تجاوز إلى المحتوى

من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

تحرير الكتاب

قال أبو بكر تحرير الكتاب خلوصه كأنه خلص من النسخ التي حرر عليها: وصفا عن كدرها. وقال الله تعالى: " إني نذرت لك ما في بطني محرراً "، قال المفسرون: جميعاً خالصاً لبيت المقدس لا تشغله بغير خدمته، وحررت الغلام جعلته حراً بين الحرية

والحرار.

قال الشاعر:

فما رد تزويج عليه شهادةولا رد من بعد الحرار عتيق

قد صار الغلام حراً خلص من العبودية. ورجل حر خالص من العبودية. ورجل حر خالص من العيوب. وطين حر خالص من الحمأة والرمل.

وسأل أعرابي فقال: " أما تتفضل على حر كريم الحرورية، أو مولى كريم المولوية، أو عبد كريم العبودية ".

وقال بعض الكتاب: ليس الكتاب كل وقت على غير نسخة، ويحرر بصواب، وكل أوان، لأنه ليس أحد أولى بالأناة والروية وتوقي الاغترار، من كاتب يعرض عقله وينشر بلاغته، فينبغي له أن يعمل النسخ ويخمرها، ويقبل عفو القريحة ولا يستكرهها، ويعمل على أن جميع الناس له أعداء علماء بكتابه متفرغون له، منتقدون عليه.

وقال آخر: إن الابتداء بنظم الكلام ونثره فتنة تروق، وحدة تعجب. فإذا سكتت القريحة، وعدل التأمل، وصفت النفس، فليعد النظر، وليكن فرحه بإحسانه مساوياً لغمه بإساءتهن فقد قال الخوارج لعبد الله بن وهب الراسبي: نبايعك الساعة فقد رأينا ذاك. فقال: " دعوا الرأي يبلغ أناه، ولا خير في الرأي الفطير ". وقال معاوية لعبد الله بن جعفر: ما عندك في كذا؟ فقال: أريد أن أصقل عقلي بنومة القائلة، ثم أروح فأقول بعد تأملي بما عندي. وقال الشاعر:

إن الحديث يقف القوم خلوتهحتى يعبره بالسبق مضمار
فعند ذلك تستعلي بلاغتهأو يستمر به عي وإكثار

وكان قلم ابن المقفع يقف كثيراً فقيل له في ذلك فقال: " عن الكلام يزدحم في صدري فيقف قلمي لتحيره ".

والكتاب يتصفح أكثر من الخطاب لأن الكاتب والمخاطب مشافه مضطر، ومن يرد عليه كتابك ليس يعلم أسرعت فيه أم أبطأت، وإنما ينظر أصبت أم أخطأت، أو أحسنت أم أسأت؟ فإبطائك غير قادح في إصابتك، كما أن إسراعك غير معيب على غلطك.

ووصف بعض الكتاب النسخ فقال: ينبغي أن يصحبها الفكر إلى استقرارها، ثم تحرر على ثقة تصحبها، وتتأمل بعد التحرير من أولها إلى آخرها. فقد كتب للمأمون مصحف اجتمع عليه عليه، فكتب: بسم الله الرحيم وأغفل الرحمن فإن العين لم تعتبر ذلك حتى فطن هو.

وقال محمد بن عبد الملك للحسن بن وهب: حرر هذه النسخة وبكر بها فتصبح بها. فقال له محمد: قد كانت النسخة تامة فلم تصبحت. فقال: حتى تصفحت.

وحدثني أحمد بن إسماعيل قال: كان بعض الأغبياء ينظر في نسخة بعد نفوذ الكتاب فقيل له:

مستلب اللب معنى الشبابعذبه الهجر أشد العذاب
يؤمل الصبر وأنى لهبه وقد مكن منه التصاب
كناظر في نسخة يبتغيصلاحها بعد نفوذ الكتاب

قال بعض الكتاب: كانوا يسمون المحرر الإمام لأنه يأتي من الخط بما يؤتم. به قال: ومن هذا كتب الصبي أمامه إنما هو ما يأتم به ويتعلم عليه.

النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أدب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.