من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة:
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة: باكرت حَاجَتهَا الدَّجَاج بسحرة عَجزه: لأعل مِنْهَا حِين هَب نيامها على أَن الدَّجَاج مَنْصُوب على الظّرْف بِتَقْدِير مضافين أَي: وَقت صياح الدَّجَاج إِذا كَانَت باكرت بِمَعْنى بكرت لَا غالبت بالبكور.
أَقُول: باكر مُتَعَدٍّ بِنَفسِهِ إِلَى مفعول وَاحِد قَالَ فِي الْمِصْبَاح: وباكرت بِمَعْنى بكرت إِلَيْهِ.
وحاجتها: مفعول باكرت. وَبكر بِالتَّخْفِيفِ من بَاب قعد فعل لَازم يتَعَدَّى بإلى يُقَال: بكر إِلَى الشَّيْء بِمَعْنى بَادر إِلَيْهِ أيّ وَقت كَانَ.
وَقَالَ أَبُو زيد فِي كتاب المصادر: بكر بكوراً وَغدا غدوّاً هَذَانِ من أول النَّهَار. فَإِذا نقل إِلَى فَاعل للمغالبة تعدّى إِلَى مفعول وَاحِد. تعدى إِلَى مفعول وَاحِد. وَمعنى المغالبة أَن يغلب الْفَاعِل الْمَفْعُول فِي معنى الْمصدر. فضمير الْمُتَكَلّم الَّذِي هُوَ التَّاء فَاعل وَقد غَالب)
الدَّجَاج وَهُوَ الْمَفْعُول فِي البكور فغلبه فِيهِ. فَيكون حَاجَتهَا: مَنْصُوبًا بِنَزْع الْخَافِض وَهُوَ إِلَى لِأَن أصل باكر يتَعَدَّى بِهِ كَمَا ذكرنَا. فَإِذا كَانَ باكر من بَاب المغالبة كَانَ للتكثير فِي البكور إِلَى الْحَاجة نَحْو ضاعفت الشَّيْء بِمَعْنى
كثرت أضعافه فَيكون قَوْله: حَاجَتهَا مَفْعُوله وَيكون الدَّجَاج مَنْصُوبًا على الظّرْف بِتَقْدِير مصدر مُضَاف وَالتَّقْدِير صياح الدَّجَاج وَهَذَا الْمصدر نَائِب عَن اسْم الزَّمن الْوَاقِع ظرفا أَي: وَقت صياحه.
وَقد ذكر ابْن قُتَيْبَة هَذَا الْبَيْت فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَحمله على المغالبة مَعَ تَقْدِيره الْمُضَاف فَقَالَ: أَي: بادرت بحاجتي إِلَى شربهَا أصوات الدّيكة لأشرب مِنْهَا مرّة بعد مرّة: وَهُوَ الْعِلَل انْتهى.
وَمعنى بادرت سبقت. وَكَذَا قَالَ شرَّاح المعلقات: وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة لبيد بن ربيعَة الْمَشْهُورَة وَقَبله:
أغلي السباء بِكُل أدكن عاتقأَو جونة قدحت وفضّ ختامها
بصبوح صَافِيَة وجذب كرينةبموتر تأتاله إبهامها
باكرت حَاجَتهَا الدَّجَاج بسحرة قَوْله: أغْلى بِضَم الْهمزَة أَي: أَشْتَرِي غالياً. والسباء: بِالْكَسْرِ وَالْمدّ: اشْتِرَاء الْخمر وَلَا يسْتَعْمل فِي غَيرهَا يُقَال: سبأت الْخمر بِالْهَمْز أسبؤها بِالضَّمِّ سبئاً بِسُكُون الْبَاء ومسبأ: إِذا
كأساً بفيها صهباء مغرقةيغلو بأيدي التُّجَّار مسبؤها
أَي: غنها من جودتها يغلو اشتراؤها واستبأتها مثله وَالِاسْم السباء على فعال بِكَسْر الْفَاء وَمِنْه سميت الْخمر سبيئة على وزن فعيلة وخمارها سبّاء على فعّال
بِالتَّشْدِيدِ. وَأما إِذا اشْتَرَيْتهَا لتحملها إِلَى بلد آخر قلت سبيت الْخمر بِلَا همز كَذَا فِي الصِّحَاح وَالْبَاء بِمَعْنى مَعَ.
والأدكن: الزق الأغبر. والعاتق: قيل هِيَ الْخَالِصَة يُقَال لكل مَا خلص: عاتق وَقيل: الَّتِي عتقت وَقيل: الَّتِي لم تفتح. فَهُوَ من صفة الْخمر وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ يُقَال: اشْترى زق خمر وَإِنَّمَا اشْترى الْخمر: ف عاتق مُضَاف إِلَيْهِ. وَقيل: العاتق من صِفَات الزقّ فَهُوَ وصف لأدكن.
