تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة

فيه ١١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّابِع وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة الطَّوِيل على أَنه تجوز الْمُخَالفَة فِي الْإِعْرَاب إِذا عرف المُرَاد كَمَا هُنَا فَإِن قَوْله مجلف مَعْطُوف على قَوْله مسحتاً وهما متخالفان نصبا ورفعاً.

قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الْملك التاريخي فِي تَارِيخ النُّحَاة فِي تَرْجَمَة عبد الله ابْن أبي إِسْحَاق النَّحْوِيّ الْحَضْرَمِيّ: قَالَ ابْن سَلام: وَحدثنَا يُونُس قَالَ: قَالَ ابْن

أبي إِسْحَاق فِي بَيت الفرزدق إِلَّا مسحتاً أَو مجلف قَالَ: للرفع وَجه وَكَانَ أَبُو عَمْرو وَيُونُس لَا يعرفان للرفع وَجها. قلت ليونس: لَعَلَّ الفرزدق قَالَهَا على النصب وَلم يأبه للقافية. قَالَ: لَا كَانَ ينشدها على الرّفْع وأنشدنيها رؤبة على الرّفْع. انْتهى.

وَهَذَا الْبَيْت صَعب الْإِعْرَاب. قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هَذَا بَيت لَا تزَال الركب تصطك فِي تَسْوِيَة إعرابه.

وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: رفع الفرزدق آخر الْبَيْت ضَرُورَة وأتعب أهل الْإِعْرَاب فِي طلب الْحِيلَة فَقَالُوا وَأَكْثرُوا وَلم يَأْتُوا فِيهِ بِشَيْء يُرْضِي.

وَمن ذَا يخفى عَلَيْهِ من أهل النّظر أَن كل مَا أَتَوا بِهِ من الْعِلَل احتيال وتمويه وَقد سَأَلَ بَعضهم الفرزدق عَن رَفعه هَذَا الْبَيْت فشتمه وَقَالَ: عَليّ أَن أَقُول وَعَلَيْكُم أَن تحتجوا. انْتهى.

وَقَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره: حَدثنِي أَبُو جَعْفَر الرُّؤَاسِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: مر الفرزدق عزفت بأعشاشٍ وَمَا كدت تعزف

حَتَّى انْتهى إِلَى هَذَا الْبَيْت فَقَالَ عبد الله: علام رفعت مجلف فَقَالَ لَهُ الفرزدق: على مَا)

يسوءك.

وَفِي تذكرة أبي حَيَّان من النِّهَايَة قَالَ عبد الله بن أبي إِسْحَاق للفرزدق: بِمَ رفعت أَو مجلف فَقَالَ: بِمَا يسوءك وينوءك علينا أَن نقُول وَعَلَيْكُم أَن تتأولوا. ثمَّ قَالَ الفرزدق:

فَلَو كَانَ عبد الله مولى هجوتهولكنّ عبد الله مولى مواليا

فَقَالَ لَهُ عبد الله: أردْت أَن تهجوني فلحنت أَيْضا. والفرزدق مشغوف فِي شعره بالإعراب الْمُشكل المحوج إِلَى التقديرات الْعسرَة بالتقديم وَالتَّأْخِير المخل بالمعاني. وَسمعت شَيخنَا يَقُول: إِنِّي لأعجب من إِبْرَاهِيم بن هِشَام المَخْزُومِي حِين فهم قَول الفرزدق:

وَمَا مثله فِي النّاس إلاّ مملّكاًأَبُو أمّه حيٌّ أَبوهُ يُقَارِبه

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن الخشاب فِي كِتَابه الْمَوْضُوع لجوابه الْمسَائِل السِّت الْإسْكَنْدَريَّة: إِن أَبَا حَاتِم السجسْتانِي قَالَ: لَيْسَ الفرزدق أَهلا لِأَن يستشهد بِشعرِهِ على كتاب الله لما فِيهِ من التعجرف.

وَقَالَ ابْن الخشاب أَيْضا: لم يجر فِي سنَن الفرزدق من تعجرفه فِي شعره بالتقديم وَالتَّأْخِير المخل بمعانيه وَالتَّقْدِير الْمُشكل إِلَّا المتنبي وَلذَلِك مَال إِلَيْهِ أَبُو عَليّ وَابْن جني لِأَنَّهُ مِمَّا يُوَافق صناعتهما.

وَلَا ينفع المتنبي شَهَادَة أبي عَليّ لَهُ بالشعر لِأَن أَبَا عَليّ مُعرب لَا نقاد وَإِنَّمَا تَنْفَعهُ شَهَادَة مثل العسكريين وَأبي الْقَاسِم الْآمِدِيّ فَإِنَّهُم أَئِمَّة يقْتَدى بهم فِي نقد الْإِعْرَاب. انْتهى مَا أوردهُ أَبُو حَيَّان.

وَقد تكلّف لَهُ الْعلمَاء عدَّة توجيهات ذكر الشَّارِح الْمُحَقق مِنْهَا ثَلَاثَة أوجه وَالثَّلَاثَة مَبْنِيَّة على رِوَايَة لم يدع بِفَتْح الدَّال وعَلى رِوَايَة نصب مسحت.

أما الأول فَهُوَ للخليل بن أَحْمد وَقَالَ: هُوَ على الْمَعْنى كَأَنَّهُ قَالَ: لم يبْق من المَال إِلَّا مسحت لِأَن معنى لم يبْق وَلم يدع وَاحِد وَاحْتَاجَ إِلَى الرّفْع فَحَمله على شَيْء فِي مَعْنَاهُ.

قَالَ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر: نصب مسحت بيدع بِمَعْنى التّرْك وَحمل مجلف بعده على الْمَعْنى لِأَن معنى لم يدع من المَال إِلَّا مسحتاً تَقْدِيره: وَلم يبْق من المَال إِلَّا مسحت فَحمل مجلف بعده على ذَلِك.

وَمثل ذَلِك فِي الْحمل على الْمَعْنى من أَبْيَات الْكتاب قَوْله:

بادت وغيّر آيهنّ مَعَ البلىإلاّ رواكد جمرهنّ هباء
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «بادت وغير آيهن مع البلى»

لِأَن معنى بادت إِلَّا رواكد مَعْنَاهُ بهَا رواكد فَحمل مشججاً على ذَلِك فَكَذَلِك قَوْله لم يدع من المَال إِلَّا مسحتاً مَعْنَاهُ بَقِي مسحت. قَالَ أَبُو عَمْرو: هَذَا قَول الْخَلِيل وَلَيْسَ الْبَيْت فِي الْكتاب فَلَا أَدْرِي أسمعهُ عَنهُ أم قاسه. انْتهى.

ومحصله أَن مجلفاً مَرْفُوع بِفعل مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ: لم يدع. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن جني فِي الْمُحْتَسب فِي سُورَة: وَالضُّحَى قَالَ: إِنَّه لما قَالَ لم يدع من المَال إِلَّا مسحتاً دلّ على أَنه قد بَقِي فأضمر مَا يدل عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَبَقِي مجلف.

وَأما الثَّانِي فَهُوَ لثعلب قَالَ فِي أَمَالِيهِ نصب مسحت بِوُقُوع يدع عَلَيْهِ وَقد وليه الْفِعْل وَلم يل مجلفاً فاستؤنف بِهِ فَرفع وَالتَّقْدِير: هُوَ مجلف. انْتهى.

وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق إِن أَو فِي هَذَا الْوَجْه للإضراب بِمَعْنى بل لَا يُنَاسب الْمَعْنى وَإِنَّمَا يُنَاسب لَو كَانَ مسحتاً بعد أَو فَهِيَ هُنَا لعطف جملَة على مُفْرد وَمَعْنَاهَا أحد الشَّيْئَيْنِ.

وَأما الثَّالِث فَهُوَ لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِي التَّذْكِرَة قَالَ: مجلف مَعْطُوف على عض وَهُوَ مصدر جَاءَ على صِيغَة الْمَفْعُول قَالَ تَعَالَى: ومزَّقْنَاهُمْ كلَّ مُمزَّقٍ كَأَنَّهُ قَالَ: وعض زمَان أَو تجليف.

وَبَقِي غير مَا ذكره الشَّارِح تَوْجِيه الْفراء قَالَ: إِن مجلفاً مَرْفُوع الِابْتِدَاء وَخَبره مَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ: أَو مجلف كَذَلِك. نسبه إِلَيْهِ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَكَذَلِكَ نسبه إِلَيْهِ عَليّ بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ فِي كتاب التَّنْبِيهَات على أغلاط الروَاة وَنَصه: قَالَ الْفراء: وَمن روى مسحتاً أَرَادَ لم يدع فِيهِ عض الزَّمَان إِلَّا مسحتاً أَو مجلف بَقِي فرفعه على هَذَا الْإِضْمَار.

قَالَ الْكسَائي: هَذَا كَمَا تَقول: ضربت زيدا وَعَمْرو كَأَنَّهُ يرفعهُ بِفعل مُضْمر أَي: وَعَمْرو مَضْرُوب أَو وَعَمْرو كَذَلِك. انْتهى.

وَقد ذهب إِلَى هَذَا ابْن الْأَنْبَارِي أَيْضا فِي مسَائِل الْخلاف قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْمعَانِي: فَيكون هَذَا من عطف جملَة اسمية على جملَة فعلية كَمَا تَقول: رَأَيْت زيدا وَعَمْرو مر بِي أَيْضا.

وَبَقِي أَيْضا تَوْجِيه الْكسَائي وَهُوَ أَن مجلفاً مَعْطُوف على الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي مسحت. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: حكى هِشَام هَذَا التَّوْجِيه عَن الْكسَائي.

هَذَا مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من تَوْجِيه هَذِه الرِّوَايَة وَهِي الرِّوَايَة الْمَشْهُورَة. وَقد أوردهَا صَاحب)

الْكَشَّاف فِي سروة طه.

وَفِيه رِوَايَات أخر: إِحْدَاهَا: إِلَّا مسحت أَو مجلف برفعهما. قَالَ عَليّ بن حَمْزَة فِي كتاب

التَّنْبِيهَات: رَوَاهُ أَبُو جَعْفَر بن حبيب فِي كتاب النقائض بِرَفْع الاسمين. قَالَ ابْن الْأَعرَابِي وَالْفراء: حُرُوف الِاسْتِثْنَاء تَجِيء بِمَعْنى قَلِيل من كثير فَجعل إِلَّا معلقَة بِأَن يكون فأضمرها ونواها وَرفع مسحت على هَذَا الْمَعْنى أَرَادَ إِلَّا أَن يكون مسحت أَو مجلف فرفعه بيكون المضمرة وَإِلَّا تدل على تعلقهَا بِأَن يكون كَقَوْلِك: مَا أَتَانِي أحد إِلَّا زيد وَإِلَّا أَن يكون زيد.

وَمثله لشبيب بن البرصاء:

وَلَا خير فِي العيدان إلاّ صلابهاوَلَا ناهضات الطّير إلاّ صقورها
للشاعر شَبيب بن البَرصاء، اقرأ القصيدة

أَرَادَ: وَلَا خير فِي العيدان إِلَّا أَن يكون صلابها وَإِلَّا أَن يكون صقورها. انْتهى.

وَهَذَا التَّوْجِيه مَرْدُود فَإِن الْمَوْصُول لَا يحذف مَعَ بعض الصِّلَة وَيبقى بَعْضهَا.

وَالصَّوَاب تَوْجِيه صَاحب الْكَشَّاف فَإِنَّهُ اسْتشْهد بِهِ على قِرَاءَة أبي وَالْأَعْمَش فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيل بِالرَّفْع مَعَ كَونه اسْتثِْنَاء من كَلَام مُوجب حملا لَهُ على الْمَعْنى فَإِن قَوْله: فَشَرِبُوا مِنْهُ فِي معنى فَلم يطيعوه إِلَّا قَلِيل فرفعه كرفع الشَّاعِر مسحتاً ومجلفاً مَعَ كَونه اسْتثِْنَاء مفرغاً فِي موقع الْمَفْعُول بِهِ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى وَاقع موقع الْفَاعِل لِأَن لم يدع فِي معنى لم يبْق.

وَالْأَحْسَن مَا ذهب إِلَيْهِ الطوسي نَقله عَنهُ صَاحب التَّنْبِيهَات قَالَ: أَرَادَ لم يدع من الدعة.

وَنقل ابْن الْأَنْبَارِي أَيْضا فِي شرح المفضليات عَن أبي عَمْرو أَنه قَالَ: لم يدع من الدعة والسكون يُقَال: رجل وادع إِذا كَانَ سَاكِنا فَيكون على هَذَا مسحت فَاعل ليَدع....

وعضّ زمَان يَا ابْن مَرْوَان مَا بِهِمن المَال إلاّ مسحتٌ أَو مجلّف

بِرَفْع الاسمين أَيْضا حَكَاهُ عَنهُ عَليّ بن حَمْزَة صَاحب التَّنْبِيهَات.

وَقَالَ الْفراء فِي تَفْسِيره: قيل لي إِن بعض الروَاة يَقُول: مَا بِهِ من المَال إِلَّا

مسحت أَو مجلف فَقلت: لَيْسَ هَذَا بِشَيْء. انْتهى.

وَعِنْدِي أَن هَذِه أحسن الرِّوَايَات وأصحها.

وثالث الرِّوَايَات الْأُخَر: لم يدع من المَال إِلَّا مسحت بِكَسْر دَال يدع وَرفع الاسمين أَيْضا وَقد نَسَبهَا صَاحب التَّنْبِيهَات إِلَى أبي عُبَيْدَة وَابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات إِلَى عِيسَى بن عمر)

عِنْد قَول سُوَيْد بن أبي كَاهِل الْيَشْكُرِي من قصيدة:

أرّق الْعين خيالٌ لم يدعمن سليمى ففؤادي منتزع
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة

قَالَ: يدع بِمَعْنى يقر وَيمْكث. وَإِلَيْهِ ذهب ابْن جني فِي بَاب الاطراد والشذوذ من الخصائص قَالَ فِيهِ: وَمن ذَلِك امتناعك من وذر وودع لأَنهم لم يقولوهما. فَأَما قَول أبي الْأسود:

لَيْت شعري من خليلي مَا الَّذِيغاله فِي الحبّ حتّى ودعه

فشاذ وَكَذَلِكَ قِرَاءَة بَعضهم: مَا ودعم رَبك وَمَا قلى. فَأَما قَوْلهم ودع الشَّيْء يدع إِذا سكن فاتدع فمسموع مُتبع وَعَلِيهِ بَيت الفرزدق فَمَعْنَى لم يدع بِكَسْر الدَّال أَي: لم يتدع وَلم يثبت.

وَالْجُمْلَة بعد زمَان فِي مَوضِع جر لكَونهَا صفة لَهُ والعائد مِنْهَا إِلَيْهِ مَحْذُوف للْعلم بموضعه وَتَقْدِيره: لم يدع فِيهِ أَو لأَجله من المَال إِلَّا مسحت أَو مجلف فيرتفع بِهِ مسحت ومجلف عطف عَلَيْهِ. وَهَذَا أَمر ظَاهر لَيْسَ فِيهِ من الِاعْتِذَار والاعتلال مَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى. ويحكى عَن مُعَاوِيَة ﵁ أَنه قَالَ: خير الْمجَالِس مَا سَافر إِلَيْهِ الْبَصَر واتدع فِيهِ الْبدن. انْتهى.

وَقَالَ فِي سُورَة الضُّحَى من الْمُحْتَسب: قَرَأَ: مَا وَدعك خَفِيفَة النَّبِي

ﷺ َ وَعُرْوَة بن الزبير. وَهَذِه قَليلَة الِاسْتِعْمَال. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: استغنوا عَن وذر وودع بقَوْلهمْ ترك. على أَنَّهَا قد جَاءَت فِي شعر أبي الْأسود.

وَأما لم يدع فِي بَيت الفرزدق بِكَسْر الدَّال فَهُوَ من الاتداع كَقَوْلِك: قد استراح وودع فَهُوَ وادع من تَعبه. والمسحت على هَذِه الرِّوَايَة مَرْفُوع بِفِعْلِهِ ومجلف مَعْطُوف عَلَيْهِ. وَهَذَا مَا لَا نظر فِيهِ لوضوحه.

ورابع الرِّوَايَات الْأُخَر لم يدع بِضَم الْيَاء وَفتح الدَّال مَعَ رفع الاسمين أَيْضا ذكرهَا ابْن جني فِي الْمُحْتَسب ونقلها عَنهُ ابْن السَّيِّد وَاللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل وَلم ينسبها أحدهم إِلَى راو.

قَالَ ابْن جني: وَأما رِوَايَة يدع بِضَم الْيَاء وَفتح الدَّال فقياسه يودع كَقَوْلِه تَعَالَى: لم يَلِدْ وَلم يُولَدْ وَمثله يوضع وَالْحَدِيد يُوقع أَي: يطْرق من قَوْلهم وَقعت الحديدة أَي: طرقتها. قَالُوا: إِلَّا أَن هَذَا الْحَرْف كَأَنَّهُ لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله جَاءَ شاذاً فحذفت واوه تَخْفِيفًا فَقيل لم يدع أَي: لم يتْرك.

والمسحت والمجلف جَمِيعًا مرفوعان أَيْضا كَمَا يجب. انْتهى.

وَهَذَا مَا وقفت عَلَيْهِ من رِوَايَات هَذَا الْبَيْت. وَالله أعلم.

وَقَوله: وعض زمَان هُوَ مَرْفُوع بالْعَطْف على هموم المنى فِي بَيت قبله وَهُوَ:)

إِلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ رمت بِنَاهموم المنى والهوجل المتعسّف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «لنا ما تمنينا من العيش ما دعا»

أَرَادَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. وَابْن مَرْوَان: عبد الْملك بن مَرْوَان. شكا إِلَيْهِ مَا فعل بِهِ الزَّمَان من تَفْرِيق أَمْوَاله وتغيير أَحْوَاله. والهوجل: الفلاة الَّتِي لَا أَعْلَام فِيهَا يهتدى بهَا. والمتعسف: الَّتِي يسَار فِيهَا بِلَا دَلِيل. وعض الزَّمَان: شدته.

قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: قَالَ الْخَلِيل بن أَحْمد: العض كُله بالضاد إِلَّا عظ الزَّمَان وَالْحَرب.

وَقَالَ ابْن سراج العظ الْمجَازِي بالظاء والحقيقي بالضاد. وَهَذَا كَقَوْل الْخَلِيل. وَقيل إِن العض كُله بالضاد مجازياً كَانَ أَو حَقِيقِيًّا. انْتهى.

والمجلف بِالْجِيم الَّذِي ذهب معظمه وَبَقِي مِنْهُ شَيْء يسير. والمسحت المستأصل الَّذِي لم يبْق مِنْهُ بَقِيَّة. قَالَ الْفراء فِي سُورَة طه فِي قَوْله تَعَالَى: فيُسحِتَكم: سحت أَكثر وَهُوَ الاستئصال.

وَقَالَ مثله الزّجاج فِي سُورَة الْمَائِدَة وَأنْشد الْبَيْت أَيْضا.

وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: مَال مسحوت ومسحت أَي: مَذْهَب. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت أَيْضا وَمِنْه أَخذ الشَّارِح.

وَمثل هَذَا الْبَيْت مَا أوردهُ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحُسَيْن اليمني تلميذ ابْن ولاد فِي طَبَقَات النَّحْوِيين فِي تَرْجَمَة أبي الْفضل الرياشي بِسَنَدِهِ عَن أبي الْفضل قَالَ: وَقع رجل بِأمة لرجل فَولدت فَحلف سَيِّدهَا أَن لَا يعتقهُ فَقَالَ الَّذِي وَقع فِي الْجَارِيَة:

تحلّل جَزَاك الله خيرا أما ترىتخاذل إخْوَانِي وقلّة ماليا
وعضّ زمَان لم تدع جفواتهمن المَال إلاّ جلّةً وعناصيا
تألّ على مَا فِي يَديك كأنّمارَأَيْت ابْن ذِي الجدّين عنْدك عانيا

انْتهى.

التَّحْلِيل فِي الْيَمين: أَن يحلف ثمَّ يَسْتَثْنِي اسْتثِْنَاء مُتَّصِلا. والجلة بِكَسْر الْجِيم من الْإِبِل: المسان وَهُوَ جمع جليل كصبي وصبية.

والعناصي بِفَتْح الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الصِّحَاح: مَا بَقِي من مَاله إِلَّا عناص وَذَلِكَ إِذا ذهب معظمه وَبَقِي نبذ مِنْهُ. وتأل فعل أَمر يُقَال: تألى على كَذَا أَي: أقسم عَلَيْهِ. والعاني: الْأَسير.

والبيتان من قصيدة طَوِيلَة للفرزدق تزيد على مائَة بَيت لَيْسَ فِيهَا مديح غير هذَيْن الْبَيْتَيْنِ)

وَمَا قبلهمَا من أول القصيدة نسيب وَمَا بعدهمَا عدَّة أَبْيَات فِي كلال الْإِبِل. وَشَرحهَا الشريف المرتضى قدس سره فِي أَمَالِيهِ غرر الْفَوَائِد ودرر القلائد.

وَمَا بعْدهَا إِلَى آخر القصيدة افتخار بآبائه على جرير.

وفيهَا شَاهد يَأْتِي شَرحه مَعَ أَبْيَات مِنْهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب الْفِعْل. وَمضى بَيت مِنْهَا فِي بَاب النَّعْت.

وَتَقَدَّمت تَرْجَمَة الفرزدق فِي الشَّاهِد الثَّلَاثِينَ.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»