تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد التَّاسِع وَالثَّمَانُونَ بعد الأربعمائة

فيه ٢٦ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَهُوَ من شَوَاهِد س:...

كم يجود مقرفٍ نَالَ الْعلَاوكريمٍ بخله قد وَضعه

على أَن يُونُس يُجِيز فِي الِاخْتِيَار الْفَصْل بَين كم الخبرية وَبَين مميزها المتضايفين بالظرف كَمَا فِي الْبَيْت. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يجوز أَن تجر يَعْنِي: كم وَبَينهَا وَبَين الِاسْم حاجز فَتَقول: كم فِيهَا رجلٍ. فَإِن قَالَ قَائِل: أضمر من بعد فِيهَا قيل لَهُ: لَيْسَ فِي كل مَوضِع يضمر الْجَار. وَقد يجوز على قَول الشَّاعِر:

كم بجودٍ مقرفٍ نَالَ الْعلَاوكريمٍ بخله قد وَضعه
للشاعر أنس بن زنيم الطائي، اقرأ القصيدة

الْجَرّ وَالرَّفْع وَالنّصب على مَا فسرنا. انْتهى. قَالَ الأعلم: فالرفع على أَن تجْعَل كم ظرفا وَيكون لتكثير المرار وترفع مقرف بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بعده خبر وَالتَّقْدِير: كم مرةٍ مقرفٌ نَالَ الْعلَا. وَالنّصب على التَّمْيِيز لقبح الْفَصْل بَينه وَبَين كم فِي الْجَرّ.

وَأما الْجَرّ فعلى أَنه أجَاز الْفَصْل بَين كم وَمَا عملت فِيهِ بالظرف ضَرُورَة. وَمَوْضِع كم فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ وَالتَّقْدِير: كثيرٌ من المقرفين نَالَ الْعلَا بجودٍ. والمقرف: النذل اللَّئِيم الْأَب. يَقُول: قد يرْتَفع اللَّئِيم بجوده ويتضع الرفيع الْكَرِيم الْأَب ببخله. انْتهى. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مسَائِل الْخلاف: ذهب الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنه إِذا فصل بَين كم الخبرية وَبَين الِاسْم بظرف كَانَ مخفوضاً بِالنَّقْلِ وَالْقِيَاس. أما بِالنَّقْلِ فَقَوله: كم بجود مقرفٍ نَالَ الْعلَا وَقَالَ الآخر: كم من بني بكر بن سعدٍ سيدٍ وَأما الْقيَاس فَلِأَن خفض الِاسْم بِتَقْدِير من نَحْو: كم رجل أكرمت بِدَلِيل أَن الْمَعْنى يَقْتَضِيهِ فتقدر من فِي الْفَصْل كَمَا تقدر فِي الِاتِّصَال. وَلَا يجوز أَن تكون بِمَنْزِلَة عددٍ ينصب كثلاثين وَلَو كَانَت بِمَنْزِلَتِهِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يجوز الْفَصْل بَينهمَا. وَذهب البصريون إِلَى أَنه لَا يجوز فِيهِ الْجَرّ)

وَيجب نَصبه لِأَن كم هِيَ العاملة للجر لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة عدد مُضَاف فَإِذا فصل بظرفٍ بطلت

كم نالني مِنْهُم فضلا على عدمٍ وَالتَّقْدِير: كم فضل فَلَمَّا فصل نصب. وَإِنَّمَا عدل إِلَى النصب لِأَن كم بِمَنْزِلَة عدد ينصب مَا بعده. وَلم يمْتَنع النصب بِالْفَصْلِ لِأَن لَهُ نظيراً. وَأما قَوْله: بجود مقرف فَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة مقرفٌ بِالرَّفْع أَو أَن الْجَرّ شاذٌّ وَهَذَا هُوَ الْجَواب عَن الْبَيْت الثَّانِي. وَقَوْلهمْ: إِن من مقدرَة قُلْنَا: إِن كم عِنْد الْمُحَقِّقين من أصحابكم بِمَنْزِلَة رب يخْفض الِاسْم بهَا كرب وَلِأَن حذف حرف الْجَرّ لَهُ مَوَاضِع مَخْصُوصَة وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا.

وَقَوْلهمْ: إِنَّهَا لَو كَانَت بِمَنْزِلَة عدد ينصب مَا بعده كثلاثين لَكَانَ يَنْبَغِي أَن لَا يجوز الْفَصْل. قُلْنَا: إِنَّمَا جَازَ فِيهَا جَوَازًا حسنا دون نَحْو ثَلَاثِينَ لِأَن كم منعت من بعض مَا لثلاثين من التَّصَرُّف فَجعل هَذَا عوضا مِمَّا منعته. أَلا ترى أَن ثَلَاثِينَ تكون فاعلة لفظا وَمعنى ومفعولة فَلَمَّا منعت كم من هَذَا جعل لَهَا ضربٌ من التَّصَرُّف ليَقَع التعادل. على أَنه جَاءَ الْفَصْل بَين ثَلَاثِينَ ومميزها فِي الشّعْر كَقَوْلِه:

على أنني بعد مَا قد مضىثَلَاثُونَ للهجر حولا كميلا
للشاعر العباس بن مرداس، من قصيدة «على أنني بعد ما قد مضى»

انْتهى. وَقَوله: بجود مُتَعَلق بنال وَالْبَاء سَبَبِيَّة وَكم على هَذَا الْوَجْه مُبْتَدأ وَهِي خبرية ونال الْعلَا الْخَبَر. وَمن روى بِنصب مقرف فَهِيَ أَيْضا خبرية.

قَالَ أَبُو عَليّ: وَقد تجْعَل كم فِي الْخَبَر بِمَنْزِلَة عشْرين فينصب مَا بعْدهَا ويختار ذَلِك إِذا وَقع الْفَصْل بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ.

فَتكون كم أَيْضا مُبْتَدأ ونال الْعلَا الْخَبَر وَنصب مقرف على التَّمْيِيز. وَمن روى بِرَفْع مقرف فَهِيَ أَيْضا خبرية وموضعها نصب بِأَنَّهَا ظرف وَالْعَامِل فِيهَا نَالَ ومقرف: مُبْتَدأ ونال الْعلَا خَبره. وَإِنَّمَا لم تكن كم فِي الْخَبَر لِأَنَّهَا هُنَا ظرف زمَان.

وَقَوله: وكريم بِالْجَرِّ عطف على مقرف على رِوَايَة الْجَرّ وَجُمْلَة بخله قد وَضعه من الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر خبر لكم الْمقدرَة. وَالْبَيْت من أَبْيَات نَسَبهَا صَاحب الأغاني لأنس بن زنيم قَالَهَا لِعبيد الله بن زِيَاد بن سميَّة. كَذَا قَالَ صَاحب الأغاني وشراح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وشراح الْجمل وَهِي:

سل أَمِيري مَا الَّذِي غَيرهعَن وصالي الْيَوْم حَتَّى ودعه
للشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري، اقرأ القصيدة
لَا تهني بعد إكرامك ليفشديدٌ عَادَة منتزعه
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «ليت شعري عن خليلي ما الذي»
لَا يكن وَعدك برقاً خلباًإِن خير الْبَرْق مَا الْغَيْث مَعَه
للشاعر أنس بن زنيم الطائي، اقرأ القصيدة
كم بجودٍ مقرفٍ نَالَ الْعلَاوشريفٍ بخله قد وَضعه
للشاعر أنس بن زنيم الطائي، اقرأ القصيدة

)

وَقَوله: سل أَمِيري إِلَخ أنْشدهُ الشَّارِح الْمُحَقق فِي شرح الشافية على أَن يدع سمع ماضيه ودع كَمَا فِي الْبَيْت.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: استغنوا عَن وذر وودع بقَوْلهمْ: ترك. وَقد جَاءَ ودع على جِهَة الشذوذ قرئَ فِي الشواذ: مَا وَدعك وَكَقَوْلِه: حَتَّى ودعه. قَالَ سُوَيْد بن أبي كَاهِل:...

فسعى مسعاته فِي قومهثمَّ لم يدْرك وَلَا عَجزا ودع
فَكَانَ مَا قدمُوا لأَنْفُسِهِمْأَكثر نفعا من الَّذِي ودعوا

وَقد جَاءَ وادع أَيْضا فِي الشّعْر انشده أَبُو عَليّ فِي البصريات وَهُوَ:

فَأَيّهمَا مَا اتبعن فإننيحزينٌ على ترك الَّذِي أَنا وادع
للشاعر قَيسِ بنِ الحَدّادِيَّة، اقرأ القصيدة

وَقد جَاءَ الْمصدر أَيْضا فِي الحَدِيث وَهُوَ قَوْله ﷺ َ: لينتهين أقوامٌ عَن ودعهم الْجُمُعَات أَو ليختمن الله على قُلُوبهم. وَقد جَاءَ اسْم الْمَفْعُول أَيْضا. قَالَ خفاف بن ندبة:

إِذا مَا استحمت أرضه من سمائهجرى وَهُوَ مودوعٌ وواعد مُصدق
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «ألا طرقت أسماء في غير مطرق»

قَالَ الصغاني: أَي: مَتْرُوك لَا يضْرب وَلَا يزْجر. وَقَول ابْن بري إِن مودوعاً هُنَا من الدعة الَّتِي هِيَ السّكُون لَا من التّرْك يرد عَلَيْهِ أَن ودع بِمَعْنى سكن غير متعدٍّ يُقَال: ودع فِي بَيته.

وَقَوله: لَا تهني هُوَ من الإهانة. والخلب من الْبَرْق: الَّذِي لَا مطر مَعَه وَلَا ينْتَفع بسحابه. وتضرب بِهِ الْعَرَب الْمثل لمن أخلف وعده. قَالَ أعشى هَمدَان:...

لَا يكن وَعدك برقاً خلباًكَاذِبًا يلمع فِي عرض الْغَمَام

الأبيات. وَنسب صَاحب الحماسة البصرية هَذِه البيات فِي بَاب الْوَصْف لعبد الله بن كريز.

وَزَاد بعد الْبَيْت الثَّانِي:

وَاذْكُر الْبلوى الَّتِي أبليتنيومقالاً قلته فِي المجمعه

وَرويت أَيْضا لأبي الْأسود الدؤَلِي. وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال. وَأنس بن زنيم شَاعِر صَحَابِيّ مُضَاف إِلَى جده. قَالَ الْآمِدِيّ: هُوَ أنس ابْن أبي أنَاس الْكِنَانِي بن زنيم بن محمية بن عبد بن عدي بن الديل بن بكر ابْن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة. وَهُوَ شاعرٌ مَشْهُور حاذق وَهُوَ الْقَائِل:

وعوراء من قيل امْرِئ قد رَددتهَابسالمة الْعَينَيْنِ طالبةٍ عذرا
وَلَو أَنه إِذْ قَالَهَا قلت مثلهَاأَو اكثر مِنْهَا أورثت بَيْننَا غمرا
للشاعر أنس بن زنيم الطائي، اقرأ القصيدة
فَأَعْرَضت عَنهُ وانتظرت بِهِ غَدالَعَلَّ غَدا يُبْدِي لمؤتمرٍ أمرا
للشاعر أنس بن زنيم الطائي، اقرأ القصيدة
لأنزع ضيماً ثاوياً فِي فُؤَادهوأقلم أظفاراً أَطَالَ بهَا الْحفر
للشاعر أنس بن زنيم الطائي، اقرأ القصيدة

)

وَقَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: ذكر ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي أَن عَمْرو بن سَالم الْخُزَاعِيّ خرج فِي أَرْبَعِينَ رَاكِبًا يستنصرون رَسُول الله ﷺ َ على قُرَيْش فأنشده: لَا هم إِنِّي ناشدٌ مُحَمَّدًا عهد أَبينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا الأبيات. ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله إِن أنس بن زنيم هجاك فَهدر رَسُول الله ﷺ َ دَمه فَبَلغهُ ذَلِك فَقدم عَلَيْهِ ﷺ َ معتذراً وأنشده أبياتاً مدحه بهَا وَكَلمه فِيهِ نَوْفَل بن مُعَاوِيَة الدؤَلِي فَعَفَا عَنهُ. وَمن تِلْكَ الأبيات:

فَلَمَّا حملت من ناقةٍ فَوق رَحلهَاأبر وأوفى ذمَّة من مُحَمَّد

قَالَ دعبل بن عَليّ فِي طَبَقَات الشُّعَرَاء: هَذَا أصدق بيتٍ قالته الْعَرَب. ولأنس مَعَ عبد الله بن زِيَاد أَمِير الْعرَاق أخبارٌ أوردهَا الْأَصْفَهَانِي صَاحب الأغاني فِي تَرْجَمَة حَارِثَة بن بدر الغداني فَإِنَّهُ كَانَ بَينهمَا أهاجٍ بعد تصافٍ.

وروى أَن أنسا لما رأى من عبيد الله بن زِيَاد جفوة وأثرى لحارثة بن بدر قَالَ:

أهان وأقسى ثمَّ تنتصحوننيوَمن ذَا الَّذِي يُعْطي نصيحته قسرا
رَأَيْت أكف المصلتين عَلَيْكُمملاءاً وكفي من عطائكم صفرا
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
مَتى تَسْأَلُونِي مَا عَليّ وتمنعواالَّذِي لي لَا أسطع على ذَلِكُم صبرا
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
وَإِنِّي صرفت النَّاس عَمَّا يريبكموَلَو شِئْت قد أغليت فِي حربكم قدرا
وَإِنِّي مَعَ السَّاعِي عَلَيْكُم بِسَيْفِهِإِذا عظمكم يَوْمًا رَأَيْت بِهِ كسرا
للشاعر أنس بن زنيم الطائي، اقرأ القصيدة

فَقَالَ عبيد الله لحارثة: أجبه. فاستعفاه لمودةٍ كَانَت بَينهمَا فأكرهه على ذَلِك وَأقسم عَلَيْهِ فَقَالَ:

تبدلت من أنسٍ إِنَّهكذوب الْمَوَدَّة خوانها
للشاعر حارثة بن بدر الغداني، اقرأ القصيدة
أرَاهُ بَصيرًا بِعَيْب الْخَلِيلوَشر الأخلاء عورانها

فَأجَاب أنس:...

بصرت بِهِ فِي قديم الزَّمَانكَمَا بصر الْعين إنسانها
للشاعر أنس بن زنيم الطائي، اقرأ القصيدة

ودام الشَّرّ بَينهمَا زَمَانا طَويلا. وَذكر مَا جرى بَينهمَا وَشعر كل واحدٍ فِي الآخر بإغراء عبيد الله بن زِيَاد. وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»