية فرأيت هيباً أن أفديك بنفس لابد لها من الفناء، ولا سبيل لها إلى البقاء. ومن أظهر لك شيئاً يضمر خلافه فقد غش وألام، إذ كانت الضرورة توجبه، وتحقق أنه ملق لا يتحقق، وعطاء لا يتحصل؛ وإن كان عند قوم نهاية من نهايات التعظيم، ودليلاً من دلالات الاجتهاد وطريقاً من طرق التقرب ".
وكتب ابن القرية إلى بعض أصحابه، وذكر نفسه فقال: " وجعلها فداءك طيبة لك بذلك ".
وما أحسن كتاباً كتبه أحمد إسماعيل إلى بعض الكتاب، وقد نال رتبة فنقص إخوانه في الدعاء: " الكبر أعزك الله معرض يستوي فيه النبيه ذكراً، والخامل
قدراً. ليس أمامه حجاب يمنعه، ولا حاجز يحظره. والناس اشد تحفظاً على الرئيس المحظوظ، وأكثر اجتلاء لأفعاله، وتتبعاً لمعائبه، وتصفحاً لأخلاقه، وتنفيراً عن خصاله؛ منهم عن خامل لا يعبأ به، وساقط لا يكترث به. فيسير عيب الجليل يقدح فيه، وصغير الذنب يكبر منه، وقليل الذم يسرع إليه. والحال التي جددها الله لك، وإن كنت أراها دون حقك، وناقصة عن همتك، وأرضاً عند سمائك؛ حال الحاسد عليها كثير، وآمال المنافسين إليها تسير.
والمودة تقتضي النصيحة، والمقة تدعو إلى صدق المشورة. وليس يحرس النعمة ويحوطها، ويحسم الأطماع ويصرفها، ويستجيب القلوب النافرة ويطلقها؛ إلا ترك ما أراك تستعمله في ترتيب المكاتبة، وتمييز المخاطبة، والمحاضة في الفاظ الدعاء، والبخل بيسير الثناء. وتطبيق إخوانك فليس من حقك أن تحطهم حال رفعتك، وأن تنقصهم دولة زادتك. كما ليس من حقك عليهم أن يغالطوك فيمسكوا عن خطابك، ويتحاموا عن عتابك ".
النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع