من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالسَّبْعُونَ بعد الْمِائَة يَا سَارِق اللَّيْلَة أهل الدَّار على أَنه قد يتوسع فِي الظروف المنصرفة فيضاف إِلَيْهَا الْمصدر وَالصّفة المشتقة مِنْهُ فَإِن اللَّيْل ظرف متصرّف وَقد أضيف إِلَيْهِ سَارِق وَهُوَ وصف.
وَقد وَقع هَذَا فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ. وَأوردهُ الفرّاء أَيْضا فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى فَلَا تحسبن الله مخلف وعده رسله وَقَالَ: أضَاف سَارِق إِلَى اللَّيْلَة وَنصب أهل. وَكَانَ بعض النحوييين ينصب اللَّيْلَة ويخفض أهل فَيَقُول: يَا سَارِق اللَّيْلَة أهل الدَّار هَذَا كَلَامه.
قَالَ ابْن خروف فِي شرح الْكتاب: أهل الدَّار مَنْصُوب بِإِسْقَاط الْجَار ومفعوله الأول مَحْذُوف وَالْمعْنَى: يَا سَارِق اللَّيْلَة لأهل الدَّار مَتَاعا فسارق مُتَعَدٍّ لثَلَاثَة أَحدهمَا اللَّيْلَة على السعَة وَالثَّانِي بعد إِسْقَاط حرف الْجَرّ وَالثَّالِث مفعول حَقِيقِيّ. وَجَمِيع الْأَفْعَال متعديها ولازمها يتَعَدَّى إِلَى الْأَزْمِنَة والأمكنة. انْتهى.
وَفِيه نظر فَإِن أهل اللُّغَة نقلوا: أَن سرق يتَعَدَّى بِنَفسِهِ إِلَى مفعولين قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح وَغَيره: سَرقه مَالا يسرقه من بَاب ضرب وسرق مِنْهُ مَالا يتَعَدَّى إِلَى الأول بِنَفسِهِ وبالحرف فَجعل من فِي الْمِثَال الثَّانِي زَائِدَة. فَالصَّوَاب أَن اللَّيْلَة هُوَ الْمَفْعُول الأول وَأهل الدَّار بدل مِنْهَا فَيَقْتَضِي أَن يكون مَنْصُوبًا بسارق آخر لِأَن الْبَدَل على نِيَّة تكْرَار الْعَامِل وَالْمَفْعُول الثَّانِي حذف لإِرَادَة التَّعْمِيم أَي: مَتَاعا وَنَحْوه.
قَالَ السَّيِّد فِي شرح الْكَشَّاف: وَأهل الدَّار مَنْصُوب بسارق لاعتماه على حرف النداء كَقَوْلِك: يَا ضَارِبًا زيدا وَيَا طالعاً جبلا. وتحقيقه: أَن النداء يُنَاسب الذَّات فَاقْتضى تَقْدِير الْمَوْصُوف أَي: يَا شخصا ضَارِبًا. انْتهى.
وَلم يجر للْمَفْعُول الثَّانِي ذكرا وَكَأَنَّهُ لوضوحه تَركه.
وَقَول الفناري فِي حَاشِيَة المطول: الظَّاهِر أَن انتصاب أهل الدَّار بمقدر أَي: احذر أهل الدَّار خلاف الْمَعْنى الْمَقْصُود. قَالَ السَّيِّد: والاتساع فِي الظّرْف أَن لَا يقدر مَعَه فِي توسعاً فينصب نصب الْمَفْعُول بِهِ كَقَوْلِه: وَيَوْما شهدناه أَو يُضَاف إِلَيْهِ على وتيرته ك مَالك يَوْم الدَّين وسارق)
اللَّيْلَة حَيْثُ جعل الْيَوْم مَمْلُوكا وَاللَّيْلَة مسروقة وَأما مكر اللَّيْل وَالنَّهَار فَإِن جعلا ممكوراً بهما كَمَا يَقْتَضِيهِ سِيَاق كَلَامه فِي الْمفصل كَانَ مِثَالا لما نَحن فِيهِ: من إِجْرَاء الظّرْف مجْرى الْمَفْعُول بِهِ وَإِن جعلا ماكرين كَانَا مشبهين بِهِ فِي إِعْطَاء الظّرْف حكم غَيره. وَالْإِضَافَة فِي الْكل بِمَعْنى اللَّام.
