من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ بعد الثلاثمائة
وَلست بنازل إلاّ ألّمتبرحلي أَو خيالتها الكذوب
على أَن قَوْله: خيالتها مَعْطُوف على الضَّمِير الْمُسْتَتر فِي ألمت وَجَاز مَعَ عدم تَأْكِيد الْمُسْتَتر بمنفصل لوُجُود الْفَصْل قبل حرف الْعَطف وَهُوَ قَوْله: برحلي.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: عطف على الضَّمِير الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل بِغَيْر تَأْكِيد وَلَو أكد فَقَالَ: ألمت هِيَ لَكَانَ أحسن غير أَن الْكَلَام طَال بقوله برحلي فناب طوله عَن التَّأْكِيد كَمَا أَن قَوْله الله سُبْحَانَهُ: مَا أشْرَكْنا وَلَا آباؤُنا لما طَال الْكَلَام فِيهِ بِلَا وَإِن كَانَت بعد الْوَاو حسن الْكَلَام بِطُولِهَا. انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثَلَاثَة مَذْكُورَة فِي الحماسة.
وَبعده:
فقد جعلت قلُوص بني سهيلٍمن الأكوار مرتعها قريب
كأنّ لَهَا برحل الْقَوْم بوّاوَمَا إِن طبّها إلاّ اللّغوب
قَوْله: وَلست بنازل مفعول نَازل مَحْذُوف أَي: منزلا أَو مَكَانا. والإلمام: زِيَارَة لَا لبث مَعهَا أَو هُوَ من ألم الرجل بالقوم إلماماً بِمَعْنى أَتَاهُم فَنزل بهم. وفاعل ألمت ضمير الحبيبة. والرحل: كل شَيْء يعد للرحيل من وعَاء للمتاع. والخيالة: الطيف يُقَال: خيال وخيالة كَمَا يُقَال: مَكَان ومكانة.
والكذوب: صفة خيالة وَإِنَّمَا لم يؤنثه لِأَن فعولًا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث. وَجعلهَا كذوباً لِأَنَّهَا تخيل إِلَيْهِ فِي النّوم مَا لَا يحِق.
وَقَالَ المرزوقي: وَجعلهَا كذوباً لما لم يُحَقّق قَوْلهَا وفعلها. يَقُول: لَا أنزل محلا إِلَّا رَأَيْت هَذِه الْمَرْأَة ملحمة برحلي اي: متصورة لي بِهَذِهِ الصُّورَة تشوقاً مني وَهَذَا فِي حَال الْيَقَظَة أَو رَأَيْت خيالها الْكَاذِب الَّذِي لَا حَقِيقَة لَهُ وَهَذَا فِي حَال النّوم.
أآخر شيءٍ أَنْت فِي كلّ هجعةٍوَأول شيءٍ أَنْت عِنْد هبوبي
لِأَن هَذَا فِي حَال دون حَال وَذَاكَ الدَّهْر كُله.
وَقد جعلت قلُوص الخ جعلت هُنَا بِمَعْنى طفقت وَأَقْبَلت وَأَخْطَأ الْعَيْنِيّ فِي قَوْله إِن جعلت هُنَا بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وقلوص اسْمهَا وَهِي النَّاقة الشَّابَّة. وَجُمْلَة مرتعها قريب فِي مَحل نصب خَبَرهَا)
وَمن الأكوار مُتَعَلق بقريب. واستعيرت الاسمية مَوضِع الفعلية لِأَن المُرَاد: وَقد جعلت هَذِه القلوص يقرب مرتعها من الأكوار. وَقد أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي آخر أَفعَال المقاربة وَيَأْتِي بَيَانه هُنَاكَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَقَالَ المرزوقي: ومرتها قريب فِي مَوضِع الْحَال. يَقُول: أَقبلت قلُوص هذَيْن الرجلَيْن قريبَة المرتع من رحالهم قَصِيرَة المسرح فِي رَوَاحهمْ لِأَنَّهُ لما لحقها من الكلال والإعياء لم تقدر على التباعد فِي المرعى. انْتهى.
وَقد شَرحه قَول الآخر وأبلغ فَقَالَ:
من الكلال لَا يذقن عوداًلَا عقلا تبغي وَلَا قيودا
والأكوار: جمع كور بِالضَّمِّ وَهُوَ الرحل بأداته. أَي: إِذا سرحت لم تبعد فِي المرعى لشدَّة كلالها.
وَزعم الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة وَتَبعهُ غَيره أَنه يَصح أَن يكون أكوار هُنَا جمع كور بِالْفَتْح وَهِي الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة من الْإِبِل. وَهَذَا وَإِن كَانَ صَحِيحا فِي نَفسه إِلَّا أَنه لَا يُنَاسب الْمقَام.
فَتَأمل.
وَقَوله: كَأَن لَهَا برحل الخ. قَالَ المرزوقي: يَقُول: كَأَن لهَذِهِ النَّاقة ولدا برحل الْقَوْم تتعطف عَلَيْهِ وَلَا تتباعد عَنهُ وَمَا داؤها إِلَّا الإعياء. والطب بِالْكَسْرِ أَصله الْعلم وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الَّذِي يعلم وَيعرف. والبو أَصله جلد فصيل يحشى تبناً لتدر الْأُم عَلَيْهِ. انْتهى.
وَقَالَ شَارِح آخر: قَوْله: وَمَا إِن طبها قَالَ أَبُو الندى: أَي مَا شَأْنهَا وداؤها. وَقَالَ غَيره: الطِّبّ هَا هُنَا السقم وَمِنْه آخر الطِّبّ الكي: وَأكْثر مَا يسْتَعْمل ذَلِك فِي السحر وَمِنْه رجل مطبوب.
واللغوب: الإعياء وَقد لغب لغوباً كدخل دُخُولا ولغب لغباً كفرح فَرحا. انْتهى.
وَهَذِه الأبيات أوردهَا أَبُو تَمام فِي بَاب الحماسة مَعَ أَنه لَا تعلق لَهَا بهَا بِوَجْه فَإِن الْبَيْت الأول من بَاب النسيب والبيتان الأخيران من بَاب الْوَصْف وَهُوَ نعت النَّاقة بِشدَّة التَّعَب وَهَذَا بمعزل عَن الحماسة. وَلم أر من تنبه لهَذَا من شراحه وَلم أر أَيْضا مِنْهُم من نَسَبهَا إِلَى قَائِلهَا.
وَرَأَيْت الصغاني نَسَبهَا فِي مَادَّة الخيال من الْعباب إِلَى رجل من بني بحتر
ابْن عتود بِضَم الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُهْملَة وَضم الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة. وعتود بِفَتْح الْمُهْملَة بعْدهَا مثناة فوقية مَضْمُومَة وَآخره دَال.
الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة)
على أَن أَصله الحافظون عَورَة الْعَشِيرَة فحذفت النُّون طلبا للاختصار لِأَن الصِّلَة قد طَالَتْ.
وعورة مَنْصُوب بِهِ. وَرُوِيَ أَيْضا بجرها بِالْإِضَافَة.
وَهَذَا صدؤ من بَيت وَهُوَ:
الحافظو عَورَة الْعَشِيرَة لَايَأْتِيهم من وَرَائِنَا وكف
والوكف: الْعَيْب وَالْإِثْم. أَي: نَحن نَحْفَظ عَورَة عشيرتنا فَلَا يَأْتِيهم من وَرَائِنَا شَيْء يعابون بِهِ من تَضْييع ثغرهم وَقلة رعايته.
وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع