من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السبعون بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السبعون بعد الْمِائَة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
عزمت على إِقَامَة ذِي صباحلأمر مَا يسود من يسود
على أَن الشَّاعِر جر ذِي صباح على لُغَة خثعم. وَهُوَ ظرف لَا يتَمَكَّن والظروف الَّتِي لَا تتمكن لَا تجر وَلَا ترفع. وَلَا يجوز مثل هَذَا إِلَّا فِي لُغَة هؤلاءالقوم أَو فِي ضَرُورَة.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَذُو صباح بِمَنْزِلَة ذَات مرّة تَقول: سير عَلَيْهِ ذَا صباح. خبرنَا بذلك يُونُس. إِلَّا أَنه قد جَاءَ فِي لُغَة خثعم مفارقاً لذات مرّة ولذات لَيْلَة. وَأما الجيدة الْعَرَبيَّة فَأن تكون بمنزلتها يُرِيد بمنزلتها: ظرفا قَالَ رجل من خثعم: عزمت على إِقَامَة.. الْبَيْت. فَهُوَ على هَذِه اللُّغَة يجوز فِيهِ الرّفْع. انْتهى.
وَقَالَ أَبُو الْبَقَاء فِي شرح الْإِيضَاح: قيل: هُوَ بِمَنْزِلَة ذَات مرّة إِلَّا أَنه أخرجه عَن الظّرْف بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَقيل: ذُو زَائِدَة أَي: على إِقَامَة صباح.
وَجعل ابْن جني فِي الخصائص إِضَافَة ذِي إِلَى صباح من إِضَافَة الْمُسَمّى إِلَى الِاسْم نَحْو: كَانَ عندنَا ذَات مرّة أَي: الدفعة الْمُسَمَّاة مرّة وَالْوَقْت الْمُسَمّى صباحاً. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي التَّذْكِرَة: هَذَا الْبَيْت قَالَه الشَّاعِر وَلم يقل بَيْتا غَيره. وَكَانَ اسْتَعَانَ هُوَ وَقَومه بِملك على أعدائهم فَقَالَ: إِن أردتم أعنتكم على أَن يكون النهب لي فَقَالُوا: لَا نُرِيد ذَلِك فَقَاتلُوا أعداءهم بِأَنْفسِهِم فاستظهر عَلَيْهِم أعداؤهم فَلَمَّا رأى استظهارهم عَلَيْهِم أعانهم رَاضِيا بِأَن لَا يكون لَهُ النهب. فَقَالَ هَذَا الشَّاعِر هَذَا الْبَيْت فَقَط يمدحه. فَاللَّام مُتَعَلقَة)
بيسود كَأَنَّهُ قَالَ: يسود لأمر من يسود أَي: بعقله وفضله يسود لَيْسَ للاشيء بل لأمر فِيهِ.
انْتهى وَفِيه: أَنه لَيْسَ بَيْتا مُفردا وَإِنَّمَا هُوَ من أَبْيَات. وَلَيْسَت الْقِصَّة كَمَا ذكرهَا. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي فِي فرحة الأديب هَذَا الْبَيْت لأنس بن مدركة الْخَثْعَمِي. وَذَلِكَ: أَنه غزا هُوَ وَرَئِيس آخر من قومه بعض قبائل الْعَرَب متساندين فَلَمَّا قربا من الْقَوْم أمسيا فباتا حَيْثُ جن عَلَيْهِم اللَّيْل فَقَامَ صَاحبه فَانْصَرف وَلم يغنم وَأقَام أنس حَتَّى أصبح فشن عَلَيْهِم الْخَيل فَأصَاب وغنم وغنم أَصْحَابه.. فَهَذَا معنى قَوْله: عزمت على إِقَامَة ذِي صباح. وَهُوَ آخر الأبيات.
قَالَ أَبُو الندى: وَكَانَ أنس مجاوراً لبني الْحَارِث بن كَعْب فَوجدَ أَصْحَابه مِنْهُم جفَاء وغلظة فأرادوا أَن يفارقوهم فَقَالَ لَهُم: أقِيمُوا إِلَى الصَّباح فَلَمَّا ظفر بَنو الْحَارِث ببني عَامر يَوْم فيف الرّيح قَالَ عِنْد ذَلِك مَا قَالَ. وَأول الأبيات:
دَعَوْت إِلَى المصاع فجاوبونيبورد مَا ينهنهه المذيد
كَأَن غمامة برقتْ عَلَيْهِممن الأصياف ترجسها الرعود
عزمت على إِقَامَة ذِي صباح انْتهى وَلَا يخفى أَن هَذِه الأبيات أَجْنَبِيَّة لَا يظْهر ارتباطها بِالْبَيْتِ الْأَخير.
والمصاع: مصدر ماصع أَي: قَاتل والمصع: الضَّرْب بِالسَّيْفِ. وَقَوله: على إِقَامَة ذِي صباح لَا يبعد أَن يكون على تَقْدِير: على إِقَامَة ليل ليل ذِي صباح. وَمَا: زَائِدَة للتوكيد. يَقُول: عزمت على الْإِقَامَة إِلَى وَقت الصَّباح لِأَنِّي قد وجدت الرَّأْي والحزم قد أوجبا ذَلِك. ثمَّ قَالَ: لأمر مَا يسود من يسود يُرِيد: أَن الَّذِي يسوده قومه لَا يسودونه إِلَّا لشَيْء من الْخِصَال الجميلة والأمور المحمودة رَآهَا قومه فِيهِ فسودوه لأَجلهَا.
أنْشد صَاحب الْكَشَّاف هَذَا الْبَيْت فِي سُورَة الْإِخْلَاص فِي جَوَاب السَّائِل: لم كَانَت هَذِه السُّورَة مَعَ قصرهَا عدل الْقُرْآن قَالَ الجاحظ فِي كتاب شرائع الْمُرُوءَة: وَكَانَت الْعَرَب تسود على أَشْيَاء: أما مُضر فتسود ذَا رأيها وَأما ربيعَة فَمن أطْعم الطَّعَام وَأما الْيمن فعلى النّسَب. وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة لَا يسودون إِلَّا من تكاملت فِيهِ سِتّ خِصَال: السخاء والنجدة وَالصَّبْر والحلم والتواضع وَالْبَيَان وَصَارَ فِي الْإِسْلَام سبعا. وَقيل لقيس بن عَاصِم: بِمَ سدت قَوْمك قَالَ: ببذل الندى وكف)
الْأَذَى ونصرة الْمولى وتعجيل الْقرى. وَقد يسود الرجل بِالْعقلِ والعفة وَالْأَدب وَالْعلم. وَقَالَ بَعضهم: السودد اصطناع الْعَشِيرَة وَاحْتِمَال الجريرة.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: ذكر أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء عُيُوب جَمِيع السَّادة وَمَا كَانَ فيهم من الْخلال المذمومة إِلَى أَن قَالَ: مَا رَأَيْت شَيْئا يمْنَع من السودد إِلَّا قد رَأَيْنَاهُ فِي سيد: وجدنَا الحداثة تمنع السودد وساد أَبُو جهل بن هِشَام وَمَا طر شَاربه وَدخل دَار الندوة وَمَا اسْتَوَت لحيته.
وَوجدنَا الْبُخْل يمْنَع السودد وَكَانَ أَبُو سُفْيَان بَخِيلًا عاهراً وَكَانَ عَامر بن الطُّفَيْل بَخِيلًا فَاجِرًا وَكَانَ سيداً. وَالظُّلم يمْنَع من السودد
وَكَانَ كُلَيْب بن وَائِل ظَالِما وَكَانَ سيد ربيعَة وَكَانَ حُذَيْفَة حُذَيْفَة بن بدر ظَالِما وَكَانَ سيد غطفان. والحمق يمْنَع السودد وَكَانَ عُيَيْنَة بن حصن أَحمَق وَكَانَ سيداً. وَقلة الْعدَد تمنع السودد وَكَانَ السَّيْل بن معبد سيداً وَلم يكن بِالْبَصْرَةِ من عشيرته رجلَانِ. والفقر يمْنَع السودد وَكَانَ عتبَة بن ربيعَة مملقاً وَكَانَ سيداً.
وناظم هَذَا الْبَيْت أنس بن مدرك الْخَثْعَمِي كَمَا ذكرنَا. وَهُوَ جاهلي.
وصحفه ابْن خلف فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ بأوس بن مدرك وَقَالَ: أَوْس من الْأَسْمَاء المنقولة إِلَى العلمية. والأوس هُنَا الذِّئْب وَإِن أمكن أَن يكون من الْعَطِيَّة.
وكشفت عَن اسْمه فِي الجمهرة لِابْنِ الكبي فَوَجَدته قَالَ فِي جمهرة خثعم بن أَنْمَار مَا نَصه: أنس بن مدرك بن كيعب بِالتَّصْغِيرِ بن عَمْرو بن سعد بن عَوْف بن العتيك بن حَارِثَة بن سعد بن عَامر بن تيم الله بن مُبشر بن أكلب بن ربيعَة بن عفرس بن حلف بن أفتل وَهُوَ خثعم. وَهُوَ أَبُو سُفْيَان الشَّاعِر. وَقد رَأس. انْتهى.
وَنقل ابْن خلف عَن الجاحظ: أَن هَذَا الْبَيْت لإياس بن مدركة الْحَنَفِيّ. وَهَذَا غير مُنَاسِب فَإِنَّهُم نقلوا أَن قَائِل هَذَا الْبَيْت خثعمي لَا حَنَفِيّ. وخثعم أَبُو قَبيلَة من الْيمن وَهُوَ خثعم بن أَنْمَار بن إراش بن عَمْرو بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع