من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وحاتم الطَّائِي وهاب المئي على أَن أَصله عِنْد الْأَخْفَش: المئين فحذفت النُّون لضَرُورَة الشّعْر.
وَهَذَا الْبَيْت من رجز أوردهُ أَبُو زيد فِي نوادره فِي موضِعين: الْموضع الأول قَالَ فِيهِ: هُوَ لامْرَأَة من بني عَامر.
والموضع الثَّانِي قَالَ فِيهِ: هُوَ لامْرَأَة من بني عقيل تَفْخَر بأخوالها من الْيمن وَهُوَ:
حيدة خَالِي ولقيطٌ وَعليوحاتم الطَّائِي وهاب المئي
وَلم يكن كخالك العَبْد الدعييَأْكُل أزمان الهزال والسني
هَنَات عيرٍ ميت غير ذكي قَوْلهَا: هَنَات عيرٍ ميت تَعْنِي ذكر العير فَكنت عَنهُ لِأَنَّهَا امْرَأَة. انْتهى.
وَقَالَ فِي الْموضع الأول: حذف التَّنْوِين من حَاتِم الطَّائِي لالتقاء الساكنين. وَقَالَ أَبُو عَليّ فِيمَا كتبه فَأَما المئي والسني فَإِنَّهَا جمعٌ على فعول ثمَّ قلبت الواوات ياءات فَصَارَ مئي وسنيٌّ ثمَّ خفف بِأَن حذف إِحْدَى الياءين كَمَا فعل فِي عَليّ والدعي فَبَقيَ المئي والسني. انْتهى.
وَقَالَ أَبُو بكر بن السراج فِي الْأُصُول: ذكر الْأَخْفَش سِنِين ومئين فَقَالَ: فيهمَا قَولَانِ. ثمَّ اخْتَار أَحدهمَا وَهُوَ الصَّحِيح عندنَا فَقَالَ: وَأما سِنِين ومئين فِي قَول من رفع النُّون فَهُوَ فعيل وَلَكِن كسر الْفَاء ككسرة مَا بعْدهَا وَأَجْمعُوا كلهم على كسرهَا فَصَارَت النُّون فِي آخر سِنِين بَدَلا من الْوَاو لِأَن أَصْلهَا من الْوَاو.
وَفِي مئين النُّون بدل من الْيَاء لِأَن أَصْلهَا من الْيَاء كَأَنَّهَا كَانَت مئي وَقد قالوها فِي بعض الشّعْر سَاكِنة وَلَا أَرَاهُم أَرَادوا إِلَّا التثقيل ثمَّ اضطروا فخففوا لأَنهم لَو
أَرَادوا التَّخْفِيف لصار الِاسْم على فعل وَهَذَا بناءٌ قَلِيل.
قَالَ الشَّاعِر:
حيدة خَالِي ولقيطٌ وَعليوحاتم الطَّائِي وهاب المئي
وَأما قَوْلهم: ثَلَاث مئي فَإِنَّهُم أَرَادوا بمئي جمَاعَة الْمِائَة كتمرة وتمر تَقول فِيهِ: رَأَيْت مئياً مثل معياً.)
وَقَوْلهمْ: رَأَيْت مئاً مثل مَعًا خطأٌ لِأَن المئي إِنَّمَا جَاءَت فِي الشّعْر.
فَنَقُول: لَيْسَ لَك أَن تَدعِي أَن هَذِه الْيَاء للإطلاق وَأَنت لَا تَجِد مَا هُوَ على حرفين يكون جمَاعَة وَيكون وَاحِدَة بِالْهَاءِ نَحْو تَمْرَة وتمر. قَالَ أَبُو الْحسن: وَهُوَ مَذْهَب يُونُس يَعْنِي: بِالْيَاءِ.
قَالَ: وَالْقِيَاس الْجيد عندنَا أَن يكون سِنِين فعلينا مثل غسلين محذوفة وَيكون قَول الشَّاعِر: سني والمئي مرخماً.
فَإِن قلت: إِن فعلينا لم يجِئ فِي الْجمع وَقد جَاءَ فعيل نَحْو: كُلَيْب وَعبيد وَقد جَاءَ فِيهِ مَا لزمَه فعيل مكسور الْفَاء نَحْو: مئين فَإِن من الْجمع أَشْيَاء لم يجِئ مثلهَا إِلَّا بِغَيْر اطرد نَحْو: سفر وَقد جَاءَ مِنْهُ مَا لَيْسَ لَهُ نَظِير نَحْو: عدًى.
وَأَنت إِذا جعلت سنيناً فعيلاً جعلت النُّون بَدَلا وَالْبدل لَا يُقَاس عَلَيْهِ وَلَا يطرد وَمُخَالفَة الْجمع للْوَاحِد قد كثر فَأن تحمله على مَا لَا بدل فِيهِ أولى.
وَلَيْسَ يجوز أَن تَقول: إِن الْيَاء فِي سِنِين أَصْلِيَّة وَقد وَجدتهَا زَائِدَة فِي هَذَا الْبناء بِعَيْنِه لما قلت: فعلين وفعلون يَعْنِي: أَنَّك تَقول: سِنِين يَا هَذَا أَو سنُون.
ثمَّ قَالَ: قَوْله:
وحاتم الطَّائِي وهاب المئييَأْكُل أزمان الهزال والسني
فَهَذَا إِمَّا أَن يكون رخم سِنِين ومئين وَإِمَّا أَن يكون بنى سنة وَمِائَة على سني ومئي وَكَانَ أَصلهمَا سنو ومئو فَلَمَّا حذف النُّون ورخم بَقِي الِاسْم آخِره واوٌ قبلهَا ضمة فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَجعله اسْما كالأسماء الَّتِي لم يحذف مِنْهَا شَيْء قلب الْوَاو
يَاء وَكسر مَا قبلهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاء مَا آخِره واوٌ قبلهَا ضمة. فَمَتَى وَقع من هَذَا شيءٌ قلبت الْوَاو يَاء. اه.
وَقَوْلها: حيدة خَالِي مبتدأٌ وَخبر. وحيدة بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة. ولَقِيط بِفَتْح اللَّام مَعْطُوف على حيدة. وَكَذَا عليٌّ وحاتم فَيكون أخوالها أَرْبَعَة.
وروى هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَط الْأَخْفَش سعيد بن مسْعدَة فِي كتاب المعاياة لرجل من طَيئ وَذكر خَالِدا بدل حَاتِم.
وَقَوْلها: وَلم يكن كخالك إِلَخ الْكَاف مَفْتُوحَة لِأَنَّهَا خاطبت رجلا. والدي: غير خَالص النّسَب.
وَقَوْلها: يَأْكُل أزمان إِلَخ هَذَا بيانٌ لعدم المشابهة بَين خالها وَبَينه. وأزمان: ظرفٌ ليَأْكُل)
وَهُوَ جمع زمَان. والهزال بِالضَّمِّ: الضعْف من الْجُوع. والسّني: مرخم سِنِين جمع سنة بِمَعْنى الجدب والقحط. وهَنَات مفعول يَأْكُل مَنْصُوب بالكسرة جمع هنة مؤنث هنٍ وَهُوَ كِنَايَة عَمَّا يستقبح التَّصْرِيح باسمه وَهُوَ هُنَا أير الْحمار. والعير بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة: الْحمار الوحشي والأهلي أَيْضا وَالْأُنْثَى عيرة. وميت: وصف عير وَكَذَلِكَ غير ذكي. والذكي: الْمَذْبُوح خففت الْيَاء الضَّرُورَة.
وَقَالَ أَبُو الْحسن عليٌّ الْأَخْفَش فِيمَا كتبه على نَوَادِر أبي زيد: قَالَ أَبُو سعيد: وروى الرياشي مرّة أُخْرَى بدل الْبَيْت الْأَخير: هَنَات عير ميتةٍ غير ذكي
قَالَ أَبُو الْحسن: الأول أحب إِلَيّ وَهُوَ أَجود. أَبُو زيد هَنَات عير ميتٍ تَعْنِي ذكر العير فَكنت عَنهُ لِأَنَّهَا امْرَأَة. وَالْميتَة بِفَتْح الْمِيم يكون نعتاً للشَّيْء فَإِذا كسرت كَانَت الشَّيْء بِعَيْنِه.
قَالَ أَبُو الْحسن: الْميتَة تكون مصدرا كَقَوْلِك: الْقعدَة وَالركبَة وَمَا أشبههما وَتَكون نعتاً كَقَوْلِك: مَرَرْت بفرس ميتَة فتنعته بِالْمَصْدَرِ كَمَا تَقول: مَرَرْت بِرَجُل عدل ثمَّ يصير اسْما غَالِبا كأجدل وَمَا أشبهه فَتَقول: هَذَا ميتَة كَمَا تَقول: هَذَا أجدلٌ.
وَالْميتَة بِكَسْر الْمِيم: الْحَال الَّتِي يكون عَلَيْهَا الشَّيْء كَقَوْلِك: كريم الْميتَة وَحسن الصرعة.
وَالْكَسْر مطرد فِي الْحَالَات كلهَا كَمَا أَن الْفَتْح مطرد فِي الْمرة. هَذَا الْحق عِنْدِي الَّذِي لَا يجوز غَيره. انْتهى.
تَتِمَّة
إِنِّي لَدَى الْحَرْب رخي اللببعِنْد تناديهم بهال وهب
أمهتي خندف والياس أبيوحاتم الطَّائِي وهاب المئي
وَهَذَا لَا أصل لَهُ فَإِن الرجز عِنْده لقصي بن كلاب أحد أجداد النَّبِي ﷺ َ.
وَكَيف يكون حَاتِم الطَّائِي أَبَا لقصيٍّ مَعَ أَنه بعده بِمدَّة طَوِيلَة. وقافية الرجز أَيْضا تأباه وَلَيْسَ فِي هَذَا اشْتِبَاه.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع