تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الْخَامِس وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْخَمْسمِائَةِ

فيه ٢٠ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَهُوَ من شَوَاهِد س:

إِذا عَاشَ الْفَتى مِائَتَيْنِ عَامافقد ذهب اللذاذة والفتاء
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة

على أَنه قد يفرد مُمَيّز الْمِائَة وَينصب كَمَا فِي الْبَيْت.

وَأوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي موضِعين: الأول: فِي بَاب الصّفة المشبهة بالفاعل وَذكر أَسمَاء الْعدَد وعملها فِي الْأَسْمَاء الَّتِي تبينها بِالْجَرِّ وَالنّصب. حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله: فَإِذا بلغت العقد تركت التَّنْوِين وَالنُّون وأضفت وَجعلت الَّذِي إِلَّا أَنَّك تدخل فِيهِ الْألف وَاللَّام لِأَن الأول يكون بِهِ معرفَة وَلَا يكون الْمنون بِهِ معرفَة. وَذَلِكَ قَوْلك: مائَة دِرْهَم وَمِائَة الدِّرْهَم. وَكَذَلِكَ إِن ضاعفته فَقلت: مِائَتَا الدِّرْهَم وَمِائَتَا الدِّينَار وَكَذَلِكَ الَّذِي بعده وَاحِدًا كَانَ أَو مثنى. وَذَلِكَ قَوْلك: ألف دِرْهَم وألفا دِرْهَم. وَقد جَاءَ فِي الشّعْر بعض هَذَا منوناً.

قَالَ الرّبيع بن ضبع الْفَزارِيّ: إِذا عَاشَ الْفَتى مِائَتَيْنِ عَاما انْتهى.

والموضع الثَّانِي بَاب كم قَالَ فِيهِ: لِأَنَّهُ لَو جَازَ إِذا اضْطر شَاعِر فَقَالَ: ثَلَاثَة أثواباً كَانَ مَعْنَاهُ معنى ثَلَاثَة أَثوَاب قَالَ الشَّاعِر:

إِذا عَاشَ الْفَتى مِائَتَيْنِ عَاما انْتهى.

قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِيهِ إِثْبَات النُّون فِي مِائَتَيْنِ فِي ضَرُورَة وَنصب مَا بعْدهَا وَكَانَ الْوَجْه حذفهَا وخفض مَا بعْدهَا إِلَّا أَنَّهَا شبهت للضَّرُورَة بالعشرين. وَنَحْوهَا مِمَّا يثبت نونه وَينصب مَا بعده.

وروى: أودى بدل ذهب بِمَعْنى انْقَطع وَهلك. والفتاء: مصدر لفتى.

وروى: تسعين عَاما وَلَا ضَرُورَة فِيهِ على هَذَا. انْتهى.

وَرِوَايَة: تسعين لَا أصل لَهَا كَمَا يعلم مِمَّا ياي.

وَرُوِيَ: التخيل بدل اللذاذة. والتخيل: التكبر وَعجب الْمَرْء بِنَفسِهِ.)

وروى بدله: المسرة والْمُرُوءَة أَيْضا. والْفَتى: الشَّاب وَقد فتي بِالْكَسْرِ يُفْتى بِالْفَتْح فَتى فَهُوَ فتي السن بَين الفتاء. قَالَ الجواليقي: والفتاء مصدرٌ لفتي.

وَالْبَيْت آخر أَبْيَات سِتَّة للربيع بن ضبع الْفَزارِيّ وَهِي:

أَلا أبلغ بني بني ربيعٍفأنذال الْبَنِينَ لكم فدَاء
بِأَنِّي قد كَبرت ودق عظميفَلَا تشغلكم عني النِّسَاء
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة
فَإِن كنائني لِنسَاء صدقٍوَمَا ألى بني وَمَا أساؤوا
إِذا كَانَ الشتَاء فأدفئونيفَإِن الشَّيْخ يهدمه الشتَاء
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة
فَأَما حِين يذهب كل قرٍّفسربالٌ خفيفٌ أَو رِدَاء

إِذا عَاشَ الْفَتى مِائَتَيْنِ عَاما.............. الْبَيْت قَوْله: فأنذال الْبَنِينَ لكم فدَاء جملَة دعائية مُعْتَرضَة.

وَقَوله: بِأَنِّي قد كَبرت الْبَاء مُتَعَلقَة بقوله: أبلغ فِي الْبَيْت الْمُتَقَدّم. وَكبر من بَاب تَعب. ودق أَي: صَار دَقِيقًا يدق من بَاب ضرب دقة: خلاف غلظ فَهُوَ دَقِيق.

وروى: ورق جلدي أَي: صَار رَقِيقا بالراء من الرقة. وَلَا ناهية. وشغل من بَاب نفع.

وعني أَي: عَن تفقد أموري وإصلاحها. والكنائن: جمع كنة بِالْفَتْح وَالتَّشْدِيد وَهِي امْرَأَة الابْن وَالْأَخ يُرِيد: أَنَّهُنَّ نعم النِّسَاء. وألى بتَشْديد اللَّام أَي: مَا أبطؤوا وَمَا قصروا. وَهُوَ من ألوت.

يَقُول: مَا أَبْطَأَ بني عَن فعل المكارم وَمَا يجب عَلَيْهِم من الْقيام بأَمْري.

قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: معنى ألى قصر فِي بري. يُقَال: أَلا يألو فَإِذا أكثرت الْفِعْل قلت: ألى يؤلي تألية. انْتهى.

وَقَالَ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين: حَدثنَا أَبُو الْأسود النوشجاني

عَن الْعمريّ عَن أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ قَالَ: سَأَلَني الْقَاسِم بن معن عَن قَوْله: وَمَا ألى بني وَمَا أساؤوا قلت: أبطؤوا.

فَقَالَ: مَا تركت فِي الْمَسْأَلَة شَيْئا.

وَنقل صَاحب الصِّحَاح هَذِه الْحِكَايَة مجملة ثمَّ قَالَ أَبُو حَاتِم: والتألية التَّقْصِير وَمن قَالَ: وَمَا)

آلى بِالْمدِّ فَمَعْنَاه مَا أَقْسمُوا أَي: لَا يبروني. انْتهى.

وَقَالَ السَّيِّد المرتضى فِي أَمَالِيهِ: ألى بِالتَّشْدِيدِ هُوَ الصَّحِيح وَمَعْنَاهُ: قصر فِي قَول بَعضهم.

واللغة الْأُخْرَى أَلا مخففاً يُقَال: أَلا الرجل يألو إِذا قصر وفتر. فَأَما آلى بِالْمدِّ فِي الْبَيْت فَلَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ بِمَعْنى حلف وَلَا معنى لَهُ هَا هُنَا. انْتهى.

وَقَوله: إِذا كَانَ الشتَاء إِلَخ هَذَا الْبَيْت من أَبْيَات الْجمل وَغَيره.

ويروى: إِذا جَاءَ الشتَاء. وأدفئوني: سخنوني لأدفأ. يَقُول: إِذا دخل فصل الشتَاء فَدَثَّرُونِي بالثياب. فَإِن هَذَا الْفَصْل يضعف قُوَّة الشَّيْخ ويهدم عمره وَيخَاف عَلَيْهِ فِيهِ. وَدلّ على أَنه يُرِيد أَن يدفأ بالثياب لَا بِغَيْر ذَلِك قَوْله بعد الْبَيْت: فَأَما حِين يذهب كل قرٌّ.

والشتاء فِي غير هَذَا الْموضع يُرَاد بِهِ الضّيق وشظف الْعَيْش كَمَا قَالَ الحطيئة:

إِذا نزل الشتَاء بدار قومٍتجنب جَار بَيتهمْ الشتَاء
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «إذا نزل الشتاء بدار قوم»

إِذْ الشتَاء نَفسه لَا يقدر أحدٌ أَن يمْتَنع مِنْهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنهم يواسون من جاورهم فيتجنبه الضّيق وَسُوء الْحَال والمعيشة. ويهدمه من هدمت الْبناء من بَاب ضرب إِذا أسقطته فانهدم.

والقر بِضَم الْقَاف: الْبرد. والسربال بِالْكَسْرِ: الْقَمِيص. قَالَ الجواليقي: وأَو: بِمَعْنى الْوَاو.

وَقَوله: إِذا عَاشَ الْفَتى إِلَخ نصب عَاما على التَّمْيِيز كَمَا ينصب الْمُفْرد بعد الْعشْرين وَمَا فَوْقهَا.

وَلما صرفه عَن الْإِضَافَة نَصبه على التَّمْيِيز وأعمل فِيهِ مِائَتَيْنِ وَنصب مِائَتَيْنِ على الظّرْف.

قَالَ ابْن المستوفي: نسبت هَذِه الأبيات ليزِيد بن ضبة. وَالرِّوَايَة: إِذا عَاشَ الْفَتى سِتِّينَ عَاما فَلَا ضَرُورَة وَلَا شَاهد. انْتهى.

وَقَول شَارِح اللّبَاب: وَرُوِيَ: إِذا عَاشَ الْفَتى خمسين عَاما رِوَايَة واهية فَإِن ابْن الْخمسين لَا يبلغ من الضعْف هَذِه الرُّتْبَة.

وَالصَّحِيح أَن الأبيات للربيع بن ضبع الْفَزارِيّ كَمَا رَوَاهَا لَهُ جمٌّ غفير وَهُوَ من المعمرين أوردهُ أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين وَقَالَ:

قَالُوا: وَكَانَ من أطول من كَانَ قبل الْإِسْلَام عمرا: ربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض ابْن مَالك بن سعد بن عدي بن فَزَارَة عَاشَ أَرْبَعِينَ وثلثمائة سنة وَلم يسلم. وَقَالَ لما بلغ مِائَتي سنة وَأَرْبَعين سنة:)

أصبح مني الشَّبَاب قد حسراإِن ينأ عني فقد ثوى عصرا
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة
هَا أَنا ذَا آمل الخلود وَقدأدْرك عَقْلِي ومولدي حجرا
أَبَا امْرِئ الْقَيْس هَل سَمِعت بِهِهَيْهَات هَيْهَات طَال ذَا عمرا
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة
أَصبَحت لَا أحمل السِّلَاح وَلَاأملك رَأس الْبَعِير إِذا نفر
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة
وَالذِّئْب أخشاه إِن مَرَرْت بِهِوحدي وأخشى الرِّيَاح والمطرا
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة
من بعد مَا قوةٍ أسر بهَاأَصبَحت شَيخا أعالج الكبرا
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة

وَقَالَ لما بلغ مِائَتي سنة:

أَلا أبلغ بني بني ربيعٍفأشرار الْبَنِينَ لكم فدَاء
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة

الأبيات الْمُتَقَدّمَة. هَذَا مَا أوردهُ أَبُو حَاتِم.

وَأوردهُ ابْن حجر فِي قسم المخضرمين من الْإِصَابَة فِيمَن أدْرك النَّبِي ﷺ َ وَكَانَ يُمكنهُ أَن يسمع مِنْهُ فَلم ينْقل ذَلِك. وَقَالَ: هُوَ جاهلي ذكر ابْن هِشَام فِي التيجان أَنه كبر وخرف وَأدْركَ الْإِسْلَام. وَيُقَال: إِنَّه عَاشَ ثلثمِائة سنة مِنْهَا سِتُّونَ فِي الْإِسْلَام وَيُقَال: لم يسلم.

انْتهى.

وَذكره السَّيِّد المرتضى فِي فصل المعمرين من أَمَالِيهِ قَالَ:

وَمن المعمرين: الرّبيع بن ضبع الْفَزارِيّ يُقَال: إِنَّه بَقِي إِلَى أَيَّام بني أُميَّة وَرُوِيَ أَنه دخل على عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهُ: يَا ربيع أَخْبرنِي عَمَّا أدْركْت من الْعُمر والمدى وَرَأَيْت من الخطوب الْمَاضِيَة. فَقَالَ: أَنا الَّذِي أَقُول:

هَا أَنا ذَا آمل الخلود وَقدأدْرك عَقْلِي ومولدي حجرا

فَقَالَ عبد الْملك: قد رويت هَذَا من شعرك وَأَنا صبيٌّ. قَالَ: وَأَنا الْقَائِل:

إِذا عَاشَ الْفَتى مِائَتَيْنِ عَامافقد ذهب اللذاذة والفتاء
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة

قَالَ: وَقد رويت هَذَا من شعرك وَأَنا غُلَام وَأَبِيك يَا ربيع لقد طَار بك جدٌّ غير عاثر ففصل لي عمرك.

قَالَ: عِشْت مِائَتي سنة فِي فَتْرَة عِيسَى ﵇ وَعشرا وَمِائَة سنة فِي الْجَاهِلِيَّة وَسِتِّينَ سنة فِي الْإِسْلَام.)

قَالَ: فَأَخْبرنِي: عَن فتيةٍ من قُرَيْش متواطئي الْأَسْمَاء. قَالَ: سل عَن أَيهمْ شِئْت. قَالَ: أَخْبرنِي عَن عبد الله بن عَبَّاس. قَالَ: فهمٌ وَعلم وعطاءٌ جذم ومقرًى ضخم. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن عبد الله بن عمر. قَالَ: حلم وَعلم وَطول كظم وبعدٌ من الظُّلم.

قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن عبد الله بن جَعْفَر. قَالَ: رَيْحَانَة طيبٌ رِيحهَا لينٌ مَسهَا قَلِيل على الْمُسلمين ضرها. قَالَ: فَأَخْبرنِي عَن عبد الله بن الزبير. قَالَ: جبلٌ وعر ينحدر مِنْهُ الصخر.

قَالَ السَّيِّد ﵁: إِن كَانَ هَذَا الْخَبَر صَحِيحا فَيُشبه أَن يكون سُؤال عبد الْملك إِنَّمَا كَانَ فِي أَيَّام مُعَاوِيَة لَا فِي ولَايَته لِأَن الرّبيع يَقُول فِي الْخَبَر: عِشْت فِي الْإِسْلَام سِتِّينَ سنة وَعبد الْملك ولي فِي سنة خمس وَسِتِّينَ من الْهِجْرَة. فَإِن كَانَ صَحِيحا فَلَا بُد مِمَّا ذَكرْنَاهُ. فقد رُوِيَ أَن الرّبيع أدْرك أَيَّام مُعَاوِيَة.

وَيُقَال: إِن الرّبيع لما بلغ مِائَتي سنة قَالَ: أَلا أبلغ بني بني ربيعٍ........ الأبيات الْمُتَقَدّمَة

وَقَوله: عطاءٌ جذم أَي: وكل شَيْء تسرعت بِهِ فقد جذمته. وَفِي الحَدِيث: إِذا أَذِنت فرتل وَإِذا أَقمت فاجذم أَي: أسْرع. والمقرى: الْإِنَاء الَّذِي يقرى فِيهِ الضَّيْف. انْتهى مَا ذكره السَّيِّد المرتضى.

وَقَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: روى الروَاة أَن الرّبيع بن ضبع عَاشَ حَتَّى أدْرك الْإِسْلَام وَأَنه قدم الشَّام على مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَمَعَهُ حفداته. وَدخل حفيده على مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: اقعد با شيخ. فَقَالَ لَهُ: وَكَيف يقْعد من جده بِالْبَابِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لَعَلَّك من ولد الرّبيع بن ضبع فَقَالَ: أجل. فَأمره بِالدُّخُولِ فَلَمَّا دخل سَأَلَهُ مُعَاوِيَة عَن سنه فَقَالَ:...

كَأَنَّهَا درةٌ منعمةٌمن نسوةٍ كن قبلهَا دررا
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة
أصبح مني الشَّبَاب مبتكراإِن ينأ عني فقد ثوى عصرا
للشاعر الربيع بن ضبع الفزاري، اقرأ القصيدة

إِلَى آخر الأبيات الْمُتَقَدّمَة. فَقَرَأَ مُعَاوِيَة: وَمن نعمره ننكسه فِي الْخلق. انْتهى.

وَقد أورد أَبُو زيد فِي نوادره هَذِه الأبيات كَذَا. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: الزخين بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الْأَخْفَش: الَّذِي صَحَّ عندنَا بِالْجِيم.

وَقَوله: أصبح مني الشَّبَاب إِلَخ حسر الْبَعِير: أعيا. وروى: مبتكراً اسْم فَاعل من الابتكار.)

وَقَوله: فارقنا أَي: الشَّبَاب. وَهَذَا الْبَيْت أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي على أَن المُرَاد: أَرَادَ فراقنا.

قَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: ظَاهر هَذَا الْبَيْت إِلَى التَّنَاقُض لأَنا إِذا فارقنا فقد فارقناه لَا محَالة فَمَا معنى قَوْله من بعد: قبل أَن نفارقه. وَهُوَ عندنَا على إِقَامَة الْمُسَبّب مقَام السَّبَب وَهُوَ وضع الْمُفَارقَة مَوضِع الْإِرَادَة لقرب أَحدهمَا من الآخر.

وروى بدله: وَدعنَا قبل أَن نودعه قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة على الْمُغنِي: وَقع فِي حماسة أبي تَمام قَول ربيع بن زِيَاد يرثي مَالك بن زُهَيْر الْعَبْسِي:

من كَانَ مَسْرُورا بمقتل مالكٍفليأت نسوتنا بِوَجْه نَهَار
يجد النِّسَاء حواسراً يندبهبالصبح قبل تبلج الأسحار

قَالَ المرزوقي: إِنِّي لأتعجب من أبي تَمام مَعَ تكلفة رم جَوَانِب مَا اخْتَارَهُ من الأبيات كَيفَ ترك قَوْله: فليأت نسوتنا وَهِي لفظةٌ شنيعة جدا. وَأَصْلحهُ المرزوقي بقوله: فليأت ساحتنا.

قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: وَأَنا أتعجب من جَار الله كَيفَ لم يُورِدهُ على هَذَا الْوَجْه وحافظ على لفظ الشَّاعِر دراية مَعَ زَعمه أَن الْقُرَّاء يقرؤون الْقُرْآن برأيهم. وَأَنا أتعجب من إنشاد صَاحب الْمُغنِي لمثل هَذَا الْبَيْت أوردهُ هُنَا مَعَ أَنه أشنع من بَيت الحماسة وأفحش. وَلَقَد كَانَ فِي غنية بِمَا أوردهُ من الْكتاب وَالسّنة.

قَالَ ابْن نباتة فِي مطلع الْفَوَائِد وَمجمع الفرائد: فِي قَوْله: بالصبح قبل تبلج الأسحار سؤالٌ لطيف وَهُوَ أَن الصُّبْح لَا يكون إِلَّا بعد تبلج الأسحار فَكيف يَقُول قبله وَالْجَوَاب: أَنه أَرَادَ بقوله: يندبه بالصبح أَنَّهُنَّ يصفنه بالخلال المضيئة والمناقب الْوَاضِحَة الَّتِي هِيَ كالصبح. انْتهى.

وَقَوله: أَصبَحت لَا أحمل السِّلَاح إِلَخ أورد فِي التفسيرين عِنْد قَوْله تَعَالَى: فهم لَهَا مالكون على أَن الْملك الضَّبْط والتسخير كَمَا فِي قَوْله: لَا أملك رَأس الْبَعِير أَي: لَا أضبطه.

وَقَوله: وَالذِّئْب أخشاه إِلَخ أوردهُ سِيبَوَيْهٍ فِي كِتَابه والزجاجي فِي جمله وَابْن هِشَام فِي شرح)

الألفية بَاب الِاشْتِغَال على أَن الذِّئْب مَنْصُوب بفعلٍ يفسره أخشاه.

يَقُول: قد ضعفت قواه عَن حمل سلَاح الْحَرْب وَصَارَ فِي حَال من لَا يقدر على تصريف الْبَعِير إِذا رَكبه وَيخَاف الذِّئْب أَن يعدو عَلَيْهِ ويتأذى بِالرِّيحِ إِذا هبت والأمطار إِذا نزلت.

وَحجر بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَالْجِيم هُوَ أَبُو امْرِئ الْقَيْس الشَّاعِر. وَقَوله: طَال ذَا عمرا هُوَ تعجب. أَي: مَا أطول هَذَا الْعُمر.

وَقَوله: من بعد مَا قُوَّة إِلَخ مَا زَائِدَة. وأعالج أَي: أقاسي أمراض الْكبر.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»