تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة

فيه ٨ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة

على أَن أَو هُنَا بِمَعْنى الْوَاو وَإِنَّمَا احْتِيجَ إِلَى جعل أَو بِمَعْنى الْوَاو لِأَن سَوَاء وسيين يطلبان شَيْئَيْنِ فَلَو جعلت أَو لأحد الشَّيْئَيْنِ لَكَانَ الْمَعْنى سيان أَحدهمَا. وَهَذَا كَلَام مُسْتَحِيل.

قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: وَالَّذِي حسن ذَلِك للشاعر أَنه يرى جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين فيستقيم لَهُ أَن يجالسهما جَمِيعًا. وكل الْخبز أَو التَّمْر فَيجوز لَهُ أَن يجمعهما فِي الْأكل. فَلَمَّا جرت مجْرى الْوَاو فِي هَذِه الْمَوَاضِع استجاز أَن يستعملها بعد سي. وَلم نعلم ذَلِك جَاءَ فِي سَوَاء وَقِيَاسه قِيَاس سيان. انْتهى.

وَبَين ابْن جني سره فِي بَاب تدريج اللُّغَة من الخصائص قَالَ: وَذَلِكَ أَي تدريج اللُّغَة أَن يشبه شَيْء شَيْئا من مَوضِع فيمضي حكمه على حكم الأول ثمَّ يرقى مِنْهُ إِلَى غَيره. فَمن ذَلِك قَوْلهم: جَالس الْحسن أَو ابْن سِيرِين. فَلَو جالسهما جَمِيعًا لَكَانَ مصيباً مُطيعًا لَا مُخَالفا وَإِن كَانَت أَو إِنَّمَا هِيَ فِي أصل وَضعهَا لأحد الشَّيْئَيْنِ.

وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِك فِي هَذَا الْموضع لَا لشَيْء رَجَعَ إِلَى نفس أَو بل لقَرِينَة انضمت من جِهَة الْمَعْنى إِلَى أَو. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد عرف أَنه إِنَّمَا رغب فِي مجالسة الْحسن لما لمجالسته فِي ذَلِك من الْحَظ.

وَهَذِه الْحَال مَوْجُودَة فِي مجالسة ابْن سِيرِين أَيْضا فَكَأَنَّهُ قَالَ: جَالس هَذَا الضَّرْب من النَّاس.

وعَلى ذَلِك جرى النَّهْي فِي هَذَا الطرز من القَوْل فِي قَوْله تَعَالَى: وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَو كَفُوراً فَكَأَنَّهُ وَالله أعلم قَالَ: لَا تُطِع هَذَا الضَّرْب من النَّاس ثمَّ إِنَّه لما رأى أَو فِي هَذَا الْموضع قد جرت مجْرى الْوَاو تدرج من ذَلِك إِلَى غَيره فأجراها مجْرى الْوَاو فِي مَوضِع عَار من هَذِه الْقَرِينَة الَّتِي سوغته اسْتِعْمَال أَو فِي معنى الْوَاو.

أَلا ترَاهُ كَيفَ قَالَ:

فَكَانَ سيّان أَن لَا يسرحوا نعما................. الْبَيْت وَسَوَاء سيان لَا يسْتَعْمل إِلَّا بِالْوَاو. انْتهى.

وَقد أَخذ هَذَا من كَلَام أَبُو عَليّ فِي التَّذْكِرَة القصرية قَالَ: إِنَّمَا جَازَ أَو مَعَ سيان اتساعاً وَذَلِكَ أَنهم لما رَأَوْا أَن أَو يجمع بهَا مَا قبلهَا وَمَا بعْدهَا كَمَا جمع بِالْوَاو وَإِن كَانَ الْمَعْنى مُخْتَلفا شبهوه بهَا فَعَطَفُوا بهَا فِي هَذَا الْموضع كَمَا يعْطف بِالْوَاو. وَكَذَلِكَ الْعلم بِأَن هَذَا الْموضع يَقْتَضِي اثْنَيْنِ)

فَصَاعِدا وَلَا يقْتَصر فِيهِ على أحد الاسمين. انْتهى.

وسيان: مثنى سي بِالْكَسْرِ بِمَعْنى مثل وَأَصله سوي لِأَنَّهُ من السوَاء والسوية فَقلب وأدغم عملا بالقاعدة.

قَالَ ابْن يسعون: كَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول سيين لِأَن الْمعرفَة أولى بِأَن تكون اسْم كَانَ وَكَأَنَّهُ كره اجْتِمَاع ثَلَاث ياءات فَعدل إِلَى الْألف أَو قدر فِي كَانَ ضمير الشَّأْن وَرَفعه على الْخَبَر لِأَن الْمُبْتَدَأ وَقَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: إِمَّا أَن يكون أضمر فِي كَانَ الحَدِيث أَو الْأَمر فَيكون سيان خبر الاسمين اللَّذين هما: أَن لَا يسرحوا نعما أَو يسرحوه أَو يكون جعل سيان الْمُبْتَدَأ وَإِن كَانَ نكرَة وَأدْخل كَانَ على قَوْله سيان. وَالْوَجْه الأول أشبه. انْتهى.

قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: وَلقَائِل أَن يَقُول: الْإِخْبَار عَن الْمعرفَة بالنكرة مغتفر فِي الضَّرُورَة. على أَن ابْن مَالك قَالَ بِجَوَازِهِ مُطلقًا.

وسرحت الْإِبِل سرحاً من بَاب نفع وسروحاً أَيْضا: رعت بِنَفسِهَا وسرحتها يتَعَدَّى وَلَا يتَعَدَّى. وَهُوَ هُنَا مُتَعَدٍّ. وَالنعَم: المَال الرَّاعِي وَهُوَ جمع لَا وَاحِد لَهُ من لَفظه وَأكْثر مَا يَقع على الْإِبِل.

قَالَ أَبُو عبيد: النعم: الْجمال فَقَط وتؤنث وتذكر وَجمعه نعْمَان كحمل وحملان وأنعام أَيْضا.

وَقيل: النعم: الْإِبِل خَاصَّة. والأنعام: ذَوَات الْخُف والظلف وَهِي الْإِبِل وَالْبَقر وَالْغنم.

وَقيل: تطلق الْأَنْعَام على هَذِه الثَّلَاثَة فَإِذا انْفَرَدت الْإِبِل فَهِيَ نعم وَإِن انْفَرَدت الْبَقر وَالْغنم لم تسم نعما. كَذَا فِي الْمِصْبَاح. وَضمير بهَا قَالَ ابْن يسعون: للسّنة المجدبة الَّتِي دلّت الْحَال عَلَيْهَا.

وَيحْتَمل أَن يُرِيد الْبقْعَة الَّتِي وصفهَا بالجدب. وَالْبَاء بِمَعْنى فِي. واغبرت اسودت فِي عين من يَرَاهَا أَو كثر فِيهَا الْغُبَار لعدم الأمطار. وَرُوِيَ بدله: وابيضت. والسوح: جمع ساحة وَهِي قَالَ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وصف سنة ذَات جَدب فرعي النعم وَترك رعيها سَوَاء. قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: زعم أَبُو عَمْرو أَن الْأَصْمَعِي أنشدهم هَذَا الْبَيْت لرجل من هُذَيْل.

وَجَمِيع النَّحْوِيين رووا هَذَا الْبَيْت كَذَا وَقد رَأَيْته مُلَفقًا من بَيْتَيْنِ فِي قصيدة لأبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ وهما:

وَقَالَ راعيهم سيّان سيركموَأَن تُقِيمُوا بِهِ واغبرّت السّوح
وَكَانَ مثلين أَن لَا يسرحوا نعماحَيْثُ استرادت مَوَاشِيهمْ وتسريح

)

وعَلى هَذَا لَا شَاهد فِيهِ.

وَالْقَصِيدَة مرثية رثى بهَا أَبُو ذُؤَيْب صديقا لَهُ قتل فِي وقْعَة. وَهَذِه أَبْيَات مِنْهَا من المطلع:

نَام الخليّ وبتّ اللّيل مشتجراًكأنّ عَيْني فِيهَا الصّاب مَذْبُوح
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «نام الخلي وبت الليل مشتجرا»
لمّا ذكرت أَخا العمقى تأوّبنيهمّي وأفرد ظَهْري الْأَغْلَب الشّيح
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «نام الخلي وبت الليل مشتجرا»
المانح الْأدم كالمرو الصّلاب إِذامَا حارد الخور واجتثّ المجاليح
وزفّت الشّول من برد العشيّ كَمَازفّ النّعام إِلَى حفّانه الرّوح
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «نام الخلي وبت الليل مشتجرا»

وَقَالَ ماشيهم سيّان سيركم....................... الْبَيْتَيْنِ

واعصوصبت بكرا من حرجفٍ وَلهاوسط الدّيار رذيّاتٌ مرازيح
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «نام الخلي وبت الليل مشتجرا»
لَا يكرمون كريمات الْمَخَاض وَأَنساهم عقائلها جوعٌ وترزيح
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «نام الخلي وبت الليل مشتجرا»

قَوْله: نَام الخلي الخ قَالَ السكرِي فِي شرح أشعار هُذَيْل: الخلي: الَّذِي لَا هم لَهُ. والمشتجر: الَّذِي قد وضع حنكه على يَده أَو فَمه عِنْد الْهم. والصاب: نبت إِذا شقّ يخرج من ورقه كاللبن يحرق الْعين. ومذبوح: مشقوق. وذبحه: شقَّه.

وَقَوله: لما ذكرت أَخا العمقى الخ العمقى بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَكسرهَا وبالقصر: أَرض قتل بهَا هَذَا الرجل المرثي. وتأوبني: أَتَانِي لَيْلًا.

وأفرد ظَهْري أَي: كَانَ يمْنَع ظَهْري من الْعَدو.

والأغلب: الْأسد الغليظ الرَّقَبَة يُقَال: رجل شيح ومشيح إِذا كَانَ جلدا. يَقُول: خلاني للأعداء.

وَقَوله: المانح الْأدم الخ مَا أوردناه من الأبيات أوردهُ أَبُو حنيفَة الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات وَقَالَ: وَمِمَّا وصف بن الْمحل قَول أبي ذُؤَيْب ومدح رجلا ببذل مَاله فِيهِ.

قَالَ السكرِي: المانح هُوَ أَن يدْفع الْأدم كالعارية يشرب لَبنهَا سنة. كالمرو فِي صلابتها. والمرو: الْحِجَارَة الْبيض. والخور: الغزار الرقَاق وَلَيْسَ بسمان. وحارد: ذهب أَلْبَانهَا وَهِي من المحاردة. والمجاليح: اللواتي يدررن فِي القر والجهد والواحدة مجالح.

وَقَالَ الدينَوَرِي: المحاردة: انْقِطَاع اللَّبن. والمجاليح: الصَّبْر من النوق على الجدب الْبَاقِيَة الألبان وَقَوله: وزفت الشول الخ الزفيف: مشي سريع فِي تقَارب الخطو. والشول: الَّتِي شالت أَلْبَانهَا وَخفت بطونها من أَوْلَادهَا وأتى على نتاجها سَبْعَة أشهر أَو ثَمَانِيَة. والحفان بِفَتْح الْمُهْملَة وَتَشْديد الْفَاء: صغَار النعام. وَالروح: نعت النعام وَهُوَ جمع أروح وروحاء وصف من الرّوح)

وَقَوله: وَقَالَ راعيهم سيان الخ وروى السكرِي: وَقَالَ ماشيهم أَيْضا. وَقَالَ يُرِيد اغبرت ساحات مَا حَولهمْ من الجدب وماشيهم يُرِيد ماشي الْحَيّ والممشي: صَاحبهَا.

قَالَ الْبَاهِلِيّ: زَعَمُوا أَن ماشيهم فِي معنى ممشيهم أَي: صَاحب الْمَاشِيَة يُقَال: أمشى الرجل.

أَي: سَوَاء سيركم إِن سِرْتُمْ وَإِن أقمتم فَأنْتم فِي جَدب. وروى الدينَوَرِي: وَقَالَ رائدهم سيان سيركم الخ.

وَقَوله: وَكَانَ مثلين الخ هَذَا على الْقيَاس بِنصب مثلين قَالَ السكرِي: أَرَادَ: أَن لَا يسرحوا وتسريحهم سَوَاء. وَمعنى أَن لَا يسرحوا: أَن لَا يرعوا. واسترادت مَوَاشِيهمْ أَي: ترود وتطلب المرعى أَي: فَهُوَ جَدب رعوا أم لم يرعوا.

وَقَوله: واعصوصبت بكرا الخ. قَالَ الدينَوَرِي: اعصوصبت: اجْتمعت من الْبرد يَتَّقِي بَعْضهَا والحرجف بِتَقْدِيم الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة على الْجِيم: الرّيح الْبَارِدَة الْيَابِسَة. والرذية: الهزيلة الساقطة وَكَذَلِكَ المرازيح وَهِي الَّتِي رزحت فَلَا حراك لَهَا. وَلم يقل السكرِي فِي هَذَا الْبَيْت شَيْئا.

وَقَوله: أما ألات الذرى الخ. قَالَ السكرِي: ألات الذرى: ذَوَات الأسنمة. ف عاصبة أَي: قد عصبت واستدارت لَا تَبْرَح. والأقاديح: جمع قداح أَي: تجول القداح بَين مناقيها وَهُوَ أَن يضْرب عَلَيْهَا بِالْقداحِ. يَقُول: يخْتَار منقياتها أَي: سمانها للعقر.

وَقَوله: لَا يكرمون كريمات الخ. قَالَ السكرِي: يَقُول: ينحرون كريمات الْمَخَاض وَهِي الْحَوَامِل فَهِيَ أنفس عِنْدهم إِذا نحروها. وعقائلها: كرائمها أَي: أنساهم الْجُوع والترزيح وَهِي الرزاح الَّتِي قد قَامَت من الهزال وَسَقَطت.

وترجمة أبي ذُؤَيْب الْهُذلِيّ تقدّمت فِي الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتِّينَ.

وَهُوَ شَاعِر إسلامي.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»