والجونة بِفَتْح الْجِيم: الخابية.
وقدحت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول بِمَعْنى غرفت والمقدحة بِالْكَسْرِ: المغرفة وَقيل: قدحت: مزجت وَقيل: مَعْنَاهُ بزلت يُقَال: بزلت الشَّيْء بزلاً بِالْمُوَحَّدَةِ وَالزَّاي الْمُعْجَمَة إِذا ثقبته واستخرجت مَا فِيهِ. وفضّ كسر وختامها: طينها. وَفِيه تَقْدِيم وَتَأْخِير أَي: فض ختامها وقدحت لِأَنَّهُ مَا لم)
يكسر ختامها لَا يُمكن اغتراف مَا فِيهَا. يَقُول: أَشْتَرِي الْخمر غَالِيَة السّعر: باشتراء كل زق أدكن أَو خابية سَوْدَاء قد فض ختامها واغترف مِنْهَا. وتحرير الْمَعْنى: أَشْتَرِي الْخمر للندماء عِنْد غلاء السّعر. وأشتري كل زق مقير أَو خابية مقيّرة. وَإِنَّمَا قيّرا لِئَلَّا يرشحا بِمَا فيهمَا.
وَقَوله: بصبوح صَافِيَة الخ والصبوح: شرب الْغَدَاة وَيُرِيد: بالصافية الْخمر والكرينة بِفَتْح الْكَاف وَكسر الرَّاء الْمُهْملَة: الْمُغنيَة بِالْعودِ والكران بِكَسْر الْكَاف هُوَ الْعود. والموتر: الْعود الَّذِي لَهُ أوتار. وتأتاله بِفَتْح اللَّام الجارّة: من قَوْلك تأتيت لَهُ كَأَنَّهَا تفعل ذَلِك على مهل وَترسل. ويروى: تأتاله بِضَم اللَّام: من قَوْلك ألت الْأَمر: إِذا أصلحته كَذَا فِي شُرُوح المعلقات.
وَرُوِيَ: وصبوح صَافِيَة بواو ربّ وَالْمعْنَى: كم صبوح من خمر صَافِيَة استمتعت باصطباحها وجذب عوّادة عوداً موتّراً يعالجه إِبْهَام العوّادة استمتعت بالإصغاء إِلَى غنائها.
وَقَوله: باكرت حَاجَتهَا الخ باكرت متعالق قَوْله: بصبوح صَافِيَة على رِوَايَة الْبَاء وَهُوَ جَوَاب وَاو ربّ على رِوَايَة الْوَاو. وَرُوِيَ: بادرت مَوضِع باكرت. وَضمير حَاجَتهَا رَاجع إِلَى الصافية المارد مِنْهَا الْخمر وَمَعْنَاهُ: حَاجَتي فِي الْخمر فأضاف الْحَاجة إِلَى ضمير الْخمر اتساعاً وَجعله الشَّارِح الْمُحَقق فِيمَا يَأْتِي
قَرِيبا من بَاب إِضَافَة الْمصدر إِلَى ظرفه وَقَالَ: إِلَّا أَنه كالمضاف إِلَى الْمَفْعُول بِهِ الْمَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض أَي: حَاجَتي إِلَيْهَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة بِمَعْنى الللام. وَرُوِيَ فِي ديوانه: باكرت لدّتها الدَّجَاج وَهُوَ جمع دجَاجَة بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى وَالْهَاء للْوَاحِد من الْجِنْس وَالْمرَاد هُنَا الديوك. وَالْمعْنَى: باكرت بشربها صياح الديكة.
والسحرة بِالضَّمِّ: أول السّحر. وَقَوله: لأعلّ مُتَعَلق بباكرت وبالبناء للْمَفْعُول من الغلل وَهُوَ الشّرْب الثَّانِي وَقد يُقَال للثَّالِث وَالرَّابِع: علل من قَوْلهم: تعلّلت بِهِ أَي: انتفعت بِهِ مرّة بعد مرّة والنهل محركة: الشّرْب الأوّل. أَي: تعاطيت شربهَا قبل صدح الديك لأسقى مِنْهَا مرّة بعد أُخْرَى أَي: حِين اسْتَيْقَظَ نيام السحر. وهبّ من نَومه: اسْتَيْقَظَ. ونيام: جمع نَائِم.
وَمثله للنابغة الجعديذ:
سبقت صياح فراريجهاوَصَوت نواقيس لم تضرب
قَالَ الْأَصْمَعِي: الفراريج: الديكة.
وَقَالَ جرير مثله:
لما تذكرت بالديرين أرّقنيصَوت الدَّجَاج وَضرب بالنواقيس
)
وترجمة لبيد بن ربيعَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْعِشْرين بعد الْمِائَة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع