من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
الديوان
قال الصولي: هو اسم فارسي تكلمت به العرب فقالوا: ديوان ولم يقولوا: ديوان بفتح الدال، كما قالوا: ديباج ولم يقولوا ديباج.
قال الصولي: حدثنا أبو العيناء قال: حدثني الأصمعي قال: كنا عند أبي عمرو ومعنا خلف الأحمر، فقال له رجل أسمعت من يقول ديوان بفتح الدال؟ فقال أبو عمرو: ولو جاز هذا لقالوا في جمعه: دياوين. فقال خلف: قد سمعت بعض حمير ينشد:
عديني أن أزورك أم عمرودياوين تشقق بالمداد
فقال أبو عمرو لخلف: إن حمير لم يفدها هواء نجد. قال أبو العيناء: فسئل الأصمعي عن معنى البيت فقال: يعني أنه في بعث قد كتب اسمه فهو يخشى أن يحل به فيسقط.
قال محمد بن يحيى الصولي: والمعنى في أنه لو كان الواحد ديوان، لجمعوا دياوبن، إن الياء تكون صحيحة أصلية، مثل ريحان ورياحين، فإذا قالوا: ديوان كان الياء زائدة، فإذا جمعوا انفتحت الدال فقالوا: دواوين، وهذا الصواب لأنهم يقولون: دون هذا فالواو أصلية كما
قالوا: ميزان والأصل موزان، لأنه من الوزن، فالواو أصلية، فمن أجل استثقالهم الكسرة مع الواو، قالوا: ميزان قلبوا الواو ياء فلما جمعوا قالوا: دواوين ردوا الواو لانفتاح الدال. قال الشاعر:
يا زين كتاب الدواوينوفيلسوف الخرد العين
يا فتنة سيقت إلى فتيةعزاب كتاب مساكين
وكان سبب تدوين الدواوين، أن أبا بكر ﵀، لما تولى الأمر جاءه مال من البحرين، بعد أن وعد كل من له عند رسول الله ﷺ عدة به، فأعطى جابر بن عبد الله عدة كانت له. وجاء مال البحرين فقسمه، فأخذ الرجل عشرة دراهم والمرأة كذلك والعبد كذلك. جاء في العام الثاني أكثر من ذلك، فأصابهم عشرون درهماً لكل واحد منهم، فتكلمت الأنصار في ذلك فقالوا: نصرنا وآوينا فلنا فضلنا، فلم تساوي بيننا وبين من ليس له شيء مما لنا؟ فقال أبو بكر: صدقتم ذاك لكم، فإن كنتم عملتموه لله فدعوا هذا وإن كنتم فعلتموه لغيره زدتكم، فقالوا: عملناه لله وانصرفوا.
حدثنا الغلابي قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك عن الهيثم بن عدي عن عوانة قال: جاء مال من البحرين إلى أبي بكر ﵁، فساوى فيه بين الناس، فغضبت الأنصار وقالوا: فضلنا، فقال لهم أبو بكر: صدقتم إن أردتم أن أفضلكم فقد صار ما عملتم للدنيا، وإن شئتم كان ذلك لله والدين! فقالوا: والله ما عملناه إلا لله وانصرفوا. فرقي أبو بكر المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ثم قال:
" والله يا معشر الأنصار، لو شئتم أن تقولوا: إنا آويناكم وشاركناكم في أموالنا ونصرناكم بأنفسنا لقلتم، وإن لكم من الفضل ما لا نحصيه عدداً وإن طال به الأمد، فنحن وأنتم كما قال الغنوي:
جزى الله عنا جعفراً حين أزلقتبنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا، ولو كانت أمناتلاقي الذي يلقون منا لملت
هم أسكنونا في ظلال بيتهمظلال بيوت أدفأت وأكنت "
ثم توفي أبو بكر ﵁، وقام عمر بعده، فأتى أبو هريرة بمال من البحرين، وكان مبلغه ثمانمائة ألف درهم، وفي أخرى خمسمائة ألف درهم فخطب الناس فقال: " إنه قد جاءكم مال، فإن شئتم كلته لكم كيلاً، وإن شئتم عددنا لكم عدداً "، فقال له الفيرزان - وروي أن غيره قال له - إن العجم تدون ديواناً لهم يكتبون فيه الأسماء وما لواحد واحد. فأمر باتخاذ الديوان.
وقد روي أن عمر بعث بعثاً فقال له الفيرزان: إن تخلف من هذا البعث أحد كيف تصنع به وكيف يعلم عاملك بخبره؟ قال: فما ترى؟ فأشار بالديوان فعمله، وجعل المال في بيت مال، وجعل الأرزاق مشاهرة، وكل ذلك برأي أصحاب رسول الله ﷺ واجتماع منهم فكان هذا أوله. ثم كثر المال عليه، فقالوا: بمن تبدأ؟ قال: أشيروا علي. فقالوا: أبدأ في الكتاب والقبض بنفسك. فقال: بل بآل رسول الله ﷺ فكتب عائشة في اثني عشر ألفاً في كل سنة، وكتب سائر أزواج النبي صلى الله
عليه وسلم في عشرة آلاف، لكل واحدة وكتب بعد أزواج النبي ﷺ ﵅ علي بن أبي طالب صلوات الله عليه في خمسة آلاف، ومن شهد بدراً من بن هاشم، ومن مواليهم، ثم كتب عثمان بن عفان في خمسة آلاف، ومن شهد بدراً من بني أمية ومواليهم على سواء.
ثم قال: قد بدأت بآل الرسول ﷺ وبأقاربه فيمن ترون أن نبدأ بعدهم؟ فقالوا: بنفسك. قال: بل بآل أبي بكر فكتب طلحة في خمسة آلاف وبلالاً في مثلها. ثم قال للناس: بمن أبدأ؟ قالوا بنفسك. قال: صدقتم فكتب لنفسه، ولمن شهد بدراً، من بطون قريش، خمسة آلاف خمسة آلاف. ثم كتب لمن شهد بدراً من الأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف. فقالوا: قصرت بنا عن إخواننا المهاجرين. فقال عمر: لا أجعل الذين قال الله: " للفقراء والمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون " كمن كانت الهجرة في داره، فرضوا. ثم كتب لمن شهد أحداً بثلاثة آلاف لكل واحد منهم. ثم فرض لمن شهد فتح مكة في ألفين ألفين. وأنشد الطالقاني:
يا قمر الديوان يامن صرت فيه علماً
كأنما في كبديأنت تجر القلما
وقال مجنون بني عامر يذكر أن للرقباء دواوين عليه:
إني أرى عائدات الحب تقتلنيوكان في بدئها ما كان يكفيني
في كل منزلة ديوان معرفةلم تبق باقية ذكر الدواوين
النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع