تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

(بَاب الْعَطف)

فيه ٢٠ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أنْشد فِي أَوله:

إِلَى الْملك القرم وَابْن الْهماموَلَيْث الكتيبة فِي المزدحم

على أَن الصِّفَات يعْطف بَعْضهَا على بعض كَمَا هُنَا. وَقد تقدم الْكَلَام عَلَيْهِ فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالسبْعين فِي بَاب الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر.

وَأنْشد بعده

يَا لهف زيّابة لِلْحَارِثِ الصّابح فالغانم فالآيب

على أَن الصّفة يعْطف بَعْضهَا على بعض كَمَا هُنَا فَإِن الغانم مَعْطُوف على الصابح والآيب مَعْطُوف على الغانم. وَأَشَارَ بالبيتين إِلَى أَن عطف الصِّفَات يجوز بِالْوَاو إِن قصد الْجمع وبالفاء إِن قصد التعقيب.

قَالَ الْخَطِيب التبريزي فِي شرح الحماسة: لما كَانَت هَذِه الصِّفَات متراخية حسن إِدْخَال فَاء الْعَطف لِأَن الصابح قبل الغانم والغانم أَمَام الآيب.

ويقبح أَن تدخل الْفَاء إِذا كَانَت الصِّفَات مجتمعة فِي الْمَوْصُوف فَلَا يحسن أَن يُقَال عجبت من فلَان الْأَزْرَق الْعين فالأشم الْأنف فالشديد الساعد إِلَّا على وَجه يبعد لِأَن زرقة الْعين وشمم الْأنف وَشدَّة الساعد قد اجْتَمعْنَ فِي الْمَوْصُوف. انْتهى.

وَالصَّوَاب أَن يُقَال متعاقبة بدل متراخية فَإِن التَّعَاقُب هُنَا كالتعاقب فِي قَوْلك: تزوج زيد فولد لَهُ وَكَذَلِكَ كل شَيْء بِحَسب حُصُوله وَإِن كَانَ فِيهِ تراخ.

وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: أَرَادَ: الَّذِي يصبح الْعَدو بالغارة فيغنم فيؤوب سالما فعطف الْمَوْصُول على الْمَوْصُول وهما جَمِيعًا لموصوف وَاحِد. وَالشَّيْء لَا يعْطف على نَفسه من حَيْثُ كَانَ الْعَطف نَظِير التَّثْنِيَة فِي الْمَعْنى فَكَمَا لَا يكون الْوَاحِد اثْنَيْنِ وليجوزن أَن يكون مَا فَوق ذَلِك إِلَى مَا لَا غَايَة لَهُ كَثْرَة.

وَعلة جَوَاز ذَلِك قُوَّة اتِّصَال الْمَوْصُول بصلته حَتَّى إِنَّه إِذا أُرِيد عطف بعض صلته على بعض جِيءَ بِهِ هُوَ مَعْطُوف فِي اللَّفْظ على نَفسه. وَمثله قَول الله ﵎: الَّذِي هُوَ يطعمني ويسقين. وَإِذا مَرضت فَهُوَ يشفين إِلَى آخر الْآيَة. وَهَذَا كُله صفة مَوْصُوف وَاحِد وَهُوَ الْقَدِيم)

عز اسْمه.

وَقد تقصيت هَذَا فِي كتاب المعرب وَهُوَ تَفْسِير قوافي أبي الْحسن. فَأَما قَول الله تَعَالَى: والعادياتِ ضَبْحاً. فالمورِياتِ قَدْحاً. فالمُغِيرَاتِ صُبْحاً فقد يُمكن أَن يكون مِمَّا نَحن فِيهِ وَقد يُمكن أَن تكون العاديات غير الموريات والمغيرات غَيرهمَا فَيكون عطف مَوْصُوف على مَوْصُوف آخر حَقِيقَة لَا مجَازًا كَقَوْلِك:

مَرَرْت بالضاحك فالباكي إِذا مَرَرْت بِاثْنَيْنِ أَحدهمَا ضَاحِك وَالْآخر باك. انْتهى.

وَأورد الزَّمَخْشَرِيّ هَذَا الْبَيْت وَالَّذِي قبله عِنْد قَوْله تَعَالَى: والذينَ يُؤمنُونَ بمَا أنزلَ إِلَيْك من سُورَة الْبَقَرَة وَفِي توسّط العاطف بَينه وَبَين قَوْله تَعَالَى قبله: الذينَ يُؤمنون بالغَيب فَإِنَّهُمَا وَاحِد كَمَا توَسط بَين الصِّفَات فِي الْبَيْتَيْنِ. وَعطف الصِّفَات على الصِّفَات كثير بِنَاء على تغاير المفهومات وَإِن كَانَت متحدة بِالذَّاتِ. وَقد يكون الْعَطف بِالْوَاو كَمَا فِي الْآيَة وَالْبَيْت الأول وَقد يكون بِالْفَاءِ كَمَا تقدم بَيَانه.

قَالَ صَاحب الْكَشَّاف فِي أول الصافات وَنَقله ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: للفاء مَعَ الصِّفَات ثَلَاثَة أَحْوَال: أَحدهَا أَن تدل على ترَتّب مَعَانِيهَا فِي الْوُجُود كَقَوْلِه: يَا لهف زيابة الْبَيْت أَي: الَّذِي صبح فغنم فآب.

وَالثَّانِي: أَن تدل على ترتبها فِي التَّفَاوُت من بعض الْوُجُوه نَحْو قَوْلك: خُذ الْأَكْمَل فَالْأَفْضَل واعمل الْأَحْسَن فالأجمل.

وَالثَّالِث: أَن تدل على ترَتّب موصوفاتها فِي ذَلِك نَحْو: رحم الله المحلقين فالمقصرين. انْتهى.

قَالَ الْفَاضِل اليمني: وَالْقِسْمَة الصَّحِيحَة تَقْتَضِي أَرْبَعَة لِأَنَّهُ كَمَا جَازَ فِي الصِّفَات الدّلَالَة على تَرْتِيب مَعَانِيهَا فِي الْوُجُود كَذَلِك يجوز فِي الموصوفات كَمَا تَقول: حل الْمُتَمَتّع فالقارن فالمفرد.

وَهَذَا الْبَيْت أول أَبْيَات ثَلَاثَة لِابْنِ زيابة مَذْكُورَة فِي الحماسة وَبعده:

والله لَو لاقيته خَالِيالآب سيفانا مَعَ الْغَالِب
أَنا ابْن زيّابة إِن تدعنيآتِك والظّنّ على الْكَاذِب

قَالَ الْجَوْهَرِي: يَا لهف فلَان: كلمة يتحسر بهَا على مَا فَاتَ. ولهف: منادى مُضَاف أَي: يَا لهف احضر.)

وزيابة بِفَتْح الزَّاي الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة وَبعد الْألف بَاء مُوَحدَة: اسْم أم الشَّاعِر.

وَمثل هَذَا الْبَيْت فِي تلهيف الْأُم والتحسر على الْفَائِت قَول النَّابِغَة الذبياني:

يَا لهف أمّي بعد أسرة جعولأَن لَا ألاقيهم ورهط عرار
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «من مبلغ عمرو بن هند آية»

وَزعم ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي أَن زيابة أَبُو الشَّاعِر وَلم أره لغيره. وَقَالَ: أَرَادَ يَا لهف أبي على الْحَارِث أَن لَا أكون لَقيته فَقتلته. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُرِيد يَا لهف نَفسِي.

وَفِيه أَنه يَصح أَن يكون اللهف من أمه وَأَبِيهِ فَلَا حَاجَة إِلَى إِقَامَة غَيره مقَام نَفسه.

وَاللَّام فِي لِلْحَارِثِ للتَّعْلِيل أَي: يَا لهف أُمِّي من أجل الْحَارِث بن همام الشَّيْبَانِيّ. وَجعلهَا ابْن هِشَام بِمَعْنى على.

قَالَ أَمِين الدَّين الطبرسي فِي شرح الحماسة: يجوز أَن يكون أورد هَذَا الْكَلَام على الْحَقِيقَة فلهف لما رأى من نجاحه فِي غَزَوَاته وسلامته فِي مآبه. وَيجوز أَن يكون أوردهُ على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء فوصفه بِهَذِهِ الصِّفَات وَالْأَمر بِخِلَافِهِ.

وَالْأَشْهر أَن يُوصف الرجل بِمَا هُوَ متصف بضده تهكماً بِهِ وسخرية. وَهَذَا من أَشد سباب الْعَرَب يَقُول الرجل لغيره: يَا عَاقل أَو يَا حَلِيم إِذا استجهله. وَنَحْوه

قَوْله تَعَالَى: ذقْ إنَّكَ أنتَ العزيزُ الْكَرِيم. انْتهى.

وَحمل أَبُو عبيد النمري فِي شرح الحماسة هَذَا الْكَلَام على ظَاهره فَقَالَ: يَقُول: يصبح أعداءه بالغارة فيغنم ويؤوب فوصفه بِالْفَتْكِ وَالظفر وَحسن الْعَاقِبَة. وَهَذَا بَين وَاضح.

ورد عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي الْأسود فَقَالَ: هَذَا مَوضِع الْمثل: أَخْطَأت استك الحفرة كَيفَ يذكرهُ بِالْفَتْكِ وَالظفر وَهُوَ أعدى عَدو لَهُ وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه لهف أمه وَهِي زيابة أَن لَا يلْحقهُ فِي بعض غاراته فيقتله أَو يأسره. انْتهى.

وَمِنْه تعلم أَن قَول ابْن هِشَام: يَا لهف أبي عَليّ الْحَارِث إِذْ صبح قومِي بالغارة غير جيد من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: تَفْسِير زيابة بِالْأَبِ وَالثَّانِي: تَقْيِيد صبح بقوله قومِي.

وَقد ذهب إِلَيْهِ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي فَقَالَ: تأسف أَن صبحهمْ فغنم وآب سالما. والصابح: الَّذِي يصبح الْقَوْم بالغارة.

والْحَارث هَذَا هُوَ الْحَارِث بن همام بن مرّة بن ذهل بن شَيبَان. وَإِنَّمَا قَالَ ابْن زيابة فِيهِ هَذَا الشّعْر جَوَابا عَن شعر لَهُ فِيهِ. وَهَذَا شعر الْحَارِث بن همام: السَّرِيع)

أيا ابْن زيّابة إِن تلقنيلَا تلقني فِي النّعم العازب

العازب: الْبعيد. يُرِيد: إِنَّك لَا تراني راعي إبل. وَالْمعْنَى: إِنَّمَا صَاحب فرس ورمح أغير على الْأَعْدَاء وأحارب من يَبْتَغِي حَرْبِيّ. ويشتد: من

الشد وَهُوَ الْعَدو. والأجرد: الْفرس الْقصير الشّعْر: وَالْبركَة بِكَسْر الْمُوَحدَة: الصَّدْر أَي: مُتَقَدم مشرفه. كالراكب أَي: إشرافه إشراف الرَّاكِب لَا المركوب. وأيا: حرف نِدَاء وَابْن زيابة: منادى.

وَقَوله: وَالله لَو لاقيته خَالِيا الخ يَقُول: لَو لاقيته لقتلته أَو قتلني وَرجع السيفان مَعَ الْغَالِب. وَفِي هَذَا الْكَلَام وصف لنَفسِهِ بالشجاعة وَقلة مبالاته بِالْمَوْتِ وإنصاف للمحارب.

وَقَوله: إِن تدعني الخ هَذَا يحْتَمل وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنَّك إِن دعوتني علمت حَقِيقَة مَا أَقُول فادعني واخلص من الظَّن لِأَنَّك لَا تظن بِي الْعَجز عَن لقائك. وَالظَّن من شَأْن الْكَاذِب مثل مَا يُقَال: الْقيام بِهَذَا الْأَمر على فلَان أَي: هُوَ الَّذِي يَقع بِهِ.

وَالْآخر: أَن يكون معنى قَوْله وَالظَّن على الْكَاذِب أَي: يكون عوناً عَلَيْهِ مَعَ الْأَعْدَاء كَمَا تَقول: رَأْيك عَلَيْك أَي: إِنَّك تسيئه فَيكون كالمتظاهر عَلَيْك. هَذَا كَلَام الْخَطِيب التبريزي.

وَقَالَ الطبرسي: قَوْله وَالظَّن على الْكَاذِب جرى مجْرى الْأَمْثَال وَمَعْنَاهُ قَول لبيد:

واكذب النّفس إِذا حدّثتهاإنّ صدق النّفس يزري بالأمل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

وَالْمعْنَى كل منا يحدث صَاحبه بكذبها ثمَّ الظَّن على من لَا يتَحَقَّق أَصله. وَيجوز أَن يُرِيد: أَنا الْمَشْهُور الْمَعْرُوف إِن تدعني لمبارزتك أَجَبْتُك فَإِن كنت تظن غير هَذَا فظنك عَلَيْك لِأَنَّك تكذب نَفسك فِيمَا تتوهمه من قعودي عَنْك ونكولي عَن الْإِقْدَام عَلَيْك.

وَيجوز أَن يُرِيد: إِن ظَنَنْت أَن تكون الْغَالِب فظنك عَلَيْك لِأَنَّك تكذب نَفسك.

وَابْن زيابة شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَاخْتلف فِي اسْمه فَقَالَ أَبُو رياش

فِي شرح الحماسة: هُوَ عَمْرو بن لأي أحد بني تيم اللات بن ثَعْلَبَة وَهُوَ فَارس مجلز.

وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي والمرزباني: اسْمه سَلمَة بن ذهل.

وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي شرح أمالي القالي اسْمه عَمْرو بن الْحَارِث بن همام أحد بني تيم اللات بن ثَعْلَبَة.

وزيابة اسْم مرتجل للْعلم قَالَ ابْن جني فِي الْمُبْهِج: هُوَ فعالة أَو فيعالة أَو فوعالة من لفظ)

الأزيب وَهُوَ النشاط. انْتهى.

قَالَ صَاحب الصِّحَاح عَن ابْن السّكيت: الأزيب على أفعل: النشاط وَيُؤَنث يُقَال: مر فلَان وَله أزيب مُنكرَة إِذا مر مرا سَرِيعا من النشاط. والأزيب: الدعني. والأزيب: الْعَدَاوَة.

والأزيب: النكباء الَّتِي تجْرِي بَين الصِّبَا والجنوب. وَقَالَ أَبُو زيد: أَخَذَنِي من فلَان الأزيب وَهُوَ وَأَخْطَأ مُحَمَّد بن دَاوُد الْجراح فِي ضَبطه ابْن زيابة بباءين موحدتين خفيفتين قَالَ: وَهِي فَأْرَة صماء يشبه بهَا الْجَاهِل.

قَالَ ابْن حلزة:

وهم زبابٌ حائرلَا تسمع الآذان رعدا
للشاعر الحارث بن حلزة، من قصيدة «ولو ان ما يأوي إليي»

وشعره يرد عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيم على مَا قَالَ. نَقله عَنهُ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ.

واللأي بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْهمزَة بِمَعْنى البطء. وتيم بِمَعْنى عبد. وَاللات صنم. ومجلز بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْجِيم وَفتح اللَّام وَآخره زَاي مُعْجمَة: اسْم فرسه وَهُوَ من الجلز وَهُوَ الفتل الشَّديد.

وَلابْن زيابة شعر جيد أورد مِنْهُ الْمبرد فِي الْكَامِل هَذِه الأبيات وَأَبُو تَمام فِي الحماسة:

مَا لددٍ مَا لددٍ مَالهيبكي وَقد أَنْعَمت مَا باله
مَالِي أرَاهُ مطرقاً سامياًذَا سنةٍ يوعد أَخْوَاله
وَذَاكَ مِنْهُ خلقٌ عادةٌأَن يفعل الْأَمر الَّذِي قَالَه
إنّ ابْن بَيْضَاء وَترك النّدىكَالْعَبْدِ إِذْ قيّد أجماله
آلَيْت لَا أدفن قَتْلَاكُمْفدخّنوا الْمَرْء وسرباله
والرّمح لَا أملأ كفّي بِهِواللّبد لَا أتبع تزواله

قَالَ المبردك قَوْله مَا لدد يَعْنِي رجلا. ودد فِي الأَصْل هُوَ اللَّهْو قَالَ رَسُول الله ﷺ َ: لست من دَد وَلَا دَد مني وَقد يكون فِي غير هَذَا الْموضع مأخوذاً من الْعَادة. وَقَوله: أَنْعَمت مَا باله. مَا زَائِدَة والبال هُنَا: الْحَال.

وَقَوله: مطرقاً سامياً السَّامِي: الرافع رَأسه يُقَال: سما يسمو إِذا ارْتَفع. والمطرق: السَّاكِت المفكر المنكس رَأسه فَإِنَّمَا أَرَادَ سامياً بِنَفسِهِ.

وَقَوله: ذَا سنّ يَقُول: كَأَنَّهُ لطول إطراقه فِي نعسة. انْتهى.)

قَالَ ابْن السَّيِّد فِيمَا كتبه على الْكَامِل حكى الزجاجي أَن المطرق من هُوَ بذيء فِي أَفعاله وَيطْلب معالي الْأُمُور. وَقَالَ غَيره: المطرق الخامل الذّكر أَي: هُوَ خامل فِي الْحَقِيقَة وَهُوَ يتكبر فِي نَفسه.

وَقَوله: ذَا سنة يُرِيد أَن وعيده لَا حَقِيقَة لَهُ فَكَأَنَّهُ يرَاهُ فِي النّوم. انْتهى كَلَام ابْن السَّيِّد.

وروى أَبُو تَمام المصراع الأول:

(نبئت عمرا غارزاً رَأسه... ذَا سنة........... الخ)

قَالَ الْخَطِيب التبريزي: نبئ وأنبأ مُتَعَدٍّ إِلَى ثَلَاثَة مفاعيل أَولهَا نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ تَاء الْمُتَكَلّم وَرَأسه مَنْصُوب بغارزاً بِمَعْنى مدخلًا رَأسه وَمِنْه الغرز بالإبرة. وغرز الرَّأْس: كِنَايَة عَن الْجَهْل والذهاب عَمَّا عَلَيْهِ وَله من التحفظ. وَالسّنة بِالْكَسْرِ: النعاس.

يَقُول: كَأَنَّهُ وَسنَان قد تغير عقله فَهُوَ يوعد من لَا يحب أَن يوعده وَجُمْلَة يوعد: حَال.

وروى: فِي سنة بِفَتْح السِّين أَي: فِي جَدب وقحط. وَقَوله: وَذَاكَ مِنْهُ خلق عَادَة روى بدله أَبُو تَمام: وَتلك مِنْهُ غير مَأْمُونَة.

قَالَ الْخَطِيب: أَي: تِلْكَ الْخصْلَة لَا يُؤمن وُقُوعهَا من عَمْرو وَهُوَ فعله لما يَقُوله. وَهَذَا تهكم.

وَأَن يفعل مَوْضِعه رفع على الْبَدَل من قَوْله: وَتلك مِنْهُ.

وَقَوله: كَالْعَبْدِ إِذْ قيد أجماله قَالَ الْمبرد: يُرِيد غير أَنه مكترث لِاكْتِسَابِ الْمجد وَالْفضل وَذَلِكَ أَن العَبْد الرَّاعِي إِذا قيد أجماله لف رَأسه ونام نَاحيَة.

وَهَذَا شبية بقوله: واقعد فإنّك أَنْت الطّاعم الكاسي وَهَذَا الْبَيْت سَاقِط فِي رِوَايَة أبي تَمام. قَالَ الْخَطِيب: قَالَ النمري: وفيهَا: إنّك يَا عَمْرو وَترك العدى قَالَ ابْن السّكيت: يَقُول: أَنْت كَالْعَبْدِ اقْتصر على مَوضِع يرْعَى فِيهِ وَلَا يعزب بإبله. وَعِنْدِي أَنه يَقُول: وبخلك وحبسك مَالك كَالْعَبْدِ قيد أجماله فَلَا يبرحه مِنْهَا بعير. وَكَذَلِكَ أَنْت قيدت مَالك فَلَا يبرحك مِنْهُ شَيْء. قَالَ أَبُو مُحَمَّد الْأَعرَابِي: هَذَا مَوضِع الْمثل:

فَلَا يدْرِي نضيرٌ من دحاهاوَمن هُوَ سَاكن الْعَرْش الرّفيع

أخبرنَا أَبُو الندى قَالَ: هَذَا الْبَيْت من المختل الْقَدِيم وَالصَّوَاب:)

إنّي وحوّاء وَترك النّدىكَالْعَبْدِ إِذْ قيّد أجماله

قَالَ: حَوَّاء فرسه. وَمَعْنَاهُ إِنِّي مَتى أترك الْغَزْو على ظهر حَوَّاء واغتنام

الْأَمْوَال وتفريقها على الزائرين والسائلين لم يبْق لي هم لِأَن أَكثر همي فِي ذَلِك وَكنت مثل العَبْد إِذا شبعت إبِله فأراحها وقيدها فِي مراحها لم يبْق لَهُ هم حِينَئِذٍ. يَقُول: همي فِي الْغَزْو واغتنام الْأَمْوَال وبذلها. انْتهى.

وَقَوله: فدخنوا الْمَرْء وسرباله. قَالَ الْمبرد: يروي أَنه طعن فَارِسًا مِنْهُم فأحدث فَقَالَ: نظفوه فَإِنِّي لَا أدفن الْقَتِيل مِنْكُم إِلَّا طَاهِرا.

وَقَوله: والدرع لَا أبغي بهَا نثرة قَالَ الْمبرد: النثرة: الدرْع السابغة. يَقُول: دِرْعِي هَذِه تكفيني.

وَقَوله: كل امْرِئ مستودع مَاله قَالَ الْمبرد: أَي: مسترهن بأجله وَهُوَ كَقَوْل الْأَعْشَى:

كنت المقدّم غير لابس جنّةٍبالسّيف تضرب معلما أبطالها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

انْتهى.

وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْوَلِيد فِيمَا كتبه على الْكَامِل: لَيْسَ هَذَا بِالْمَعْنَى لِأَن الاستيداع غير الاسترهان وَالْمَال غير الْأَجَل وَإِنَّمَا الْمَعْنى مَال الْإِنْسَان وَدِيعَة مرتجعة وعارية مُؤَدَّاة كَمَا قَالَ لبيد:

وَمَا المَال والأهلون إلاّ وَدِيعَةوَلَا بدّ يَوْمًا أَن ترد الودائع
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «بلينا وما تبلى النجوم الطوالع»

ويروى: والدّرع لَا أبغي بهَا ثروةً

وَهَذَا الرِّوَايَة تدل على معنى بَيت لبيد وَلَا يجوز مَعهَا تَأْوِيل الْمبرد. انْتهى.

وَهَذِه رِوَايَة شرَّاح الحماسة. قَالَ الْخَطِيب: أَي: دِرْعِي مَالِي الَّذِي أدخره. وَهَذَا كَقَوْل الآخر:

وَمَالِي مَال غير درعٍ حصينةٍوأبيض من مَاء الْحَدِيد صقيل

وَيحْتَمل أَنه لَا يَبِيعهَا فَيَأْخُذ الْعِوَض عَنْهَا فيثرى بِهِ.

وَقَوله: كل امْرِئ الخ يُرِيد احتفاظه بالدرع وَأَن كل إِنْسَان يحفظ مَاله فَهُوَ عِنْده كَالْوَدِيعَةِ الَّتِي قد لزم حفظهَا. وَيحْتَمل أَن يُرِيد تَعْزِيَة نَفسه إِذْ لَا مَال لَهُ فَيَقُول: كل امْرِئ مستودع مَاله أَي: أَنه سيسترد مِنْهُ كَمَا تسترد الْوَدِيعَة. وَيجوز أَن تكون مَا بِمَعْنى الَّذِي فَيكون الْمَعْنى كل امْرِئ وَلَا يمْتَنع أَن يكون أَشَارَ بِمَا إِلَى مَا يقتنى من أَعْرَاض الدُّنْيَا. ويروى: مستودع بِكَسْر الدَّال)

وَالْمعْنَى أَن مَا يجمعه الْمَرْء ويكسبه إِذا جَاءَ محتوم الْقَضَاء يتْركهُ لغيره لَا محَالة فَلم أَرغب فِيهِ وأزهد فِي اكْتِسَاب المحامد.

ويروى: والدرع لَا أبغي بهَا نثرة وَهِي الواسعة. وَالْمعْنَى إِنِّي أكتفي من الدرْع بِبدنِهِ. انْتهى كَلَام الْخَطِيب.

وَقَوله: وَالرمْح لَا أملأ كفّي بِهِ قَالَ الْمبرد: يتَأَوَّل على وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن الرمْح لَا يمْلَأ كفي وَحده أَنا أقَاتل بِالرُّمْحِ وبالسيف وبالقوس وَغير ذَلِك. وَالْقَوْل الآخر: إِنِّي لَا أملأ بِهِ كفي إِنَّمَا أختلس بِهِ اختلاساً كَمَا قَالَ:

ومدجّج سبقت يداي لَهُتَحت الْغُبَار بطعنةٍ خلس

وَقَوله: واللّبد لَا أتبع تزواله يَقُول: إِن انحل الحزام فَمَال اللبد لم أمل مَعَه أَي: إِنِّي فَارس ثَابت على ظُهُور الْخَيل. انْتهى.

وأوضح مِنْهُ قَوْله الطبرسي: يجوز أَن يكون الْمَعْنى أَي: لَا أقتصر من تعَاطِي أَنْوَاع السِّلَاح على الرمْح فَقَط وَلَكِنِّي أجمع فِي الِاسْتِعْمَال بَينهَا وَهَذَا كَمَا يُقَال: مَلأ كَفه من كَذَا فَلَيْسَ فِيهِ مَوضِع لغيره. وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى إِنِّي أسْتَعْمل رُمْحِي بأطراف أَصَابِع الْيَد لحذقي واقتداري وَلَا آخذه بِجَمِيعِ كفي.

وَقَوله: واللبد لَا أتبع الخ يُرِيد: ألزم دَابَّتي فَإِن مَال اللبد لم أمل مَعَه. يصف نَفسه بالفروسية ويعرض بِأَن أضداد هَذِه الْأَوْصَاف مجتمعة فِي خَصمه.

وَأنْشد بعده

في هذا الباب

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»