من «أدب الكتاب» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
دعاء المكاتبات وأصوله وما حمد منه وذم
قد كره قوم من أهل العلم: " أطال الله بقاءك ". وروى عن حماد بن زيد أنه قال: أحدثها الزنادقة. وقال الأصمعي: هي من دعاء الزنادقة. وقيل: أصل يبطل هذا ويطلق التكاتب بها إذا كان الناس كلهم الآن عليها.
حدثنا إسحاق بن إبراهيم البزار، ومحمد بن سعيد الأصم قال: حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا زيد بن أبي الزرقاء، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي خبيبة، عن معاذ بن رفاعة بن نافع قال: شهدت نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم علي وطلحة وعمر وعثمان والزبير وسعد ﵃ يذكرون الموؤدة فقال عمر: أنتم أصحاب رسول الله تختلفون في هذا، فكيف بم بعدكم؟ هم أشد اختلافاً. فقال علي:
إنها لا تكون موؤدة حتى يأتي عليها الحالات السبع. فقال عمر: صدقت أطال الله بقاءك.
قال ابن لهيعة: المعنى لا تكون موؤدة حتى تكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً، ثم يظهر مستهلاً، إذا دفنت فقد وئدت، لأن من الناس من قال: إن المرأة إذا أحست بحمل فتداوت لتسقطه فأسقطته فقد وأدته. فأخبر أن ذلك لا يكون موؤدة، حتى يأتي عليها الحالات السبع.
وقد ذكر الله ﷿: الموؤدة فقال: " وإذا الموؤدة سئلت، بأي ذنب قتلت ".
وكانت العرب إذا ولد لأحدهم ابنة، دفنها حية. فيقال: وأدها يئدها وأداً. فدى صعصعة ابن ناجية المجاشعي خلقاً من البنات، بإبل دفعها إلى آبائهن لأنهم كانوا يفعلون ذلك للضر والفقر فقال الفرزدق يفخر بهذا:
وجدي الذي منع الوائدات فأحيا الوئيد ولم يوأد
حدثنا علي بن الصباح قال: حدثنا أبو مسلم السعدي قال: حدثني ابن علية، عن سوار بن عبد الله العنبيري، عن الحسن قال: دخل الزبير على النبي ﷺ وهو عليل فقال: ما الذي بعدك جعلني الله فداؤك؟ فقال: " يا زبير أما تركت إعرابيتك بعد؟ "
كأنه كره قوله: جعلني الله فداؤك. والفداء يمد ويقصر.
وقد روى رافع ب جريج أنه قال للنبي ﷺ وقد قال: " يكون قوم من أمتي يكفرون بالقرآن وهم لا يشعرون كما كفرت اليهود والنصارى ". قال: قلت: جعلت فداك يا رسول الله وكيف ذاك؟ قال: " يقرون ببعض القرآن ويكفرون ببعضه ". في حديث طويل، حدثنا إبراهيم بن عبد الله النميري. قال: حدثنا حجاج بن نصير قال: حدثنا حماد بن إبراهيم الكرماني، عن عطية، عن عطاء بن رافع، عن عمرو بن شعيب، قال: كنت عند سعيد بن المسيب فقال: سمعت رافع بن جريج يقول. وذكر حديثاً طويلاً.
حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: حدثنا عبد الله بن شيث قال: كتب إلي بعض إخواني من البصرة إلى المدينة كتاباً صدره: " أطال الله بقاك كما أطال جفاك، وجعلني فداءك إن كان في فداؤك " وتحت ذلك:
كتبت ولو قدرت هوى وشوقاًإليك لكنت سطراً في الكتاب
قال: وكانت الكتب قديماً يقال فيها: " وأتم نعمته عليك " فلما قال ابن الرقاع العاملي:
صلى الإله على امرئ ودعتهوأتم نعمته عليه وزادها
وزاد الكتاب على ذلك: " وزاد في إحسانه إليك ".
وحدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال: سمعت ابن الأعرابي يقول تقول العرب: " وهبني الله فداءك " بمعنى جعلني فداءك، فأما
" وقدمني قبلك "، فإن أبا تذكوان القاسم بن إسماعيل حدثني قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول: ما أظن قول الكتاب: " وقدمني قبلك " إلا مأخوذاً من قول الأغر بن كابس العبدي في أخيه الصقر:
أخي أنت في دين وقربى كلاهماأسر بأن تبقى سليماً وأفخر
إذا ما أتى يوم يفرق بيننانموت فكن أنت الذي تتأخر
قال: فقيل لإبراهيم: إن هذا يروى لحاتم. فقال: " وما على من لا يدري شيئاً في نسبته إلى غير قائله ". وهذا وأشباهه كثير. وقد ذكرته مستوفى في كتابي كتاب " اللقاء والتسليم "، الذي كتبت به إلى القاضي عمر بن محمد بن يوسف.
ومن قديم ما قيل في " قدمت قبلك ": قول حنظلة بن عرادة، أنشدناه المغيرة بن محمد المهلبي، عن أبي محلم له يخاطب قومه:
أسعد بن زيد أنطقتني رماحكموكنت مجرا ضحكة للمواشر
فهذا أوان الصبر قد مت قبلكمفموتوا حفاظاً بالسيوف البواتر
النص من طبعة المطبعة السلفية بمصر (١٣٤١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع