تجاوز إلى المحتوى

من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)

ما جاء في رد جواب الكتاب والحض على التكاتب

قال الصولي: حدثنا أبو القاسم محول المستملي، قال: حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا حكام، قال: حدثنا عتبة عن العباس بن

دريح عن الشعبي عن ابن عباس قال: أرى رد الجواب - جواب الكتاب - كرد السلام.

أنشدني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه:

حق التنائي بين أهل الهوىتكاتب يسخن عين النوى
وفي التداني لا انقضى عمرهتزاور يشفي غليل الجوى
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «حق التناي بين أهل الهوى»

ونحوه لغيره:

إذا الإخوان فاتهم التلاقيفلا صلة بأحسن من كتاب
إذا جاء الكتاب إلى صديقفحق واجب رد الجواب

ومن مليح ما قيل في التكاتب:

هل تذكرين إلى التجاوز بينناثمر على الشجر الذي لم يغرس
إذ سر قلبي في يديك ومثلهلك في يدي من الفصيح الأخرس

ومن مليح ما قيل في استبطاء الجواب، أبيات كتبت بها في صدر قصيدة لي سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، وهو إذ ذاك أمير:

ليس يأتي من الأمير كتابابتداء ولا يرد جواب
فإذا ما شكوت ذاك وعاتبت: أتاني على العتاب عتاب
وأطاف الملام بي في الذي قلت: ولم يأتني له إعتاب
ولسان الذي يغيب كتابناطق عنه حين عز الخطاب
فإذا أبطأ الجواب عليهفهو كالناطق الذي لا يجاب

وكمن رده وقد عرفوا منه حضوراً تجهم وعتاب

عذت بالأعذار إن كان ذنبدية الذنب عذرة ومتاب

ولما خرج يحيى بن عمر من المدينة إلى الكوفة فأقام بها كتب إليه أخوه احمد بن عمرك

أيا سيداً قد رماني البعاد منه بأمر فظيع عجاب
فلما تمادى رماني الفراق وطالت بنا مدة الاغتراب
أقمت الكتاب مقام اللسان مني فاسمع لقول الكتاب
كأني أناجيك إن جاءنيورود البشير برد الجواب

ويقال: أجاب عن الكتاب يجيب إجابة، وقالوا: جابة، وفي المثل: " أساء سمعاً فأساء جابة "، ثم استعمل في غير المثل، فقال الشاعر:

أصم الصدى لم يدر ما جابة الرقىولم يمس في ضحك الندى يتبلبل

وقالوا: أحببته جيبة. وليست بجودة مما تقدم.

حدثنا أشعث الضبي قال: كتب رجل إلى صديق له يستبطئ جوابه: " كتبت فما أجبت، وواصلت فما واترت، وأضبرت فما وحدت ". قال: فكتب إليه صاحبه كتاباً عنونه فلما فتحه إذا فيه:

الجفاء القبيح أحسن عنديمن بغيض الخطاب للإخوان

قال الصولي: قوله: واصلت كتبي: جعلت واحداً في أثر الآخر، لا زمان بينهما ولا تمكث. فما واترت: أي كتبت كتاباً بعد كتاب. وأكثر الكتاب يساوون بين واصلت الكتب وواترتها، وذلك جائز على القريب، فأما اللغة فإنها توجب أن المواصلة لا انقطاع بينها، وأن المواترة لابد من انقطاع قليل بينها.

قال الأصمعي:

يقال: ما في سيره ولا وتيره أي ما فيه توقف. وأنشد لامرئ القيس:

نجاء مجد ليس فيه وتيرةوتذنبها عنه باسحم مذود
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «غشيت ديارا بالنقيع فثهمد»

وأنشد لكعب بن زهير يصف بعر الناقة:

وسمر ظماء واترتهن بعدمامضت هجعة من آخر الليل ذبل
للشاعر كعب بن زهير، من قصيدة «ألا بكرت عرسي تلوم وتعذل»

وقال: قلت لزيد بن كثوة: ما السمر الظماء؟ فقال: البعرات، جعلني الله فداءك، ظمئت لعطشها وذبلت. قال: واترتهن تجيء الواحدة، ثم يكون انقطاع ما، ثم تجيء الأخرى، واضبرت وضبرت كتبت إضبارة كتب وجمعها أضابير. وكذلك إضمامة وجمعها أضاميم مثل أضبارة وجمعها أضابير. وقالت امرأة من قيس: وقالت امرأة قيس:

ليس بنا فقر إلى التشكيإضمامة كحمر إلا بك

أي لنا إبل مجتمعة أو خيل. وقال ابن الأحنف:

كتاب أتاني على نأيهايخبر عن بعض أنبائها
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «كتاب أتاني على نأيها»
فنفسي الفداء لهذا الكتاب إن كان خط بإملائها
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «كتاب أتاني على نأيها»

وقال:

يا من جعلت فداهومن براني هواه
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا من جعلت فداه»
وكم قد كتبت كتاباًيبكي له من قراه
أنا الفداء لمن خطهـ ومن أملاه
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا من جعلت فداه»
الشمس أحسن شيءرأيته حاشاه
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا من جعلت فداه»

وقال أيضاً:

أيا من لا يجيب إذا كتبناولا هو يبتدينا بالكتاب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أيا من لا يجيب إذا كتبنا»
أما في حق حرمتنا لديكموحق إخائنا رد الجواب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أيا من لا يجيب إذا كتبنا»

وقال الأحنف:

ما لي أهان ولا تجاب صحائفي؟وإلى متى أقصى لديك وأحجب؟
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «ما لي أهان ولا تجاب صحائفي»
ما كان ضرك إذ كرهت إجابتيبيديك أن تستوصفي من يكتب

وقال أيضاً:

أعياني الشادن الربيبأكتب أدعو فلا يجيب
من أين أبغي دواء ما بيوإنما دائي الطبيب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «أعياني الشادن الربيب»

آخر:

كتبت إلى ظلوم فلم تجبنيوقالت: ما له عندي جواب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «كتبت إلى ظلوم فلم تجبني»
فلما صرفت فكري أتانيوقد غفل الوشاة لها كتاب
وفيه الوصل يشرق جانباهوقد رق التأول والخطاب
كتبت إليك والرقباء حوليإذا ما مر طير واسترابوا

قوله: وقد رق التأويل والخطاب من قول امرئ القيس:

وصرنا إلى الحسنى ورق كلامناورضت فذلت صعبة أي إذلال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وأنشدني علي بن الصباح:

يا ذا الذي ضن عنيبرقعة ومداد
ضايقتني في بياضتزينه بسواد
وقد أخذت سوادي ناظري وفؤادي

ومن مليح ما قيل في تأخير الكتاب:

يا جامعاً شيم السيادة والذيورث النجابة منجباً عن منجب
أشكو إليك لهيب نار في الحشاتصبي بريح الشوق إن لم تجنب
ماذا عليك وأنت بحر في الندىلوجدت من ماء المداد بمذنب
تجلو القذى بسواد سطر لائحفي وجهه غرر الكلام المذهب
أصبحت تبخل بالكتاب فخفت أنتلقي الدواة يد وإن لم تكتب
حتى كأن الحوض جونة حنةمنها وظهر الدرج ظهر العقرب
أرضى لخلك أن يرى مستعتباًمن جفوة ويراك غير المعتب
ما كنت أخشى أن تضن بكاغدعني وقد يقع الذي لم أحسب
لا تحسبن كتبي فكاغد أرضكمعين الرخيص وأنت عين المسهب

وحدثنا علي بن الصباح قال: حدثنا أبو محكم قال: كان عبد الرحمن بن مسلم الباهلي باراً بزياد بن عبد الرحمن القشيري صديقاً له، ثم غاب فلم يكتب إليه، ولم يجبه عن كتاب فقال زياد:

إخاؤك محض للصديق إذا دناوعاينت ممزوج إذا لم تعاين
دنونا فاحمدنا الدنو وربتناببينك والتجريب عند التباين
فلم يأتنا منك الكتاب تقرباًوطاح جواب واصل للقرائن

فأجابه عبد الرحمن بن مسلم:

ما ذاك من نخوة ولا صلفولا لضيق في القول والعطن
نحن بلوناك في الأمور فماتعرف من سيء ولا حسن
وقد قرناك بالوفاء فماتقرن إلا اعترضت بالقرن

النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أدب الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.