وَلم يُقيد المُصَنّف يَعْنِي الزَّمَخْشَرِيّ الْإِضَافَة بِمَعْنى فِي وَإِن كَانَت رَافِعَة مُؤنَة الاتساع وَمَا يتبعهُ من الْإِشْكَال إِمَّا لِأَن إِجْرَاء الظّرْف مجْرى الْمَفْعُول بِهِ قد تحقق فِي الضمائر بِلَا خلاف وَصُورَة الْإِضَافَة لما احتملت وَجْهَيْن كَانَت مَحْمُولَة على مَا تحقق فَلَا إِضَافَة عِنْدهم بِمَعْنى فِي.
وَإِمَّا لِأَن الاتساع يسْتَلْزم فخامة فِي الْمَعْنى فَكَانَ عِنْد أَرْبَاب الْبَيَان بِالِاعْتِبَارِ أولى. وَمن أثبتها من النُّحَاة فلنظرة فِي تَصْحِيح الْعبارَة على ظَاهرهَا. انْتهى كَلَامه.
وَقَوله: وَمَا يتبعهُ من الْإِشْكَال هُوَ وصف الْمعرفَة بالنكرة لِأَن الْإِضَافَة على الاتساع لفظية فيشكل كَونه صفة للاسم الْكَرِيم فَلَو كَانَت الْإِضَافَة بِمَعْنى فِي لكَانَتْ معنوية وَصَحَّ الْوَصْف بِهِ لحُصُول التَّعْرِيف للمضاف بِنَاء على أَن الْإِضَافَة اللفظية لَا تكون على تَقْدِير حرف.
وَاعْلَم أَن صَاحب الْكَشَّاف قَالَ فِي مَالك يَوْم الدَّين: معنى الْإِضَافَة على الظَّرْفِيَّة بعد أَن قَالَ: إِن يَوْم الدَّين أضيف إِلَيْهِ مَالك على الاتساع فَظَاهره التَّنَافِي بَينهمَا لِأَن الْإِضَافَة على الاتساع لفظية وَكَون الْمَعْنى على الظرفيى يَقْتَضِي أَن الْإِضَافَة معنوية. فَدفعهُ السَّيِّد بقوله: يَعْنِي أَن الظّرْف وَإِن قطع فِي الصُّورَة عَن تَقْدِير فِي وأوقع موقع الْمَفْعُول بِهِ إِلَّا أَن الْمَعْنى الْمَقْصُود الَّذِي سيق الْكَلَام لأَجله على الظَّرْفِيَّة لِأَن كَونه مَالِكًا ليَوْم الدَّين كِنَايَة عَن كَونه مَالِكًا فِيهِ لِلْأَمْرِ كُله فَإِن تملّك الزَّمَان كتملك الْمَكَان يسْتَلْزم تملّك جَمِيع مَا فِيهِ انْتهى.
وَإِضَافَة الْوَصْف إِلَى الظّرْف الْمَذْكُور من قبيل الْمجَاز اللّغَوِيّ عِنْد السَّيِّد وَمن بَاب الْمجَاز الْحكمِي عِنْد التَّفْتَازَانِيّ.
ورده السَّيِّد بقوله: وَمن قَالَ: الْإِضَافَة فِي مَالك يَوْم الدَّين مجَاز حكمي ثمَّ زعم أَن الْمَفْعُول بِهِ مَحْذُوف عامّ يشْهد لعمومه الْحَذف بِلَا قرينَة ورد عَلَيْهِ أَن مثل هَذَا الْمَحْذُوف مُقَدّر فِي حكم الملفوظ فَلَا مجَاز حكمياً كَمَا فِي واسأل الْقرْيَة إِذْ كَانَ الْأَهْل مُقَدرا انْتهى.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع