من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد السَّادِس وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة
بَات يعشّيها بعضب باتريقْصد فِي أسوقها وجائر
وَأوردهُ الْفراء والزجاج فِي تفسيرهما عِنْد قَوْله تَعَالَى: ويُكلِّمُ الناسَ فِي المَهْدِ على أَن جملَة يكلم معطوفة على وجيهاً. قَالَ الزّجاج وَجَائِز أَن يعْطف بِلَفْظ يفعل على فَاعل لمضارعة يفعل فَاعِلا أَي: قَاصد فِي أسؤقها وجائر.
وَأوردهُ الْفراء فِي سُورَة الْأَنْبِيَاء أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: لاهِيَةً قُلُوبُهُم.
وَكَذَلِكَ اسْتشْهد بِهِ أَبُو عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر وَابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ وَلم ينْسبهُ أحد مِنْهُم إِلَى قَائِله وَلم أر لَهُ تَتِمَّة.
وَهُوَ بيتان من الرجز المسدس.
وَقَوله: بَات يعشيها الخ بَات من أَخَوَات كَانَ اسْمهَا مستتر فِيهَا وَجُمْلَة يعشيها فِي مَوضِع نصب على أَنَّهَا الْخَبَر أَي: يطْعمهَا الْعشَاء بِالْفَتْح
وَهُوَ الطَّعَام الَّذِي يُؤْكَل وَقت الْعشَاء بِالْكَسْرِ.
وَرَأَيْت فِي أمالي ابْن الشجري فِي نُسْخَة صَحِيحَة قد صححها أَبُو الْيمن الْكِنْدِيّ وَغَيره وَعَلَيْهَا خطوط الْعلمَاء وإجازاتهم: بَات يغشيها بالغين الْمُعْجَمَة من الغشاء كالغطاء بِكَسْر أَولهمَا وزنا وَمعنى أَي: يشملها ويعمها. وَضمير الْمُؤَنَّث لِلْإِبِلِ وَهُوَ فِي وصف كريم بَادر يعقر إبِله لضيوفه.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن الضَّمِير للْمَرْأَة الَّتِي عاقبها زَوجهَا بِالسَّيْفِ. وَلَا يخفى أَن هَذَا غير مُنَاسِب وَرَوَاهُ الْفراء فِي تَفْسِيره بت أعشيها بالتكلم.
والعضب بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: السَّيْف وَهُوَ فِي الأَصْل صفة بِمَعْنى قَاطع عضبه بِمَعْنى قطعه وَالْيَاء مُتَعَلقَة ب يعشيها وَهَذَا من بَاب: عتابه السَّيْف وتحيته الضَّرْب. وباتر: صفة أولى لعضب وَجُمْلَة يقْصد صفة ثَانِيَة لَهُ وجائر صفة ثَالِثَة وَهُوَ بِمَعْنى قَاطع من بتره بتراً من بَاب قتل إِذا قطعه على غير تَمام.
ويقصد: قصد فِي الْأَمر من بَاب ضرب أَي: توَسط وَلم يُجَاوز الْحَد. وَفِي مُتَعَلّقه بيقصد. وأسؤق: جمع قلَّة لساق وَهِي مَا بَين الرّكْبَة والقدم. وجائر من جَار فِي حكمه إِذا ظلم.)
فَإِن قلت: عقره الْإِبِل إِمَّا قصد وَإِمَّا جور فَكيف وصف بهما قلت: هُوَ على التَّوْزِيع أَي: يقْصد فِي أسؤق إبل تسْتَحقّ الْعقر كالنيب ويجور فِي أسؤق إبل لَا تسْتَحقّ الْعقر كالحوامل وَذَوَات الفصال.
وجائر فِي الْحَقِيقَة مَعْطُوف على جملَة يقْصد الْوَاقِعَة صفة ثَانِيَة لعضب كَقَوْل راجز آخر: أمّ صبيٍّ قد حبا ودارج
وفاعله ضمير العضب.
وَزعم الْعَيْنِيّ أَن الضَّمِير عَائِد على مَا عَاد عَلَيْهِ ضمير بَات وَأَن الْجُمْلَة حَال. وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَمَا زعم لنصب جَائِر لِأَنَّهُ مَعْطُوف عَلَيْهِ وَلَا جَائِز أَن يكون مَنْصُوبًا أَو مَرْفُوعا لِأَن الشّعْر من الرجز الَّذِي يجب توَافق قوافيه. وَيدل لما قُلْنَا رِوَايَة الْفراء:
بتّ أعشّيها بعضبٍ باتريقْصد فِي أسوقها وجائر
والقافيتان مضبوطتان بضبط الْقَلَم بِالْجَرِّ فِي نسخ صَحِيحَة مقروءة وَعَلَيْهَا خطوط الْعلمَاء مِنْهَا تَفْسِير الْفراء والزجاج وَمِنْهَا إِيضَاح الشّعْر بِخَط ابْن جني وَمِنْهَا أمالي ابْن الشجري كَمَا ذكرنَا.
وَلَو رفع باتر على أَنه نعت مَقْطُوع من النكرَة غير المخصصة لرفع جَائِر. وَفِيه مَا لَا يخفى.
وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يكون جملَة يقْصد خَبرا ثَانِيًا لبات أَو بَدَلا من يعشيها لما ذكرنَا.
وَلم يذكر الشَّارِح الْمُحَقق شَرط عطف الِاسْم على الْفِعْل مضارعاً أَو مَاضِيا وَعَكسه. وَقد بَينه ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ فِي فصل عقده لَهُ فَلَا بَأْس بإيراده قَالَ: عطف اسْم الْفَاعِل على مَا يفعل وَعطف يفعل على اسْم الْفَاعِل جَائِز لما بَينهمَا من المضارعة الَّتِي اسْتحق بهَا يفعل الْإِعْرَاب وَاسْتحق بهَا اسْم الْفَاعِل الإعمال وَذَلِكَ جَرَيَان اسْم الْفَاعِل على يفعل.
وَنقل يفعل من الشياع إِلَى الْخُصُوص بالحرف الْمُخَصّص كنقل الِاسْم من التنكير إِلَى التَّعْرِيف بالحرف الْمُعَرّف فَلذَلِك جَازَ عطف كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه وَذَلِكَ إِذا جَازَ وُقُوعه فِي مَوْضِعه كَقَوْلِك: زيد يتحدث وضاحك وَزيد ضَاحِك ويتحدث لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يَقع خَبرا للمبتدأ. وَكَذَلِكَ مَرَرْت بِرَجُل ضَاحِك يتحدث وبرجل يتحدث وضاحك لِأَن يفعل مِمَّا يُوصف بِهِ النكرات. فَمن عطف الِاسْم على الْفِعْل قَول الراجز:
بَات يغشّيها بعضبٍ باتريقْصد فِي أسؤقها وجائر
فَإِن قلت: سيتحدث زيد وضاحك لم يجز لِأَن ضَاحِكا لَا يَقع موقع يتحدث من حَيْثُ لَا)
يَلِي الِاسْم السِّين. وَكَذَلِكَ: مَرَرْت بجالس ويتحدث لَا يجوز لِأَن حرف الْجَرّ لَا يَلِيهِ الْفِعْل.
فَإِن عطفت اسْم الْفَاعِل على فعل لم يجز لِأَنَّهُ لَا مضارعة بَينهمَا.
فَإِن قربت فعل إِلَى الْحَال بقد جَازَ عطف اسْم الْفَاعِل عَلَيْهِ كَقَوْل الراجز: أمّ صبيٍّ قد حبا ودارج فَإِن كَانَ اسْم الْفَاعِل بِمَعْنى فعل جَازَ عطف الْمَاضِي عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى: إنَّ المصدِّقين والمصَّدِّقات وأقرَضُوا اللَّه لِأَن التَّقْدِير إِن الَّذين تصدقوا واللاتي تصدقن.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع